الجاليات في العالمالجالية العربية والمصريةالحدثالعالمالعالم العربيعاجلمقالات

السهم المكسور : إيران تعيد كتابة قواعد القوة ليبدأ عصر ما بعد الهيمنة الأميركية؟

◙ روسيا والصين تديران ولادة نظام عالمي جديد

◙ بقلم : د. سالي صلاح

.

◙ معلومة | السهم المكسور هو نداء الاستغاثة التكتيكي في حرب فيتنام، كان يُستخدم كرمز سري (Code Word) للإشارة إلى أن وحدة برية أمريكية تتعرض لإبادة أو هجوم عنيف وحينها يتم توجيه جميع الطائرات المتاحة لتقديم دعم جوي قريب فوري لإنقاذ الوحدة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

** لم يعد الصراع الإيراني-الأمريكي مجرد تبادل تهديدات؛ لقد تحول إلى **حرب استنزاف متعددة الجبهات** كشفت عن هشاشة الردع الأمريكي التقليدي. التحليل الدقيق للمعطيات الحالية يرسم صورة قاتمة لواشنطن وحلفائها، بينما تؤكد طهران أنها نجحت في تحويل ميزان القوى لصالحها عبر استراتيجية “رفع التكلفة” لا الانتصار العسكري المباشر.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

 * اعترافات السيناتور ساندرز: شهادة على انهيار اليقين الأمني

في جلسة استماع كونغرسية مثيرة للجدل، أقرّ السيناتور الديمقراطي **برني ساندرز** بحقائق لم تعد قابلة للتكذيب: *”لقد فقدنا السيطرة على المنطقة، وأي مواجهة مباشرة مع إيران الآن ستكون مميتة”* . وأشار إلى تقارير استخباراتية تؤكد أن الصواريخ الإيرانية قادرة على ضرب أهدافها بدقة على مدى آلاف الكيلومترات، وأن الدفاعات الجوية الأمريكية لن تصمد طويلاً. تحذيره الأخطر كان واضحاً: *”المخزون الاستراتيجي قد ينفد خلال 48 ساعة، والقواعد في الخليج ستتحول إلى مقابر جماعية”* . هذه ليست تصريحات هامشية، بل هي **اعتراف رسمي من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية** بأن عصر الهيمنة العسكرية المجانية انتهى، وأن إيران بنت حائط صد صاروخي يجعل أي جنرال أمريكي يفكر ألف مرة قبل الضغط على زر الهجوم.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

  • باب المندب وهرمز: خنق تدريجي لا إغلاق كامل

المعادلة البحرية الأخطر اليوم هي أن الضغط لا يأتي من جبهة واحدة فقط. تقارير رويترز وغيرها تشير إلى أن إيران باتت تستخدم باب المندب كورقة ضغط موازية لهرمز، عبر الحوثيين، بما يرفع كلفة التأمين والشحن ويضغط على التجارة والطاقة، حتى من دون إعلان إغلاق كامل للممرات البحرية. هذا النمط أخطر من الإغلاق المباشر أحيانًا، لأنه يخلق **ردعًا رماديًا**: لا حرب شاملة، لكن لا ملاحة طبيعية أيضًا. الهدف ليس قطع الطريق تماماً، بل جعل تكلفة التأمين والشحن باهظة لدرجة تجبر الشركات الدولية على إعادة النظر في مساراتها، وتضع واشنطن أمام خيار مستحيل: إما دفع تكاليف أمنية خيالية لحماية الملاحة، أو الاعتراف بعجزها عن ضمان حرية المرور.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

 * الخليج والأردن: استهداف البنية الحيوية وكسر حاجز المناعة الجغرافية

لم تعد الضربات الإيرانية تقتصر على القواعد العسكرية؛ فقد دخلت مرحلة **استهداف البنية التحتية الحيوية والمدنية** بشكل ممنهج. في الكويت، طالت الهجمات محطات تحلية المياه والكهرباء ومرافق مدنية حساسة، مما يعني أن الصراع انتقل من الرسائل العسكرية إلى ضرب قدرة الدولة على توفير الماء والطاقة لمواطنيها. وفي السعودية، أسفرت موجات التصعيد في يوليو 2026 عن تهديد مباشر للمنشآت النفطية والبتروكيماوية ومحطات التحلية الكبرى، ما يعكس توجهاً إيرانياً واضحاً لربط أمن الطاقة العالمي بمعادلة الردع الإقليمية. أما الأردن، فلم يكن بمنأى عن هذا الاستهداف؛ حيث اعترضت دفاعاته الجوية صواريخ اخترقت مجاله الجوي، وتعرضت قواعده العسكرية والمطارات لضربات مباشرة ألحقت أضراراً بالمدرجات والمرافق اللوجستية، وكسرت بذلك حاجز “المناعة الجغرافية” الذي كان يُنسب للمملكة.

هذا النمط الجديد يوسّع أثر الحرب من الميدان العسكري إلى **حياة السكان اليومية والاستقرار الاقتصادي**، ويجعل الأمن المائي والطاقي واللوجستي جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع نفسها. أمن المياه والكهرباء وسلاسل الإمداد لم يعد رفاهية أو خطاً أحمر محصناً، بل أصبح ورقة ضغط إيرانية فعالة ترسل رسالة واضحة: **لا يوجد هدف حيوي في المنطقة بمأمن من الاستهداف عندما ينهار الردع العسكري التقليدي**.

 الإدانات السعودية الرسمية للاعتداءات المتكررة واعترافات القيادة الأردنية باختراق المجال الجوي تؤكد أن هذه ليست حوادث عابرة، بل هي استراتيجية متكاملة لتحويل الرفاهية الخليجية والاستقرار الأردني إلى رهائن في يد طهران.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

* الكيان في استنزاف مفتوح

الكيان الصهيوني ما يزال في حالة حرب واستنفار دائم، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية في القطاع وتزايد الضغط الإقليمي من البحر الأحمر وما حوله. التقارير الأخيرة تظهر استمرار الاشتباكات وصعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة، مما يعني أن الكيان يواجه نزيفًا طويل الأمد يستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية ويعمق الانقسام الداخلي. إيران لا تحتاج لهزيمة عسكرية ساحقة؛ يكفيها إبقاء الخصم في حالة عدم استقرار دائم تمنعه من تحقيق أي توازن استراتيجي أو سياسي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

 * أمريكا: إعادة تموضع تكتيكي تحت وطأة الاستنزاف

كشف تقرير “وول ستريت جورنال” ويورونيوز أن حجم الأضرار التي لحقت بقاعدة البحرية الأمريكية في البحرين (مركز الدعم البحري)، نتيجة ضربات صاروخية إيرانية نُفذت بين فبراير ويوليو 2026، دفع واشنطن إلى **إعادة نظر جذرية في انتشارها العسكري**. ورغم تأكيد القيادة المركزية (سنتكوم) أن الاستراتيجية ركزت على “حماية الأفراد على حساب المباني” بعد إطلاق أكثر من 8 آلاف صاروخ ومسيّر، إلا أن الضرر طال مقر القيادة و12 مبنى ومحطتي اتصالات فضائية.

هذا الواقع الميداني فرض على البنتاجون **إعادة تموضع للقوات الأمريكية**، بما يشمل تقليص الوجود في الكويت والسعودية، ونقل مراكز القيادة إلى منشآت تحت الأرض، وتوزيع القدرات بعيداً عن مرمى الصواريخ الإيرانية. ، كإجراء احترازي ناتج عن تقييم مخاطر حقيقي: نقص المخزون الاستراتيجي وتكاليف الحرب المقدرة بنحو 40 مليار دولار أجبرت القيادة العسكرية على تجنب تعريض قواتها لاستنزاف كارثي. التسريبات الداخلية حول جاهزية الجيش  هي صرخة مؤسسة تدرك أن قدراتها الحالية لا تسمح بمواجهة شاملة دون خسائر غير مقبولة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

