ثقافةمقالات

رأيت بعقلي أن العلم سلاح الإستراتيجية

بقلم : عمرو خيرالله

 

قالوا لي عنها الكثير… قالوا إنها منارة للعلم، مصنع للقادة، وقلعة للفكر الاستراتيجي، ولكن ليس من سمع كمن رأى.

حين شاركت في دورات الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية لم أتلقَ معلومات فقط، بل رأيت بعقلي كيف يُهدم الجهل وكيف يُبنى الإدراك بطريقة علمية مرتبة ومنظمة كالبنيان المرصوص، رأيت كيف يتحول الشاب المدني الدارس في الأكاديمية العسكرية إلى إنسان يمتلك بوصلة لفهم هذا العالم المضطرب، من خلال معلومات ومنهج موثق لا لبس فيه، وأدركت لماذا تُعد هذه الأكاديمية خط الدفاع الأول عن عقل الأمة المصرية.

  من خلال مشاركتي الفعلية في الدورات بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية أدركت أن أقوى الحصون القوية لا تبنى من الخرسانة والحديد بل من العقل والوعي نعم، فمعركة بناء الإنسان عندها لا تبدأ من السلاح بل من الفكرة، من خلال مناهج علمية رصينة، ونقاش حرّ ومحاكاة لسيناريوهات الواقع.

  استطاعت الأكاديمية أن تُعيد صياغة عقل الدارس ليصبح قادراً على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الهدف والسراب، فهي لا تمنح شهادة فقط بل تصنع بوصلة فكرية تمكّن الدارسين بها من فهم معطيات عصره، والتصدي لحروب الجيل الرابع والخامس التي تستهدف عقله قبل أرضه، وهنا تكمن القيمة الحقيقية في أن الإنسان الذي يمتلك الوعي والفكر هو خط الدفاع الأول الحصين عن الوطن.

تمثل الأكاديمية في مصر منارة علمية راسخة، لا تقتصر رسالتها على إعداد وتأهيل القادة العسكريين فحسب بل يمتد أثرها ليطال جوهر المجتمع فهي مشروع وطني لبناء الإنسان المصري المعاصر، إنسان قادر على قراءة معطيات العصر واستشراف تحدياته والتعامل معها بعقل نقدي ووعي استراتيجي.

  وحتى يتحقق ذلك، لابد أن يكون عبر منظومة علمية متكاملة، يقودها نخبة من الخبراء الأكاديميين العسكريين الذين نهلوا من معين القوات المسلحة المصرية قيمها وتقاليدها العسكرية والأخلاقية والعلمية  فجمعوا بين صلابة الخبرة الميدانية ورصانة البحث العلمي سيّما وأن القوات المسلحة المصرية تجسد نموذجاً فريداً للانضباط والكفاءة والالتزام بالواجب الوطني، فمهمة الاكاديمية العسكرية العليا والاستراتيجية لا تقف عند حماية حدود الوطن وصون ترابه فحسب، بل تتعداها إلى ترسيخ قيم المواطنة والانتماء في وجدان الشعب.

واستناداً إلى ما تمتلكه الأكاديمية من ميراث أخلاقي وإنساني عريق وقدرات بشرية وتقنية متطورة  ومنهج متجدد في التدريب والتسليح يواكب أحدث النظم العسكرية في العالم، فإنها ستظل دوماً الركيزة الصلبة لحماية الأمن القومي المصري والإقليمي، والدرع الواقي والسيف البتار في وجه كل من تسول له نفسه المساس بحبة رمل من أرض الوطن.

  نعم، الأكاديمية هي مصنع الوعي والعقل والحديث عن دورها هو حديث عن العطاء العلمي والأخلاقي والتنظيمي، فهي مؤسسة وطنية ضاربة في القدم، انطلقت منذ ستينيات القرن الماضي، تحمل على عاتقها حتى اليوم مسؤولية بناء الوعي الجماعي لأبناء الوطن من عسكريين ومدنيين على حد سواء، فمهمتها الأولى اليوم لم تعد مجرد نقل للمعرفة، بل صون العقل من حروب الجيل الرابع والخامس، تلك الحروب التي تستهدف الإدراك قبل الأرض، ومن هنا امتد إشعاعها العلمي لتصبح قبلة عسكرية وعلمية، يرتادها أبناء الأمة العربية والإفريقية والدولية، سعياً لتحقيق تطلعات الأمن والاستقرار والتنمية لأوطانهم.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، هل العلم سلاح والإنسان هو الغاية؟ للإجابة على هذا السؤال، كان لزاما علينا التطرق إلى نشأة الاكاديمية، لقد اتخذت منذ نشأتها من العلم سبيلاً، ومن المعرفة سلاحاً، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان الذي كرمه الله بالعقل وأمره بالتدبر والتعلم،

ما أحوجنا اليوم للدراسة في الأكاديمية العسكرية في ظل عالم اختلطت فيه الحقائق بالأباطيل، وامتزج الحابل بالنابل، ليصبح تشكيل الوجدان وبناء الوعي ضرورة استراتيجية قصوى، لا ترفاً فكرياً، فهي خط الدفاع الأول لحماية الدولة من مخططات وحروب تعددت أجيالها وأدواتها.

حاولت البحث عن سر تميز الأكاديمية، وقد وجدت الإجابة جلية، في أن هذا السر يكمن في قوتها المستمدة من جذور العسكرية المصرية العريقة وما أدراك ما العسكرية المصرية! تلك المؤسسة التي صنعت التاريخ وحمت الأرض، وصاغت وجدان الأمة منذ أكثر من 3200 ق.م.

 لقد أدركت بعد الدراسة في الاكاديمية أنها ليست مجرد مدرسة للحرب وتكتيكات القتال، بل هي مدرسة للانضباط، والولاء، والفكر الاستراتيجي ومصنع لصناعة الرجال والقادة  للعيش بكرامة وعزة بين الأمم.

كنت بعد الانتهاء من كل محاضرة ، اشعر وكلي يقين بأنني انتقل من قاعة الدرس إلى الميدان من أجل صناعة القائد بداخلي,… نعم، لقد آمنت بأن هذا الصرح العلمي العريق لا يكتفي بالشرح النظري، بل يعتمد على المحاكاة والنقاش الحر، ودراسة السيناريوهات لتغرس الانتماء في الوجدان وتصقل الشخصية بالمعرفة، وتعيد تشكيل الوعي ليصبح قادراً على التمييز والتحليل واتخاذ القرار تحت الضغط.

إن الأكاديمية لا تخرج أجيالاً واعية فحسب، بل تصنع مفكرين وقادة شباب يدركون أن معركة بناء الإنسان هي أشرف المعارك وأطولها وأن الأمم لا تُبنى إلا بعقول أبنائها.

في الختام، أعاهد نفسي على مواصلة هذا الطريق، بكتابة سلسلة من المقالات العلمية حول الأمن القومي والاستراتيجية ومفاهيم الوعي التي تدرسها الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إيماناً مني بأن العلم هو الطريق الأقصر لحماية العقل، وأن بناء الوعي هو الحصن الذي لا تهدمه رياح الفتن.

عاشت مصر.. وعاش جيشها درعاً للكرامة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى