مقالات

علاء سليم يكتب… الأفاعي لا تنتظر أحد

علاء سليم يكتب… الأفاعي لا تنتظر أحد

في الغابة الدولية، لا مكان للبراءة السياسية، ولا مساحة للحياد الساذج. هناك أفاعٍ لا تنام، لا تساوم، ولا تنتظر كثيرًا. تتحرك حين تشمّ رائحة الضعف، وتضرب حين تجد فجوة في الجدار. ومن يظن أن الأفعى التي لا تلدغه اليوم ستمنحه الأمان غدًا، فهو يوقّع بيده على صكّ انتحار مؤجل.
ليس ما يحدث حولنا مجرد خلافات دبلوماسية أو رسائل ردع محدودة. ما يجري هو إعادة تشكيل خرائط، وخلخلة توازنات، واختبار إرادات. الهجمات على إيران – سواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساتها – ليست مجرد تأديب لنظام، بل رسالة أكبر بكثير من حدود دولة بعينها. إنها اختبار لرد الفعل الإقليمي، وقياس لمدى استعداد المنطقة للتماسك أو التفكك.
هناك من يردد: “دع الأفعى التي لا تلمسني تعيش ألف عام”. لكن التاريخ لا يرحم هذا النوع من الحكمة الزائفة. فالأفعى حين تنتهي من فريستها الأولى، لا تعتزل الصيد، بل تبحث عن التالية. ومن يراقب بصمت سقوط غيره، عليه أن يتذكر أن الدور سيأتي عليه حين يفرغ المسرح من اللاعبين.
السياسة ليست عاطفة، لكنها أيضًا ليست غفلة. في عالم لا يعترف إلا بالقوة والمصالح، يصبح الصمت موقفًا، والحياد انحيازًا غير معلن، والتخلي عن الجار اليوم استعدادًا للوقوف وحيدًا أمام السكين غدًا. من يظن أن حدوده محصنة لمجرد أنه لم يُستهدف بعد، يتجاهل أن الخرائط في زمن الصراعات تُرسم بقلم النار، لا بالحبر.
سقوط إيران – أو حتى إضعافها الشديد – لن يكون حدثًا معزولًا. سيكون بداية دومينو سياسي وأمني قد يطال الجميع. ليس حبًا في أحد، ولا دفاعًا عن نظام، بل إدراكًا لقاعدة ثابتة: حين يُكسر توازن إقليمي دون بديل مستقر، فإن الفوضى هي البديل الوحيد.
السؤال الحقيقي ليس: هل نتفق مع إيران أم نختلف؟
السؤال الأخطر هو: هل نعي أن مبدأ “النأي بالنفس” في لحظات التحولات الكبرى قد يتحول إلى عزلة قاتلة؟
المنطقة اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن تدرك أن الأمن لا يتجزأ، وأن استباحة دولة اليوم سابقة خطيرة للغد،
وإما أن تكتفي بالمشاهدة… حتى يصل اللهيب إلى عتبات بيوتها.
الأفاعي لا تنتظر أحدًا.
ومن لا يستعد، لن يملك رفاهية الندم.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى