الأمن القومي في الزمن الرقمي: استراتيجياته وأهدافه بين الإيجابي والسلبي وفق المعايير الدولية

الأمن القومي في الزمن الرقمي: استراتيجياته وأهدافه بين الإيجابي والسلبي وفق المعايير الدولية
فكرة / بحث / تحرير:
روضة الورتاني
تونس – آيسك نيوز الدولية
لم يعد الأمن القومي أسواراً وجنوداً على الحدود. في الزمن الرقمي صار ساحة المعركة بلا جغرافيا، والعدو قد يكون سطر كود، والسلاح تغريدة، والخطر يأتي عبر كابل بحري أو قمر صناعي. المتغيرات التقنية أعادت تعريف السيادة والاستقلال، وفرضت على الدول إعادة هندسة استراتيجياتها بين حماية المواطن وتمكينه، وبين الردع والانفتاح. فأين يقف الأمن القومي الرقمي اليوم بين الإيجابي والسلبي حسب المعايير الدولية؟ ماذا تغيّر؟ المتغيرات الخمس الكبرى
اختفاء الحدود/ الهجوم السيبراني لا يحتاج تأشيرة دخول. فيروس واحد يمكنه تعطيل محطة كهرباء في ثوانٍ.
تعدد الفاعلين /
لم تعد الدول وحدها لاعباً. شركات التكنولوجيا، مجموعات الهاكرز، وحتى أفراد يملكون قدرة تهديد دولة.
سلاح المعلومات في تفشي الأخبار الزائفة والتضليل أصبحت أداة لضرب الاستقرار الاجتماعي والثقة في المؤسسات.
البيانات هي النفط
الجديد في من يملك البيانات يملك القرار. تسريبها أو احتكارها تهديد مباشر للسيادة.
الاعتماد المتبادل والحرج في انقطاع الإنترنت لساعة قد يشل اقتصاداً كاملاً، من البنوك إلى المستشفيات.
استراتيجيات الأمن القومي الرقمي – الأهداف الدولية المشتركة
الركيزة الاستراتيجية الهدف الإيجابي حسب المعايير الدولية الانزلاق السلبي المحتمل
الحماية السيبرانية /
تأمين البنى التحتية الحيوية: طاقة، مياه، صحة، بنوك. معيار ISO/IEC 27001 نموذجاً التحج بالأمن لحجب المواقع وتقييد حرية التعبير. الصين نموذج الجدار الناري
السيادة الرقمية توطين البيانات الحساسة، تشجيع البرمجيات مفتوحة المصدر، دعم الشركات المحلية. الاتحاد الأوروبي وقانون GDPR الانعزال التقني وفرض “إنترنت سيادي” يمنع المواطن من الوصول للمعرفة العالمية
مكافحة التضليل في إنشاء وحدات رصد وتحقق، تثقيف رقمي للمواطن، شراكة مع المنصات لحذف المحتوى الضار استخدام قوانين “الأخبار الزائفة” لملاحقة المعارضين والصحفيين
الردع السيبراني/ بناء قدرات هجومية دفاعية معلنة للرد على أي هجوم، مثل الوحدة 8200 الإسرائيلية أو US Cyber Command سباق تسلح رقمي واندلاع حروب سيبرانية يذهب ضحيتها المدنيون
الدبلوماسية الرقمية خامس توقيع اتفاقيات دولية لتجريم الهجمات على المستشفيات والسدود. اتفاقية بودابست للجريمة السيبرانية تحالفات رقمية تصبح تكتلات استقطابية تزيد الانقسام العالمي
*ثالثاً: المعايير الدولية – أين نقف؟
معيار الشرعية/ الأمم المتحدة أكدت أن القانون الدولي، بما فيه ميثاق الأمم المتحدة، ينطبق على الفضاء السيبراني. أي أن الهجوم الرقمي قد يعتبر “استخداماً للقوة” ويستوجب رداً.
معيار التناسب يكون الرد على الهجوم السيبراني يجب أن يكون متناسباً. لا يجوز تعطيل شبكة كهرباء دولة كاملة رداً على اختراق موقع إخباري.
معيار حقوق الإنسان وكتقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة يشدد أن الأمن الرقمي لا يبرر المراقبة الجماعية. الخصوصية حق وليست امتيازاً.
معيار الشفافية مبادئ باريس للأمن السيبراني 2018 تلزم الدول بالإفصاح عن الثغرات التي تكتشفها، لا احتكارها كسلاح.
حالة تونس والعرب – الفرص والتحديات
الإيجابي: تونس أطلقت الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2020-2025، وأنشأت الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية. دول الخليج تستثمر مليارات في المدن الذكية المؤمنة.
السلبي: لا يزال هناك خلط بين الأمن القومي وأمن النظام. قوانين الجرائم الإلكترونية في بعض الدول فضفاضة وتُستخدم لتكميم الأفواه. الاعتماد شبه الكامل على البرمجيات والخوادم الأجنبية يبقي السيادة منقوصة.
توصيات ذهبية لأمن رقمي متوازن
1 الأمن بالتصميم لا بالمنع اذا لا بد ان نبنِي أنظمة قوية بدل أن تمنع المواطن من الاستخدام. الحجب دليل ضعف تقني.
2. المواطن هو خط الدفاع الأول أذ تجد علي الأقل 95% من الاختراقات تبدأ بخطأ بشري. الاستثمار في التوعية أهم من شراء أجهزة بمليون دولار.
3. لا أمن بدون حريات وعلي الدولة القوية لا تخاف من مواطن ينتقد، بل تخاف من مواطن جاهل يسهل اختراقه.
4. التعاون لا المواجهة فلا توجد دولة تستطيع حماية فضائها الرقمي وحدها. الجريمة السيبرانية عابرة للحدود، والحل يجب أن يكون كذلك.
إذا حكينا عن المعادلة الصعبة
الأمن القومي الرقمي يشبه السير على حبل مشدود. إن ملته نحو القبضة الأمنية سقطت الحريات والابتكار. وإن ملته نحو الانفتاح المطلق سقطت الدولة. المعايير الدولية ترسم خط الوسط: حماية دون قمع، سيادة دون عزلة، ردع دون حرب.
في النهاية، أقوى جدار ناري هو المواطن الواعي. وأذكى استراتيجية أمنية هي التي تجعل المواطن يشعر أنه شريك في حماية الوطن، لا هدف للمراقبة.
القاعدة الرقمية في الزمن الرقمي، السيادة لا تُقاس بعدد الدبابات، بل بعدد الخوادم التي تملكها، وعدد العقول التي تحميها، وعدد الحريات التي تصونها.
سؤالي المطروح ؟ هل ترون أن دولنا العربية قادرة على تحقيق هذا التوازن، أم أن هاجس “الاستقرار” سيبقى يبرر التضحية بالحريات؟




