دلالات العشق الصوفي في قصيدة “سرمدي” للشاعر صفوت راتب الغندور

دلالات العشق الصوفي في قصيدة “سرمدي” للشاعر صفوت راتب الغندور
بقلم د. أمل درويش
يتميز الشعر الصوفي بدلالاته الروحية المعبرة عن التماهي في عشق الذات الإلهية، والانصهار الروحي والوجداني فيه، مع استخدام لغة مكثفة يستخدم فيها الرمزية للتعبير عن هذا العشق، واستخدام ألفاظ شديدة الخصوصية، لتعبر عن لواعج الشعور ومكنونات النفس.
وفي قصيدة “سرمدي” للشاعر صفوت راتب الغندور، حرص الشاعر على معايشة حالة التصوف واستدعائها بكل تفاصيلها لكي ينقلها إلى القارئ فيعيشها معه.
العنوان:
سرمدي.. كلمة تعني الدائم دون نهاية أو انقطاع، وهو المستمر الذي لا ينقطع أو ينتهي، نسبة إلى “السرمد” والتي تختلف عن الأبدي الذي قد يكون له بداية ولكنه بلا نهاية، أما السرمدي فلا تعرف له بداية محددة وليس له نهاية.
وهي تعبر عن الديمومة، والشمولية الزمنية التي تجمع بين الأزلي والأبدي.
ليعبر لنا الكاتب عن حالة الهيام اللا محدود التي يعيشها.

يصف لنا الشاعر حالة البطل الذي بدا كظلٍ تعصف به الرياح من كل جانب، لكنه يبقى صامدا، يحاول استرجاع حياته، والدروب التي اجتازها، يفتح خزائن الذكريات، ويستعيد آلام العثرات التي واجهها.
لا يملك حق العتاب؛ فقد فات الأوان، بل وينفي إمكانية تغيير اختياراته إن عاد به الزمان؛ فهو ذاته لن يتغير، سيظل راسخا على مبادئه وإن عايش التجربة مرات ومرات.
وبعد طول تأمل يصل البطل إلى نهاية الترحال، بعين يملؤها الرضا عن رحلة طويلة من الكفاح، ومحاربة أهواء النفس لينعم بحالة العشق السامي الخالص لوجه الله، ويقارن البطل أيام الحياة بما بعدها؛ فتبدو أقل من أن تُذكر ولا تتجاوز الصفر مقارنة بالخلود الدائم في الجنان.
دلالات العشق الإلهي في القصيدة:
استخدم الشاعر مفردات تتناول المشاعر الإنسانية وتعبر عنها بخصوصية شديدة الإيحاء والتجسيد؛ فيصف حال النفس في الدنيا والمغريات تحيط بها من كل جانب وتحاول أن تجذبها، حيث صور هذه المغريات بالرياح فيقول:
في آخر التطواف ظلٌّ راصد
للريح من كل الجهات
للعين يبدو شاخصا
لا شيء ينظر غير أطراف المدى
في اللانهايات..
ثم ينتقل الشاعر إلى وصف رحلة الحياة في آخر العمر، والعقبات التي واجهت البطل خلالها، والمعارك التي خاضها على مر السنوات؛ فيقول:
لكنه حينا يسافر، يقتفي عمرا
تسرب في طوايا الذكريات
حينا يعود من المنافي مُجهدا
من بعد طول شتات
ويسرد البطل العقبات التي قابلته، ولكنه لا يعاتب ذاته على مواقفه التي اختارها بل يستعيد الذكريات؛ فيقول:
فهُنا يحط رِحاله عن كاهل ناءت به
الأيام، طول مسيرة العثرات
هو لا يعاتبه، ولا ينعاه صمتا،
يستدرُّ كوامن الحسرات
هو يستعيد الذات من مكنونها
(إن عُدتِ عُدتُ، أنا أنا
إذ أنتِ أنتِ وأنتِ ذات الذات)
وهكذا يؤكد الشاعر ثباته على مبادئه ومواقفه مهما تغيرت الأزمان، ومهما تعددت الوجهات.
سيطرت على الشاعر حالة التأمل رغم استخدامه لمفردات توحي بالحركة والنشاط مثل: التطواف التي تكررت في أكثر من موضع، كما استخدم موج البحر أيضا لتأكيد الحركة من حول البطل، واختلاف الرؤى التي أشار إليها بـ “بحر الظنون يموج بالخطرات”، رحلة الأحلام..
ثم يختم الشاعر القصيدة بحكمة ويقين تام بأن الحياة الدنيا لا تساوي حتى الصفر مقارنة بنعيم الآخرة الذي لا ينتهي.
وهكذا ينعم العشاق بلقاء الله وينسون كل ما عانوه من حسرات وعثرات في الحياة.
القصيدة:
سَرْمَدِيّ
للشاعر صفوت راتب الغندور
فِي آخِرِ التَّطْوَافِ ظِلٌّ رَاصِدٌ
لِلرِّيحِ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ
لِلْعَيْنِ يَبْدُو شَاخِصًا،
لَا شَيْءَ يَنْظُرُ غَيْرَ أطْرَافِ المَدَى،
فِي اللَّانِهَايَاتِ
لَكِنَّهُ حِينًا يُسَافِرُ، يَقْتَفِي عُمْرًا تَسَرَّبَ
فِي طَوَايَا الذِّكْرَيَاتِ
حِينًا يَعُودُ مِنَ المَنَافِي مُجْهَدًا
مِنْ بَعْدِ طُولِ شَتَاتِ
فَهُنَا يَحُطُّ رِحَالَهُ عَنْ كَاهِلٍ نَاءَتْ بِهِ
الأيَّامُ، طُولَ مَسِيرَةِ العَثَرَاتِ
هُوَ لَا يُعَاتِبُهُ، ولَا يَنْعَاهُ صَمْتًا،
يَسْتَدِرُّ كَوَامِنَ الحَسَرَاتِ
هُوَ يَسْتَعِيدُ الذَّاتَ مِنْ مَكْنُونِهَا
يُفْضِي بِلَا صَوْتٍ ولَا كَلِمَاتِ
(إنْ عُدْتِ عُدْتُ، أنَا أنَا،
إذْ أَنْتِ أَنْتِ، وأَنْتِ ذَاتُ الذَّاتِ)
حِينًا يُوَلِّي وَجْهَهُ لِغَدٍ سَيُشْرِقُ
غِبَّ شَمْسٍ غُيِّبَتْ خَلْفَ الحُدُودِ
النَّائِيَاتِ
فِي آخِرِ التَّطْوَافِ طُولُ تَأَمُّلٍ
تَرْتَدُّ أسْئِلَةٌ عَلَى أصْدَائِهَا
بَحْرُ الظُّنُونِ يَمُوجُ بِالخَطَرَاتِ
يَا رِحْلَةَ الأَحْلَامِ أرْسَى هَاهُنَا
بَطَلُ الحِكَايَةِ، رُغْمَ طُولِ عَنَائِهِ
نَظَرَ الوُجُودَ، وأَسْكَرَتْ عَيْنَ الرِّضَا
كَأْسٌ بِسِرِّ جَلَالِهِ فَاضَتْ عَلَى
الخَلَجَاتِ
يَوْمٌ مَضَى وزَمَانُهُ بِحِسَابِ
أهْلِ العِشْقِ لَا يَعْدُو عَلَى صِفْرٍ
ويَوْمٌ سَرْمَدِيٌّ آتِ!


![[الكاتب المصرى | عمرو عبدالرحمن].](https://ar.aiscnews.it/wp-content/uploads/2026/07/AMR-TV-SHERY-390x220.jpg)

