آلية الإبداع.. وأسراره

آلية الإبداع.. وأسراره
بقلم /صفوت راتب الغندور
عملية الإبداع، في شتي الفنون عامة والكتابة الإبداعية خاصة، بمختلف ألوانها، هذه العملية أراها مركبة حد التعقيد، في حين قد يراها البعض تلقائية آلية بحكم الممارسة وامتلاك المبدع لأدواته من لغة وأساليب وصور جمالية، ومشهدية، وتجسيد للحوادث ورؤى وتنبؤات وتصاعد للحوادث حتى الذروة، واستلهام للسير الشعبية والأسطورة والمثل السائر والتراث الشعبي والديني، ومجاز وخيال ومفارقات وعوامل جذب وإدهاش وعمق ورمزية وأبعاد ودلالات وإسقاط واستفهامات كبري.. وغير ذلك.
وقد ذكرت فيما سبق أن إرهاصات الإبداع تتكشف للمبدع حين يرى في نفسه رغبة ملحة في التعبير عن أفكار ورؤى تعتمل بداخله، تحركها مشاعر وعواطف، لها مؤثراتها الداخلية، الناجمة عن تجاربه الشعورية أو متأثرا بتجارب آخرين، أو حوادث ومواقف يعايشها في مسيرة حياته من بيئته المحيطة به سواء في الدائرة القريبة أو اندياحها إلي دوائر أوسع، أو مشاهد من الطبيعة أو قراءاته التاريخية والدينية أو تراث أمته، عندها يكتشف أن لديه الموهبة والقدرة على ترجمة ذلك كله إلى إبداع مكتوب.
هنا تبدأ محاولاته الإبداعية، ولا شك أنه يدرك أن الإبداع يختلف كثيرا عن مجرد الإخبار أو نقل ما بداخله على الورق، كتصوير فوتوغرافي، دون تدخل ولا معالجة، دون الكشف عمن رؤيته هو وقراءته المتأنية المتعقة، لأن الإبداع شيء، والإخبار، والحديث العادي شيء آخر، فثم مستويات من الكتابة أرقى وأبعد عن المباشرة، وهناك أشكال جمالية غير الكلام المألوف، وهناك ما وراء الكلمات وبين طياتها من معان تلمس الحس وتستثير الفكر والوجدان.
فهل تأتي الموهبة أول ما تأتي بأسلوب إبداعي جديد غير الذي ألفه المبدع؟
لا شك أن المبدع تأثر ابتداء بما قرأ ودرس وما سمع بالتلقي من أنماط الكتابة الإبداعية، وقد ينجح في تطويرها أو استحداث أساليب وأنماط جديدة للإبداع خلال مسيرته الإبداعية، بحسب جهده ورغبته وقدرته على صقل وبلورة وتطوير موهبته بكثرة الاطلاع والممارسة والدربة، وكما قلت امتلاكه لأدوات الإبداع.
وأتصور اننا لا نستطيع أن نمسك اللحظة الإبداعية تماما بالتحليل لاختلاف ظروف الكتابة والقدرات الشخصية وفردية وتمايز المبدع من جهة، وهو ما يطلق علبه (الذاتية) ومن جهة أخرى اختلاف ألوان الإبداع من شعر إلى قصة إلى رواية إلى مسرح إلى مقال.
والسؤال المطروح، هل المبدع يخطط للكتابة ويرسم شكلها ويحدد تناميها وتصاعد أحداثها مسبقا حتى تصل مرحلة الذروة؟
أم أن المشاعر والأفكار والرؤى قد اختمرت في فكره ووجدانه حتى أتت لحظة الإبداع فكتب؟
وكيف نفسر تمازج الفكر مع الحس والشعور والوجدان، والحقيقة والواقع مع الرمز والخيال في آن؟
بحيث لا نستطيع الفصل بين كون الكتابة عقلانية، تخضع للمنطق، ترتيبا وتنسيقا وترابطا أم أن المشاعر هي ما فرضت اللون والنمط الإبداعيين؟
أو بالأحرى أفرزت هذا الإبداع؟
ولا كيف تولدت الموسيقى الداخلية والخارجية مع مزج الفكر والوجدان؟
ولا نستطيع أن نحدد هل يمكن إنجاز العمل الإبداعي دفعة واحدة، كعمل إبداعي متصل، أم أنه سيتم على فترات زمنية؟
وهل زمن الكتابة وتوقيتها وموضوعها خاضع جميعه لاختيار المبدع وقراره؟
أم أن الإبداع هو ما يفرض نفسه على المبدع من البداية؟
وهل يحدد المبدع بداية الكتابة الإبداعية ونهايتها، أم أنه يبحث عن بداية مناسبة يستدعيها ويهيئ لها نفسه والأجواء الملائمة للكتابة ثم تأتي الأفكار بعدها تترا؟
أمِ أن الفكرة تأتيه على غير توقع منه، فارضة نفسها، ملحة عليه؟
وهل حين يكتب، يكتب ما أراده تماما، أم تعن، وتتكشف له أفكار ورؤى وتصورات وتنبؤات جديدة حال الكتابة؟
فيري نفسه قد أخذته الكتابة إلى عوالمها وطافت به في آفاقها، ثم يجد نفسه في النهاية قد انتهى إلى إبداع غير الذي بدأه وتصور غير الذي ارتسم في مخيلته؟
ونأتي هنا إلى مرحلة متطورة من الإبداع وهي مرحلة الإلهام، فكثيرا، أو ربما قليلا ما يجد المبدع نفسه مدفوعا إلى الكتابة دفعا، متلقفا قبسا إبداعيا قبل ضياعه منه وارتداده من حيث أتى، وقد عبر الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ عن ذلك وصور لحظة الإلهام بهذا التصوير أو قريبا منه، وكذلك فعل الأديب الروائي خيري شلبي،
فما قصة الإلهام إذن؟
هل كل مبدع ملهم؟
أنا شخصيا أرى أن الإلهام في الغالب لا يتأتي إلا بعد فترة طويلة من التأهل للكتابة والإبداع والدربة والمراس على النحو الذي بينت سلفا، وفي حالة معايشة وانخراط وتلبس دائمة مع الإبداع، وهذا رأيي الشخصي الذي أطمئن إليه.
وهل لدي المبدع القدرة على صوغ أفكاره ومشاعره بأكثر من طريقة أو أكثر من نمط أبداعي، كأن ينتحه ويبدعه بالشعرِ العمودي مرة، والشعر الحر مرة، والسرد مرة ثالثة؟
ومثل ذلك، أو قريبا منه ترجمة الشعر من لغة غير عربية إلى شعر عربي، فمن الممكن أن يترجمه أكثر من شاعر عربي بأكثر من أسلوب!
والحال نفسه ينطبق على المجاراة والسجال فى الشعر.
ومن هنا يعن سؤال آخر ذو صلة بما سبق، هل يتحكم المبدع في الأسلوب ونمط الإبداع بحيث يأتي الإبداع رمزيا أوفلسفيا، أو غير ذلك؟
وهل يستطيع التعبير عن حدث ما في لحظته الآنية، أم أنه أحيانا لا يستطيع فعل ذلك إلا بعد مرور زمن ما؟
أم يمكنه ذلكَ حينا، وذلك حينا آخر، بحسب حالته المزاجية ومدى استعداده وتأهله نفسيا للكتابة؟
وأعود فأسأل، كيف يبدع المبدع في موضوع وزمن يحددهما الآخرون، كما يحدث في المسابقات الأدبية؟
هل اعتمادا على خبرته وقدراته، ومخزونه المعرفي وثرائه اللغوي وقدرته التخيلية وبراعته التصويرية وتطويعه للغة؟ أم استحضارا للموقف والمشهد ومعايشته والانخراط فيهما؟
كذلك السجال والمعارضات الشعرية كما أشرت سابقا.
وكيف يتسنى للمبدع العودة إلى ممارسة الإبداع بعد انقطاع قد يطول أو يقصر؟
وهل سيعود بالمستوى نفسه؟ والأسلوب ذاته، أم سيعود بمسوي آخر وأسلوب مختلف؟
الحقيقة هناك أسئلة كثيرة يمكن طرحها في هذا الصدد، والإجابة عنها هي التي تعطينا فكرة مقاربة عن ماهية وآلية الكتابة، أو تفسير وكشف أسرارها.




