
الفيدرالي الأمريكي يشدد قبضته… والعالم يدفع الثمن
بقلم / محمد إبراهيم ربيع منسق العلاقات العامة بوكالة ايسك نيوز
اختتمت أعمال الندوة السنوية للبنك الاحتياطي الفيدرالي في “جاكسون هول” بكلمة واحدة أشعلت الأسواق:
“سيكون أمامنا عمل إذا لم نثق بعودة التضخم إلى 2%”.
لم تكن هذه مجرد تصريحات روتينية، بل إعلان ضمني ببدء مرحلة جديدة من التشديد المالي قد تمتد لسنوات.
ماذا جاء في الاجتماع؟
اختار رئيس الفيدرالي الجديد “كيفن وارش” نهج الغموض المقصود. رفض تقديم توجيهات واضحة بشأن مسار الفائدة، وطالب الأسواق بقراءة “إشارات السوق” بدلاً من انتظار إشارات البنك.
وقد ترجمت الأسواق ذلك فوراً على أنه تلميح قوي لاحتمال رفع الفائدة في سبتمبر. فقزت احتمالات الرفع من 35.4% إلى 55.7% خلال 24 ساعة فقط.
جذور الأزمة العالمية
1. تضخم عنيد وديون متفاقمة
يتجاوز التضخم الأمريكي هدف الـ 2% منذ أكثر من خمس سنوات. وفي الوقت نفسه ارتفعت مستويات الدين الحكومي بشكل غير مسبوق، مما دفع بعوائد السندات الأمريكية والأوروبية إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاثة عقود.
2. انكماش الادخار العالمي
تحول العالم من عصر “فائض الادخار العالمي” الذي أبقى أسعار الفائدة منخفضة، إلى عصر “انكماش الادخار”. تتنافس على السيولة المتاحة الحكومات المثقلة بالديون، وتكاليف شيخوخة السكان، والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي. النتيجة الحتمية هي اتجاه صاعد طويل الأجل لأسعار الفائدة.
3. تآكل مصداقية الفيدرالي
أثارت الشكوك حول استقلالية البنك عن الضغوط السياسية، إلى جانب الأداء المتذبذب للإدارة الجديدة، حالة من عدم اليقين. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تلقائي في العوائد طويلة الأجل حتى دون صدور قرارات جديدة.
ردود الفعل الفورية في الأسواق
– الأسهم: تراجعات جماعية بفعل مخاوف المستثمرين من تكلفة الاقتراض المرتفعة.
– السندات: صعود حاد في العوائد، خاصة قصيرة الأجل.
– الدولار: تقلبات حادة بين الصعود والهبوط في ظل غياب رؤية واضحة.
– السلع: تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، مما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة.
التداعيات على الاقتصاد العالمي
بات العالم أمام معادلة صعبة. فالبنوك المركزية الكبرى تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر: إما رفع الفائدة وقتل النمو، أو الإبقاء عليها وخسارة السيطرة على العملة والتضخم.
أما الأسواق الناشئة فتدفع الفاتورة مضاعفة، من خلال ارتفاع تكلفة خدمة الديون الدولارية، وهروب رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية الآمنة.
الخلاصة
لم يرفع الفيدرالي الفائدة في هذا الاجتماع، لكنه نجح في رفع “توقعات” رفعها. لقد دخلنا رسمياً في حقبة “فائدة مرتفعة لفترة أطول أو طباعة مزيد من الدولار لشراء السندات المالية مما يضعف قوة الدولار بالعالم “.
الأزمة لم تعد في احتمال حدوث انهيار مفاجئ، بل في غياب أي أفق قريب للانفراج.
وكما تقول القاعدة الذهبية للاقتصاد: “عندما يهتز الفيدرالي، يصاب العالم كله بالحمى”.




