أمريكا وتكرار اللعبة: هل نفد الوقت هذه المرة؟

أمريكا وتكرار اللعبة: هل نفد الوقت هذه المرة؟
بقلم: محمد ابراهيم ربيع
في لحظة تبدو فيها المنطقة على صفيح ساخن، تعود العواصم الغربية لاختبار وصفاتها القديمة في إدارة الصراع. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت هذه الوصفات صالحة، أم أن المنطقة تجاوزتها بالفعل؟
تعود واشنطن، كعادتها، إلى إدارة ملفات الشرق الأوسط بمنطق واحد لا يتغير: احتواء إيران عبر تفاهم أو اتفاق مباشر، ثم إعادة توزيع أوراق المنطقة عبر وكلائها الإقليميين. والهدف المعلن هذه المرة هو لبنان، كما كان من قبل غزة وجنوب لبنان واليمن.
جوهر الاستراتيجية الأمريكية يقوم على فصل الساحات. اتفاق مع طهران يبدو في ظاهره مساراً للتهدئة وكبح التصعيد، وفي باطنه محاولة لعزلها عن بيئتها الإقليمية، وترك المجال مفتوحاً للضغط على حلفائها أو تغيير معادلات القوة المحيطة بها.
جُرب هذا الأسلوب في قطاع غزة عبر الحصار والحروب المتتالية لكسر إرادة المقاومة، وفي جنوب لبنان عبر محاولات فرض قواعد اشتباك جديدة وتغيير التوازن العسكري، وفي اليمن عبر مسارات التسوية الجزئية والضغط الاقتصادي. وفي كل مرة كانت النتيجة عكسية: تعقيد الأزمة بدل حلها، وصعود قوى أكثر تصلباً وتمسكاً بخياراتها.
إدراك الدرس :
لكن الفارق الجوهري اليوم ليس في الأداة الأمريكية، بل في وعي الساحة. لم تعد المعادلات تُقرأ بمعزل عن بعضها. فلبنان لم يعد ملفاً منفصلاً عن غزة، ولا اليمن حالة خاصة بعيدة عن طهران. المنطقة باتت ترى الصورة كاملة، وتدرك أن أي تفاهم جزئي هو في حقيقته محاولة لإعادة إنتاج نفس الهيمنة بأدوات مختلفة.
لقد استوعبت القوى الفاعلة الدرس: أن “الاتفاق” الذي لا يراعي موازين القوى على الأرض هو مجرد هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، قبل الانتقال إلى جولة أخرى من الالتفاف والضغط.
العامل الحاسم هذه المرة هو الزمن. لم يعد هناك مجال للمناورة أو شراء الوقت. الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة، والنخب التي خبرت كل تفاصيل اللعبة، لم تعد تنتظر الجولة التالية.
إما الذهاب إلى تسوية شاملة تحترم توازنات الإقليم وتقر بوجود كل أطرافه، أو الدخول في مواجهة مفتوحة لا يحدد نتائجها إلا الميدان. وفي الحالتين، لم تعد واشنطن وحدها من يمسك بالقلم ويرسم الخرائط.
ختاما _ أمريكا تعيد تدوير اللعبة ذاتها، ظناً منها أن الخصم لم يتغير. لكن الحقيقة أن الطاولة انقلبت، وأن من كانوا بالأمس مجرد بيادق على الرقعة، صاروا اليوم شركاء في كتابة قواعدها. فإذا كانت واشنطن تراهن على الوقت، فإن الوقت نفسه قد انقلب ضدها.
المنطقة قالت كلمتها: اللعبة انتهت، ومن أراد السلام فليأت به كاملاً، لا مجزأً .




