الجريمة والضمير الإنساني

الجريمة والضمير الإنساني
بقلم : الإعلامية /دهاله فؤاد
الجريمة ليست مجرد خرق للقوانين وإعتداء على الآخرين ، ولكنها تترك أثرا عميقاً وشرخا في أعماق المعتدي .
قد يستطيع القاتل الهروب من الشرطه والقوانين ولكن لا يستطيع الهروب من نفسه وأعماقه وصرخة ضميره.
كم من مجرم إعتقد أنه إرتكب الجريمة الكاملة ولكن بعد سنوات لم يستطع الإفلات من العقاب ، لم يكن خطأ أدى إلى إكتشاف جريمتة ولكن صرخة ضميره التي دفعته للاعتراف ،وهناك العديد من القصص الحقيقيه سوف أقصها عليكم لاحقاً في نهاية المقال .
ولكن الآن ما هو الضمير ؟
الضمير هو قوة داخلية أو وجدان أخلاقي يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر والضمير يطفي على الإنسان نوعاً من السكينة والوقار ، وهو القدرة المتأصلة في كل إنسان سليم لإدراك ما هو صحيح وما هو خطأ ، وبالتالي يستطيع أن يتحكم في أفعاله ويراقبها ويقيمها .
الضمير في علم النفس : ينظر إليه كجهاز رقابي داخلي يتكون من قيم المجتمع ، الدين ،التربيه ويقوم بتقييم تصرفاتنا قبل الإقدام عليها ويعاقبنا أو يكافئنا بعد حدوثها .
أهميه الضمير :
الضمير هو الرقيب الداخلي الذي لا ينام ، فهو يساعد الفرد على تقييم أفعاله وأقواله قبل فعلها مما يجعله يتجنب إلحاق الضرر بالآخرين.
الجريمة وموت الضمير :
إذا كان الضمير هو خط الدفاع الأول ضد إرتكاب الجرائم ، فما الذي يجعله يموت وتحدث الجريمة حتى أن بعض الأفراد الطيبين يمكن أن يتحولوا إلى مجرمين ؟
كيف يفسر علم النفس تحول شخص طيب إلى مجرم ؟
في دراسات أجراها علماء النفس أثبتوا أن الإنسان عندما يتعرض لضغط بيئي ومجتمعي هائل يمكن لنظامه الأخلاقي أن ينهار تحت وطأة هذه الضغوط المثقله لكاهله، وتسمى هذه النقطه العمياء او اللحظه العمياء في نفس الشخص الطيب .
هناك بعض التجارب التي أثبتت كيف يمكن للبيئه أن تحول الطيبين إلى أشرار في ظروف معينة :
تجربة ميليغرام للانصياع 1961 ميلادية :
أثبتت أن الأشخاص الطبيعيين مستعدون لتوجيه صعقات كهربائية قاتلة لأشخاص أبرياء فقط لأن هناك سلطة أو مجتمع يملي عليهم ذلك ويتحمل عنهم المسؤولية .
تجربة سجن ستانفورد 1971 ميلادية :
قام الباحث فيليب زيمباردو : بوضع طلاب جامعيين أسوياء وطيبين في بيئة سجن وهميه ، بعضهم حراس وبعدهم سجناء .
في أيام قليلة تحول الحراس الطيبون إلى ساديين يمارسون التعذيب النفسي ، فقط لأن البيئة فرضت عليهم هذا الدور.
الأب أو الأم حينما يجدوا طفلهم يموت جوعا أو مرضا ، قد يسرقون أو يقتلون مدفوعين بغريزة الأمومة أوالأبوة وغريزه البقاء لطفلهم فتؤدي إلى موت الضمير موتا مؤقتاً .
وأيضا غريزة الخوف الشديد : عندما يشعر الإنسان بتهديد حقيقي أو حتى وهمي تسيطر عليه منطقه في الدماغ تعطل التفكير العقلاني والأخلاقي تماما لصالح غريزة البقاء .
وأحيانا نوبات الغضب الأعمى :
في لحظات الغضب الشديد يفرز الادرينالين ويحدث ما يسميه علماء النفس الإختطاف العاطفي ، حيث يعجز العقل عن رؤيه العواقب وتحدث الجريمة في ثوان .
المخدرات والكحول :
أسرع وسيلة كيميائية لموت الضمير مؤقتاً لأنها تفصل الإنسان عن واقعه وتلغي كوابح السلوك لديه .
اليأس : اليأس يغير كيمياء الدماغ ويجعل الشخص يرى الجريمة كدفاع مشروع عن النفس ضد مجتمع ظالم .
والآن أتينا إلى قصص حقيقية عن صحوة الضمير :
مجرمون ظنوا أنهم إرتكبوا الجريمة الكاملة وهربوا من العقاب ، ولكنهم لم يناموا يوماً منذ إرتكاب جرائمهم ، فضميرهم سلط عليهم حتى جعلهم يقومون بالاعتراف بانفبانفسهم سهم دون ضغوط قانونيه بل فقط للهروب من عذاب الضمير.
قضية هانز يواكيم :
في المانيا، في الثمانينات ، قام هانز بقتل إمرأة عجوز لسرقة متجرها الصغير، نجح في الإختفاء وسافر خارج البلاد وغير هويته وعاش لسنوات كشخص محترم في مجتمع جديد .
ولكن بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً بدأ يعاني من كوابيس مرعبة ومتكررة تظهر فيها الضحية فأصبح لا يستطيع الأكل أو النوم .
فتوجه إلى السفارة الألمانية في الدولة التي كان يقيم فيها واعترف بكل شيء .
وأثناء محاكمتة ، قال جملة شهيرة :
القانون نسيني ، لكن الله والضمير لم ينسياني .
الإعتراف هو طريقتي الوحيدة لأستعيد إنسانيتي .
قضية جون جاكوبس :
في عام 1972 ميلادية : إرتكب شاب أمريكي يدعى جون جاكوبس جريمة قتل بحق صديق له أثناء شجار عنيف وقام بدفن جثته في منطقة نائية .
ولم تستطع الشرطة كشف ملابسات الحادث والقاتل ، وقيدت القضية ضد مجهول .
عاش جون حياتة وتزوج وأسس عائلة ، وبعد 30 سنة كاملة إستيقظ ضميره ، ودخل وهو رجل عجوز في عام 2002 ميلادية إلى مركز الشرطة وهو يبكي ويقول لم أنم ليلة واحدة ، وجه صديقي ظل يطاردني في كل مكان ، خذوني إلى السجن ، السجن أرحم من عقلي، وقادهم الى مكان دفن الضحيه وتمت محاكمتة .
الضمير الإنساني هو الدافع الأساسي في منع إرتكاب الجرائم وهو الوازع لدفع المجرم الذي ظن أنه هرب من القانون للإبلاغ عن نفسه هرباً من ضميره الذي مثل له سوطا يجلده ليلا ونهاراً فيمنعه من النوم والأكل فكان اقسى عليه من أي قانون .
الضمير الإنساني هو أردع قانون للإنسان .