 * إيران: استراتيجية النفس الطويل والردع المكسور

طهران لا تلعب بورقة الصواريخ فقط؛ إنها تلعب بورقة **التكلفة السياسية والاقتصادية**. إدراكها لضعف المخزون الأمريكي والانقسام الداخلي في واشنطن منحها ثقة غير مسبوقة. هي لا تسعى لحرب وجودية، بل لإجبار الخصم على الاعتراف بحدود قوته والتفاوض من موقع ضعف. نجاحها في ربط مصير مضيق هرمز بباب المندب والبنية التحتية الخليجية  و القطاع خلق شبكة مترابطة من التهديدات يصعب على واشنطن فكها بمفردها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

 * روسيا والصين: اللاعبان الخفيان اللذان يمنعان الحرب العالمية

هذا الصراع *هو أخطر أزمات النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. روسيا والصين ليستا طرفاً مباشراً في القتال، لكنهما **تديران الأزمة من الخلف** لضمان استمرار تآكل النفوذ الأمريكي دون انزلاق إلى مواجهة مباشرة تهدد مصالحهما:

 **روسيا:** تستفيد من انشغال أمريكا في الخليج لتخفيف الضغط عن جبهة أوكرانيا، وتوفر غطاءً دبلوماسياً وتقنياً لطهران، مما يمنحها مساحة مناورة أكبر.

 **الصين:** تعمل كراعي اقتصادي لضمان تدفق الطاقة، وتقدم نفسها كبديل دبلوماسي للاستقرار، وتستغل تراجع الثقة في المظلة الأمريكية لتعزيز نفوذها السياسي في المنطقة تدريجياً.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

 * توقعات المرحلة القادمة

بناءً على المعطيات الحالية، تتجه المنطقة نحو السيناريوهات التالية:

  1. **استمرار “الحرب الباردة الساخنة”:** لن تتحول الأزمة إلى حرب عالمية إلا في حال خطأ حسابي فادح يجبر روسيا أو الصين على التدخل المباشر، وهو ما يتجنبانه حالياً. ستبقى المنطقة في حالة تصعيد محدود ومُدار لفترة طويلة.
  2. **عودة المفاوضات من موقع قوة إيرانية:** إدراك واشنطن لضعف مخزونها وأضرار قواعدها سيدفعها للبحث عن تفاهمات جديدة بشروط إيرانية أفضل، باستخدام ورقة “عدم الجاهزية العسكرية” للحصول على تنازلات اقتصادية وأمنية.
  3. **إعادة تموضع التحالفات الإقليمية:** حلفاء أمريكا في الخليج سيدركون أن المظلة الأمريكية أصبحت مثقوبة، مما سيدفعهم لتعزيز دفاعاتهم الذاتية، وفتح قنوات اتصال مباشرة مع طهران، والتنويع الاستراتيجي وعدم الرهان الكامل على الحماية الأمريكية.
  4. **الغموض النووي الإيراني كرادع دائم:** إيران ستبقي العالم في حالة “غموض استراتيجي” بشأن برنامجها النووي كأفضل ردع، ولن تعلن القنبلة رسمياً إلا عند خطر وجودي مباشر، لكنها ستستخدم التقدم النووي كضمانة ضد أي هجوم أمريكي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

* الحكم النهائي: نهاية عصر اليقين الأمني

المنطقة دخلت مرحلة جديدة من **الردع المكسور والتهديدات المتزامنة**. لم يعد هناك طرف قادر على فرض إرادته بالقوة الغاشمة دون ثمن باهظ. أمريكا لم تُهزم، لكنها فقدت القدرة على الضمان الأمني المطلق. إيران لم تنتصر، لكنها نجحت في إعادة تعريف قواعد اللعبة. والحلفاء الإقليميون يدركون الآن أن الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية أصبح رهاناً خاسراً.

**المرحلة القادمة لن تحسمها الصواريخ، بل ستحسمها القدرة على تحمل التكلفة.** ومن يستطيع إدارة هذا الاستنزاف بأقل خسائر سياسية واقتصادية، هو من سيخرج منتصراً في هذه الحرب الصامتة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

بقلم : د. سالي صلاح

خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد والتسويق الدولي | استشاري هندسة استراتيجيات النمو وتحويل مسارات الشركات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى