ثقافةقصصمقالات

ذاكرة الغرفة وصمت الصندوق الأبيض – [الجزء الثامن] …

<<< رقـــص الألـــوان >>> ...

◙ ” سلسلة خواطر “ بقلم : الدكتور / يحيى خيرالله

سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.

 

أما هو، فالصندوق الأبيض. صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.

 

ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..

 

وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن  يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.

.

◙ رقـــص الألـــوان

.

ينتابه شوق جارف دائمًا إلى مكتب أبيه، ففيه سُجّلت لحظات الذكريات بحبر الصبر، قادته خطاه دون وعي إلى هناك، جلس مكان أبيه على كرسي المكتب الخشبي العتيق، تلمّس الخشب البارد كما لو كان كفّ أبيه، ثم ضحك ضحكة عالية… ضحكة فيها بكاء لأن الكرسي ما زال

يحتفظ بدفء غيابه، صمت فجأة، كما يصمت القتيل بعد الطعنة الأخيرة، وتساقطت دموعه، لا قطرة قطرة… بل كانهيار سد كان يحبس عمرًا من الغفلة.

لم يكن يدري أن خيوط الفجر تسللت غدرًا إلى سواد شعره، فمنحته هيبة لم يعهدها، ألقى بأثقال الدنيا وراء ظهره، ثم تهيأ في خشوع، كأنما يستعد لملاقاة لا تليق بها إلا طهارة الجسد والروح.

 صوت ساعة الحائط القديمة هو النبض الوحيد في الغرفة، دقاتها ثقيلة… كأنها تعدّ له أنفاسًا لم يعشها بعد، وعلى الجدار المقابل، صورة أبيه المعلّقة تنظر إليه بعيون لا تشيخ، عيون تقول دون كلام:

-“ها قد صرتَ مكاني”.

 ارتجف قلبه، وأدرك متأخرًا أن الكرسي الذي يجلس عليه لم يعد خشبًا… بل أمانة، وأن الشيب الذي زيّن رأسه لم يكن صدفة… بل توقيع الأب على وصية الغياب. 

 فجأة، خيّم السكون على المكان، وهنا، طاف دعاء عبد الحليم حافظ كطيرٍ يبحث عن عشه، في كل اركان الغرفة، ومن رحم الصمت، تسرّبت طقطقة أعواد العود وهي تحترق ببطء في المبخرة النحاسية العتيقة، تتصاعد أعمدة الدخان بحكمة لا عبث فيها، ترتسم في الأفق، مرةً منكسرةً كدمعة، ومرةً مستقيمةً كدعاء، حروف سرٍّ لم يُفكّ رمزه بعد، يغيب الدخان بخفّةٍ وراء الستار، ثم يطلّ بوجهٍ باسمٍ خجول، كعاشقٍ يستأذن الدخول. 

 ووسط تلك الغمامة، تتوارى “فتاة الكمان” من إطارها وتظهر، تمد يدها لتحتضن الدخان فيفلت منها، فتتبعه بخفة راقصة تعانق أثره قبل أن يتلاشى، فهمت حينها أن البخور لا يحترق ليُشمّ… بل ليُرى.

كل لُفافة دخان كانت رسالة مؤجلة من أبيه، المنحني منها يقول:

-“انحنِ لله كما انحنيتُ أنا” 

والمستقيم منها يأمر:

-“استقم كما أُمرت”.

  فتاة الكمان في اللوحة لم تعد مجرد ألوان على قماش، صارت روح البيت… ترقص كلما اشتاقت له، تمد يدها للدخان فلا تمسكه، لأنه مثل الذكرى، كلما ضغطت عليه بيدك، تسلل من بين أصابعك، وكلما تركته حرًا، لفّك بحنانه وعانقك.

 لقد اكتشف الأبن لأول مرة سر المبخرة النحاسية، كأنها هي قلب أبيه، كلما احترق فيها عيدان العود، تصاعد الحنين… وارتفعت الدعوات.   

 دون إرادة منه، انتقل ليجلس على الأرض قبالة المبخرة، يراقص الدخان بعينيه، ينتابه رعشة، فيتبدل حاله، من الرقص إلى خشوع حلقة الذكر، فيتمايل، ليعزف على صمت وتر مقطوع اسمه “الغياب..”.

فتاة الكمان انتبهت لخيوط الفجر التي غزت ليل رأسه، فتهدّج صوتها وهمست:

-“سبحان الله… كأنه هو”.

اهتز الوتر المقطوع في صدره، لم يلتفت، كان يعرف أن اللوحة لا تتكلم إلا حين يصدق الحنين، اقترب دخان العود أكثر، فلم يعد يرسم طلاسم. 

صار يرسم ملامح أبيه، نفس انحناءة الكتف، نفس ابتسامة العينين، نفس وقار الصمت، نفس اليد التي كانت تربت على كتفه قبل أن يغادر، فمدّ يده هو الآخر، لا ليمسك الدخان هذه المرة، بل ليسلّم عليه، فاخترق الدخان أصابعه… واستقر في قلبه، حينها فهم أن الأب لا يموت، الأب يتحول لدعاء يُتلى كل فجر، ولبخور يُحرق في المبخرة، ولشيب يتسلل في رأس الابن ليذكّره: “احملني كما حملتك”.

فأغمض عينيه وردّ على الهمسة بهمسة: “نعم يا أبتِ… أنا أنت حين تغيب”.

سكتت المبخرة.

وسكتت “فتاة الكمان”.

ولم يبق إلا السكون… ودعاء عبد الحليم يعطر المكان:

 -“يا رب.. يا رب.. أنا من تراب.. والإرادة هي سرك فيه.. تنوره.. بحكمتك.. وبرحمتك تهديه.. تراب.. وسرك إذا مس التراب يحييه.. الهمني حب الخير.. حب الجمال والحق”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى