
سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.
أما هو، فالصندوق الأبيض.
صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.
ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..
وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.
ثورة الشك في غرفة الذكريات (1)
خطا نحو غرفة ذكرياته بخطواتٍ مثقلة وهو يلملم قواه، كأن كل خطوة تحمل عمراً من الحنين. كانت تلك الغرفة _مكتب أبيه_ أكثر من مجرد جدران وأثاث؛ كانت عالمه الصغير، فانوسه السحري الذي يضيء له طفولته كلما أظلمت. هناك، كان كل شيء ممكنًا: قطعة حلوى تُنقذه من حزنٍ عابر، حضنٌ واسع يبتلع خوفه، وملاذٌ دافئ يفرّ إليه هاربًا من ضجيج إخوته حين يحاولون الإمساك به. في تلك الزاوية، كان يلقي بجسده الصغير في حجر أبيه، فيشعر أن العالم، بكل قسوته، قد تلاشى فجأة، ولم يبقَ سوى دفءٍ يشبه الأمان.
دفع الباب برفقٍ مشوبٍ بالرهبة، فانبعث منه صريرٌ عتيق، لا يشبه ضجيج الخشب بقدر ما يشبه لحنًا خافتًا عزفته السنوات، كأنّه نشيدٌ مهيب يعلن وصول غريبٍ يعرفه المكان أكثر مما يعرف نفسه. تسرّب نظره إلى الداخل، فإذا بالغرفة تتبدّى له كحلمٍ قديم يغشاه الضباب؛ حدود الأشياء فيها رخوة، وملامحها تتداخل كما تتداخل الذكريات حين تتزاحم في القلب. كل زاويةٍ هناك كانت تختزن عمرًا، وكل قطعةٍ عتيقة تحمل نبض لحظةٍ مضت ولم تمضِ. لم تكن غرفةً فحسب، بل وعاءً لروحه الأولى؛ حيث تتكدّس تفاصيله الصغيرة، وتهمس له الأشياء بصوتٍ لا يُسمع إلا لمن أثقلته الحنين.
بدت الكتب في الغرفة وكأن يدًا خفية عبثت بها ثم مضت، فاختلّ نظامها وتبدّلت روائحها؛ لم تعد تفوح بعطر المعرفة، بل بثقل الزمن. استقرّ كتاب “الرأسمالية” فوق كتاب “الحضارة” في مشهدٍ يوحي بصراعٍ صامت، ثم يتبادلان الأدوار، كأن أحدهما يرزح تحت الآخر دون مُغيث. وعلى الرف المقابل، تكدّست كتبٌ تتدافع حول كتابٍ في القانون، تارة تهزمه وأخرى ينال منهم، كأنها تخوض جدلًا لا ينتهي. أما المذياع الخشبي العتيق، فكان رابضًا في مكانه كشيخٍ أنهكه الصمت، بعد أن كان يومًا يملأ الأرجاء بصوت أم كلثوم. وفي الأعلى، كانت ساعة الحائط تلفظ ما تبقّى من زمنها؛ تتقطّع دقاتها النحاسية بين حينٍ وآخر، كأنها أنفاسٌ متعبة تقاوم الغياب، تستغيث بالحياة قبل أن تنطفئ.
على سطح المكتب تناثرت وريقاتٌ صغيرة، اصفرّت تحت وطأة السنين، تحمل حروفًا باهتة تتشبّث بالورق كأنها طوق نجاة، تخشى أن يبتلعها المحو. وفوقها استلقى قلم “شيفر” ذو السنّ الذهبي، ساكنًا كجنديٍ أنهكته المعركة، وقد نزف حبره الأحمر حتى آخره، في صمتٍ يوحي بأن شيئًا جللًا حدث هنا… كأن رحيل الأب مرّ خافتًا دون أن ينتبه إليه أحد.
المكان يخلو من الغبار، لكنه لا يعرف النظافة؛ كأن الزمن اكتفى بأن يلمسه دون أن يعتني به. وفجأةً، اختطفه المقعد الخشبي العتيق من وقفته، فجلس عليه بلا وعي، ثم أطلق زفرةً عميقة، كمن يغوص في صدره بحثًا عن بقايا ذاكرة، أو كمن يستدعي الماضي لينهض من جديد.
تخلّت الفتاة عن لوحتها التي لا تُقدَّر بثمن، كأنّ الخلود نفسه ضاق بها، فلم تعد تحتمل سكونه ولا صمته الطويل. انسلّت منها بخفّة حلمٍ هارب، تاركةً وراءها ألوانًا كانت يومًا موطنها، لتقفز إلى لوحةٍ أقل من متواضعة من صفيحٍ يلمع بزيف غريب، فسترق قلبها الزيف، وتملك من عقلها الغباء اللحظي رغم ما عرف عنها من فطنة، وضحت بمن هو أصيل نفيس. هناك، لم تعد مجرّد هيئةٍ تُعلَّق على جدار، بل تحوّلت إلى روحٍ قلقة تبحث عن دفءٍ حتى ولو غير حقيقي؛ اقتربت، وذابت في صمتٍ عميق، وأسلمت نفسها له، كأنها أخيرًا لامست حياةً تُعاش، لا تُؤطَّر، وتُحَسّ، لا تُحفظ خلف الزجاج.
ومع ذلك، ظلّ البرواز العتيق في مكانه، شاخصًا نحو الفراغ، ينتظرها بصبرٍ أنهكه الانتظار؛ يحتضن غيابها كما لو كان بقايا حضور، ويتشبّث بظلٍّ تلاشى. لكنها لم تعد… كأنّها حين اختارت الرحيل، أغلقت وراءها كل الطرق، وتركت الإطار وحيدًا، يحدّق في ذكرى لا تملك سبيلًا للعودة.
فيُغمِض عينيه كمن سُلبت إرادته، مستسلِمًا لتيّارٍ خفيّ يجرفه بعيدًا عن اللحظة، وفجأةً… ينبعث الصوت من المذياع العتيق، حيًّا على نحوٍ يُربك السكون، كأن الزمن عاد ليلتقط أنفاسه من جديد. ينساب صوت أم كلثوم رخيمًا، دافئًا ومثقلاً بالشجن، يملأ الفراغ ويوقظ ما خمد في الأعماق:
“أكادُ أشكُّ في نفسي لأنّي
أكادُ أشكُّ فيك وأنتَ منّي
يقولُ الناسُ إنك خُنتَ عهدي
ولم تحفظْ هوايَ ولم تصُنّي
وأنتَ منايَ أجمعُها… مشَت بي
إليكَ خُطى الشبابِ المُطمئنّ”
ترتجف الغرفة لذلك الصوت، كأن الجدران تحفظه منذ زمنٍ بعيد، وكأن كلّ شيءٍ فيها _ الكتب، والساعة، واللوحة_ ينصت في خشوع.
عندها، لا يعود الغناء مجرّد لحن، بل يصبح مرآةً لما يعتمل في صدره؛ حنينًا متردّدًا، وشكًّا موجعًا، وذكرى تتسلّل إليه رغمًا عنه، حتى يكاد لا يميّز بين صوته الداخلي وصوتها.




