◙ ” سلسلة خواطر ” بقلم : الدكتور يحيى خيرالله
.
سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.
أما هو، فالصندوق الأبيض.
صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.
ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..
وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.
.
◙ ممرّ بين الخشوع واللهو..
.
حين بلغت الفقرة ذروتها في “نهاية ارتداء الحلم”، لم يعد الحلم رداءً يحمي، بل قيداً يخنق، وهنا ينقلب الشك من همس داخلي إلى فعل، ثورة على المعنى المستقر، انقلاب على يقينٍ تآكل حتى صار خرقة بالية لا تستر عورة العالم.
أصبح شغله الشاغل الإجابة عن سؤال يستفزه، لماذا “فتاة الكمان” أخرجت لسانها؟ أظن أن اللوحة لا تسخر، بل هي تشهد، نعم، تشهد على عالمٍ اختلّ توازنه، حتى الفن يرفض أن يكون مهذباً. إخراج اللسان ليس وقاحة، بل إعلان رفض، رفض القداسة الزائفة، رفض الصمت المتفق عليه، رفض أن نمرر الحقيقة مغلفة بالزخارف، اللسان الممدود هو المعنى الوحيد الذي لم يُكذّب بعد، هو السؤال مجسّداً: “هل ما زلتم تصدقون هذه اللوحة؟ ” ولهذا غادر مكتب الأب.
يمثل مكتب الأب استعارة لليقين الموروث، الكتب المصفوفة، الخرائط المعلقة، صوت الساعة التي تعد الوقت كما لو كان ملكاً لأحد، لكن حين يصبح السؤال هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، يصبح البقاء في المكتب خيانة.
قرر الخلاص من أفكاره بتجوله في المدينة العتيقة، لم يتجه إلى شارعٍ جديد، بل اتجه إلى شارعٍ قديم لأن الحقيقة لا تُخترع، بل يُكشف عنها الغبار فقط، لقد سمعت الشوارع أسئلة كثيرة قبله ومات أصحابها دون إجابة، وهذا عزاؤه: أنه ليس وحيداً في التيه، خطواته الآن ليست هروباً، هي أول سطر في نص جديد يكتبه بقدميه. نصّ لا يطلب خاتمة، بل يكتفي بشرف المحاولة.
وكأنه يريد الخلاص من حالة تملكته، بالنظر إلى هناك، حيث ترتفع قبة المسجد العتيق كنبضٍ ثابتٍ في جسد المدينة، تتسلّل منها ابتهالاتٌ خاشعة تشقّ العلوّ برفق، كأنها قلبٌ لا يشيخ مهما تبدّل من حوله، يواصل خفقانه في صمتٍ مهيب. تتسلّل منها ابتهالاتٌ خاشعة تشقّ العلوّ برفق، لا كصوتٍ عابر، بل كأنها أنفاسٌ مطمئنة تصعد من أعماق الأرض إلى اتساع السماء، فتغسل ما تراكم في الروح من غبار، وتعيد للمدينة لحظة صفاءٍ نادرة تشبه الضوء حين يمرّ على الماء دون أن يكدّره.
كأنها تحاول أن تُبقي السماء قريبة من الأرض، أصوات المصلّين هناك لا تُسمع بقدر ما تُحَسّ، كأنها دعاءٌ ينساب في الهواء ليغسل ما لا يُغسل، وينساب بهدوءٍ يشبه المطر الخفيف حين يلامس قلب الأرض لا سطحها، لا تدخل الأذن فقط، بل تتسلّل إلى الداخل العميق من الروح، فتلامس ما عجز الكلام عن الوصول إليه، وتغسل طبقاتٍ من التعب لا يُرى أثرها، لكنها تثقل الإنسان بصمت. هناك، يصبح الصوت صلاةً ممتدّة لا تنتهي عند اللسان، بل تبدأ منه لتسافر في الجهات كلّها، كأنها محاولة خفية لإعادة ترتيب ما بعثره العالم في الداخل.
وفي الجهة المقابلة، على مسافةٍ لا تقاس بالأمتار بل بالتناقض، تتوهج الحانة كجسدٍ آخر للمدينة؛ أضواؤها متكسّرة، وضحكاتها متثاقلة، وصوت الغانية يتهادى من الداخل كأغنيةٍ فقدت معناها وبقي إيقاعها وحده يرقص فوق الزجاج والفراغ، هناك، لا يرتفع الدعاء، بل يرتفع النسيان، ولا يُطلب الصفاء، بل يُستدعى الضجيج ليغطي شيئًا لا يُقال.
وبين القبة والحانة، لا يبدو الطريق طريقًا، بل شقًّا مفتوحًا في روح المدينة؛ شقٌّ تتساقط فيه الأسئلة دون أن تجد جوابًا، ويعبره الناس كأنهم لا يرون التناقض، أو كأنهم اعتادوا أن يسكنوا المسافة بين النور والغياب دون أن يسمّوها.
وفي هذا الامتداد الملتبس، تصبح المدينة كلها مرآةً مزدوجة: وجهٌ يتجه نحو السماء في خشوع، ووجهٌ آخر ينحني نحو الأرض في لهو، وبين الوجهين إنسانٌ واحدٌ يتأرجح، لا يدري أيّهما الحقيقة وأيّهما الظل.
وجهٌ يتجه نحو السماء في خشوعٍ كأنه يبحث عن خلاصٍ لا يُرى، ووجهٌ آخر ينحني نحو الأرض في لهوٍ كأنه يهرب من نفسه لا من العالم. وبين هذين الامتدادين، يقف الإنسان معلّقًا في منطقةٍ رمادية، لا هو ثابتٌ في يقين السماء ولا غارقٌ تمامًا في غواية الأرض؛ يتأرجح بين نداءٍ يرفعه ودعوةٍ تسحبه، حتى تختلط عليه الملامح، فلا يعود يدري: أيُّهما حقيقته… وأيُّهما مجرد ظلٍّ لوجهه الآخر.
وجهٌ يتجه نحو السماء في خشوعٍ صادق، كأنّه يرفع ما أثقلته الحياة من خيباتٍ وأسئلةٍ لا تنتهي، يطلب معنىً أعلى من ضجيج الواقع، ويستند إلى يقينٍ خافتٍ يشبه الضوء في آخر النفق. ووجهٌ آخر ينحني نحو الأرض في لهوٍ متعب، لا طلبًا للفرح بقدر ما هو هروبٌ من ثقل الوعي، انغماسٌ في لحظةٍ عابرة تُنسيه ما لا يستطيع احتماله.
وبين هذين الوجهين، لا يقف الإنسان واقفًا حقًّا، بل يتأرجح ككائنٍ مشدودٍ بحبلين متعاكسين؛ حبلٍ يشدّه إلى الأعلى حيث الصفاء والسكينة، وآخر يسحبه إلى الأسفل حيث الغريزة والاندفاع. في داخله لا يحدث الصراع بصوتٍ عالٍ، بل همسٌ متواصل يبدّل قناعاته كما تتبدّل ظلال الغيوم فوق وجه الماء.
تختلط عليه الجهات حتى تصبح الروح مرآةً مزدوجة: إن نظر إلى السماء ظنّ الأرض خطيئته، وإن انحنى إلى الأرض خشي أن السماء كانت خلاصه الضائع، وهكذا يمضي، لا هو استقرّ في يقينٍ يطمئنه، ولا انفلت تمامًا من شكٍّ يطارده، بل يظلّ عالقًا بين احتمالين، كأنه يعيش في المسافة الفاصلة بين الحقيقة وظلّها، دون أن يملك الجرأة ليحسم أيّهما هو.




