مقالات

اعتراف حين اموت لن يحدث شيء

اعتراف
حين اموت لن يحدث شيء.
ستشرق الشمس في موعدها، وستفتح المقاهي أبوابها، وستتحرك السيارات في الشوارع، وسيذهب الموظفون إلى أعمالهم، وسيجلس الأدباء في مقاعدهم، وسيواصل الجميع حياتهم كأنك لم تكن.
ثم، بعد ساعات أو أيام، سيكتبون عنك.
خبرًا من سطرين.
مقالًا من نصف صفحة.
وربما صفحتين كاملتين إذا كان صاحب القرار في الثقافة قد تذكّر اسمك، أو تذكّرك أحد الذين كانوا قريبين منك يومًا.
سيكتبون سيرتك مختصرة، مهذبة، باردة، خالية من الدم.
سيقولون:
«كان كاتبًا له إسهاماته… وكان من الأسماء المهمة… وله تجربة طويلة…»
ثم يقيمون ندوة تأبين.
يحضرها موظفو المكان أكثر مما يحضرها المحبون، ويتحدث فيها الذين عرفوك من الكتب والملفات أكثر ممن عرفوك في الطريق.
وسوف يخرج بعضهم من الندوة فرحًا، لا حزنًا.
فالغياب أحيانًا يريح الأحياء.
سيفرح الذين كانوا يخافون من صوتك.
وسيفرح أنصاف الموهوبين الذين كانوا يتمنون أن تصمت.
وسيفرح الدخلاء الذين دخلوا الثقافة من أبواب لم تُفتح للموهبة، وإنما فُتحت للعلاقات والمصالح والولاءات.
وسيفرح بعض الذين عاشوا طويلًا على أكتاف غيرهم، ثم صاروا فجأة أصحاب تاريخ.
أما الشرفاء…
فسوف يحزنون في صمت.
لأن الشرفاء لا يملكون لجنازات الثقافة مكبرات صوت.
أما ضمير الوطن، فسوف يبحثون عنه في القاعة…
فلن يجدوه.
لقد تبخر منذ زمن.
نحن أمة تتنفس الكلام أكثر مما تتنفس الحقيقة.
نقول صباحًا شيئًا، ونفعل مساءً نقيضه.
نصفق لمن يملك القوة، وننسى من دفع ثمن الكلمة.
نرفع أسماء الموتى بعد موتهم، لأن الموتى لا يستطيعون أن يطالبونا بحقوقهم.
أما الأحياء، فنتركهم وحدهم في مواجهة الفقر والنسيان والخذلان.
وحين أموت…
لا أريد أن يبكي عليّ الذين كانوا يتظاهرون بمحبتهم لي.
سيكفيني أن تحزن بائعة الليمون حبيبة.
وأن يتذكرني محمود، البواب الذي يشوى الذرة في المساء.
وأن تتذكرني تلك السيدة التي احترفت التسول، ولا أعرف اسمها، لكنني أعرف وجهها.
هؤلاء لا يملكون جوائز، ولا منابر، ولا صحفًا، ولا لجانًا.
لكن ربما يملكون شيئًا فقدناه نحن منذ زمن بعيد:
القلب.
ترى…
كم شريفًا سيحزن حين أموت؟
ساعة؟
ساعتين؟
دقيقة؟
أم أنني سأموت للمرة الثانية في ذاكرة الذين كنت أظنهم أصدقاء؟
لا بأس.
حين أكون في قبري، سأترك الدنيا لأولئك الذين أتعبوني طويلًا.
سأترك لهم الكراسي.
والأضواء.
واللجان.
والجوائز.
والصور.
والتصفيق.
سأترك لهم كل شيء.
وسأشرب فنجان قهوة في هدوء، بعيدًا عن ضجيج عالم لم يعرف كيف يمنح الإنسان حقه وهو حي، ثم جاء بعد موته ليكتشف فجأة أنه كان مهمًا.
أما أنا…
فسأذهب إلى الحساب.
هناك لا توجد لجنة.
ولا وزير.
ولا ناقد.
ولا صديق نافذ.
ولا مؤسسة ثقافية تستطيع أن ترفع اسمًا وتدفن اسمًا.
هناك، سأدخل وحدي.
وسأدخل ومعي ذاكرتي.
كل وجع.
كل خذلان.
كل يد صافحتني ثم طعنتني.
كل صديق باع صداقته بثمن صغير.
كل مثقف عرف الحقيقة وسكت.
كل من رأى الظلم واختار السلامة.
وكل من جعل الثقافة سوقًا، والموهبة سلعة، والضمير وظيفة.
لن أحمل معي كتبي.
لن أحمل معي جوائزي، لأنني لم أحصل على كثير منها.
لن أحمل معي صورًا مع الوزراء.
سأحمل فقط ما فعلته وما فُعل بي.
وسأترك الحكم لله.
فالله وحده يعرف من كان صادقًا ومن كان يتاجر بالكلمات.
ومن كان وطنًيا في زمن الخيانة.
ومن كان خيانة ترتدي بدلة الثقافة والفن.
أما الوطن العربي…
ذلك الوطن الممتد من المحيط إلى الخليج، والذي ظللنا نهتف باسمه طويلًا، فقد رأيته في أزمنة كثيرة يبيع أبناءه، ويشتري الصمت، ويصافح الشيطان بالمعاهدات ثم يعود ليتحدث عن الكرامة.
ومع ذلك…
سأظل أحبه.
وهذه هي مأساتي الكبرى.
أنك قد تكره الذين خذلوك…
لكنّك لا تستطيع أن تكره الوطن الذي خذلك من خلالهم.
سأموت إذن.
وسيموت معي كثير من الكلام.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لن يستطيع أحد أن يكتب موتي كما عشته.
لأن الذين سيكتبون عني بعد موتي سيكتبون عن رجل مات.
أما أنا…
فسأكون الوحيد الذي يعرف كيف عاش.
السيد حافظ
الهرم ـ القاهرة

اعتراف
حين اموت، لن يحدث شيء
الكاتب السيد حافظ
اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى