مقالات

د. صلاح عبد العاطي فلسطيني غزاوي .باحث وخبير في القانون والعلاقات الدولية

د. صلاح عبد العاطي
فلسطيني غزاوي .باحث وخبير في القانون والعلاقات الدولية

من تفاوض تحت النار إلى هندسة الفوضى: كيف يُدار الصراع حين تعجز القوة عن الحسم؟غاشم
ورقة تقدير استراتيجي

تحرير وتلخيص:
روضة الورتاني
تونس-آيسك نيوز الدولية

العالم في منطقة الرماد الاستراتيجي
لم يعد الشرق الأوسط ساحة صراع تقليدي، ولا ميدانًا لحروب تُحسم أو تسويات تُنجز، بل تحوّل إلى ما يمكن تسميته بـ “منطقة الرماد الاستراتيجي”:
حيث تختلط الحرب بالتفاوض، ويتحوّل التصعيد إلى أداة ضغط، وتصبح الهدنة جزءًا من إدارة الصراع لا إنهائه.
نحن أمام لحظة تاريخية تتآكل فيها قواعد النظام الدولي دون أن تسقط بالكامل، وتتصارع فيها القوى الكبرى وهي تدرك أن الحسم لم يعد ممكنًا، وأن التراجع مكلف بقدر التصعيد—إن لم يكن أكثر.
بعبارة مكثفة:
العالم لا يقاتل ليحسم… بل يقاتل ليحسّن شروط التفاوض.

أولًا: المأزق الأمريكي – قوة عظمى بلا “نقلة نهاية”
تعيش الولايات المتحدة حالة استعصاء استراتيجي مركّب، يتجلى في ثلاث معضلات متداخلة:
1. كلفة التصعيد
أي مواجهة واسعة مع إيران تعني:
انفجار أسعار الطاقة
اهتزاز الأسواق العالمية
ضغط داخلي اقتصادي وانتخابي
احتمالية انزلاق غير قابل للضبط
2. كلفة التراجع
الانسحاب أو القبول بتسوية غير مريحة يُقرأ كـ:
تراجع في الهيمنة
اهتزاز في الردع
فقدان ثقة الحلفاء
3. قيد الداخل الأمريكي
لم يعد القرار الخارجي حرًا بالكامل، بل محكوم بـ:
التضخم
الاستقطاب السياسي
الانتخابات
ضغط الرأي العام
النتيجة:
واشنطن لا تستطيع الحسم… ولا تتحمل التراجع.
فتلجأ إلى صيغة وسطية:
“حرب دون حرب… وتفاوض دون تسوية.”

ثانيًا: إيران – من هدف للضغط إلى مهندس للتوازن
في المقابل، لم تعد إيران مجرد طرف تحت الضغط، بل أصبحت فاعلًا يعيد صياغة قواعد الاشتباك عبر ثلاث أدوات مركزية:
1. إدارة الزمن التفاوضي
فصل الملفات (الطاقة أولًا، النووي لاحقًا)
تقديم مبادرات جزئية تعيد ترتيب الأولويات
2. تعظيم الكلفة دون الانفجار
رفع كلفة المواجهة على الخصوم
إبقاء الصراع تحت سقف الانفجار الشامل
3. توظيف الجغرافيا كسلاح سيادي
مضيق هرمز = نقطة تحكم في الاقتصاد العالمي
تهديد غير مباشر للأسواق بدل المواجهة المباشرة
المفارقة اللافتة:
كلما زادت الضغوط على إيران… زادت قدرتها على تحويل الأزمة إلى ورقة تفاوض.

ثالثًا: من الحسم إلى إدارة التوتر – تحوّل جوهري في طبيعة الصراع
ما نشهده اليوم ليس فشلًا في الحل… بل تغييرًا في مفهوم الحل ذاته.
النظام الدولي لم يعد ينتج تسويات شاملة، بل يعتمد على:
تجميد الأزمات بدل حلها
توزيع الخسائر بدل تحقيق الانتصارات
شراء الوقت بدل الحسم
بمعنى أكثر صراحة:
الصراع لم يعد يُحل… بل يُدار.

رابعًا: تصدّع التحالفات – حين تتآكل الثقة من الداخل
أخطر التحولات لا تكمن في الصراع بين الخصوم، بل داخل المعسكر الواحد.
المؤشرات المتزايدة على فجوة الثقة بين واشنطن وتل أبيب—سواء في تقدير التهديد الإيراني أو إدارة المواجهة—تعكس:
اختلافًا استراتيجيًا لا تكتيكيًا
تراجع الثقة الاستخباراتية
تضارب الأولويات
وهنا نقطة التحول الخطيرة:
حين تبدأ القوى الكبرى بالتشكيك في حلفائها… يصبح النظام نفسه موضع شك.
خامسًا: الاقتصاد العالمي – الحرب التي لا تُرى لكنها تُدفع
لم تعد الحرب تُقاس بعدد الضربات، بل بارتداداتها:
كل توتر في الخليج = قفزة في أسعار النفط
كل تهديد لهرمز = اضطراب في التجارة العالمية
كل تصعيد = ضغط على الغذاء والتضخم
العالم اليوم لا يراقب الحرب… بل يدفع ثمنها.
ولو أردنا تبسيط المشهد:
الصاروخ يُطلق في الشرق الأوسط… والفاتورة تصل إلى كل بيت في العالم.
سادسًا: تعدد اللاعبين – نهاية الاحتكار الأمريكي
لم يعد الصراع ثنائيًا، بل متعدد الأقطاب:
روسيا: مستفيد من الطاقة وموازن للنفوذ
الصين: حارس تدفق النفط ومهندس الاستقرار الاقتصادي
أوروبا: لاعب مرتبك بين القيم والمصالح
الإقليم: يحاول النجاة دون الانخراط الكامل
هذا التعدد لا يصنع حلولًا… بل يخلق شبكة معقدة من التوازنات.

سابعًا: باكستان وخطوط التجارة الجديدة – كسر جزئي للحصار
الخطوة الباكستانية بالسماح بمرور التجارة نحو إيران تمثل تطورًا نوعيًا:
إعادة تشكيل مسارات التجارة
تخفيف جزئي لتأثير العقوبات
إدخال لاعب جديد في معادلة الضغط
هذا التطور يعكس تحولًا أعمق:
العقوبات لم تعد أداة حاسمة كما كانت… بل جزء من لعبة أكبر.

ثامنًا: إسرائيل – التصعيد كتعويض عن المأزق
السلوك الإسرائيلي في المرحلة الراهنة يعكس أزمة مركبة:
عجز عن تحقيق حسم استراتيجي
ضغوط داخلية سياسية وأمنية
تآكل الردع والصورة الدولية
لذلك، يتحول التصعيد إلى:
أداة لإعادة الردع
وسيلة للهروب من الأزمات الداخلية
محاولة لفرض واقع تفاوضي جديد
لكن المفارقة:
كل تصعيد يفتح احتمالات لا يمكن التحكم بها.
تاسعًا: لبنان وساحات الاشتباك – توسيع الضغط دون إعلان الحرب
التصعيد في لبنان، واستمرار استهداف الساحات المرتبطة بإيران، يعكس:
انتقال الصراع إلى نموذج “الحرب متعددة الجبهات منخفضة الشدة”
محاولة استنزاف الخصم دون مواجهة شاملة
توسيع دائرة الضغط دون كسر الخطوط الحمراء الكبرى
وهذا يعيد تعريف الحرب نفسها:
ليست معركة واحدة… بل سلسلة اشتباكات متفرقة تحت سقف واحد.

عاشرًا: فلسطين – مركز إعادة تشكيل الصراع
في قلب هذه المعادلة، تبقى فلسطين العامل الأكثر حساسية:
ليست ساحة فقط… بل محدد بنيوي للصراع
التصعيد فيها يعيد ترتيب أولويات الإقليم
استمرار الحرب فيها يكشف حدود النظام الدولي
ما يجري في غزة والضفة ليس هامشًا…
بل جزء من إعادة تعريف النظام العالمي نفسه.

الحادي عشر: السيناريوهات القادمة – بين التهدئة والانفجار
1. التهدئة الوظيفية (الأرجح)
فتح جزئي للممرات
وقف إطلاق نار ممتد
تأجيل الملفات الكبرى
استراحة محاربين
2. التصعيد المحدود
ضربات متبادلة
ضغط تفاوضي
إدارة التوتر
3. الانفجار الواسع (الأخطر)
توسع الجبهات
أزمة طاقة عالمية
حرب بلا سقف
4. الصفقة الوظيفية
اتفاق جزئي
كل طرف يعلن النصر
الجميع يربح… والجميع يخسر

الخلاصة: من إدارة الصراع إلى هندسة الفوضى
ما نشهده ليس مجرد أزمة، بل تحوّل في طبيعة النظام الدولي:
من الحسم → إلى الاستنزاف
من القانون الدولي → إلى موازين القوة
من النظام المستقر → إلى الفوضى المُدارة
السؤال لم يعد:
هل ستندلع الحرب؟
بل أصبح:
كيف تُدار هذه الفوضى… ومن يدفع ثمنها؟

خاتمة: عالم يبحث عن “أزمة قابلة للعيش”
الشرق الأوسط اليوم ليس فقط على حافة انفجار،
بل في قلب عملية إعادة هندسة شاملة لمعادلات القوة.
وإذا كان القرن الماضي قد حُسم بحروب كبرى،
فإن هذا القرن يُعاد تشكيله عبر:
حروب بلا نهاية
تسويات بلا حلول
أزمات بلا حسم
وبشيء من السخرية الثقيلة:
العالم لا يبحث عن نهاية الصراعات ، بل عن نسخة منها يمكن احتمالها مؤقتًا.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى