تحذيرات نتنياهو وزيارة أبوظبي والشرر الذي يكاد يشتعل في المنطقة
الدكتور م. وائل الشهاوى - يكتب لـ[آيسك نيوز AISC NEWS ]
أحيانًا لا تكون المشكلة في أن هناك حدثًا كبيرًا وقع بالفعل، وإنما في أن بعض الرسائل التي تخرج في توقيت معين تكون في حد ذاتها جزءًا من الحدث.
وفي “إسرائيل” الآن، يصعب فصل التحذير الأمني الذي أطلقه بنيامين نتنياهو عن التوقيت السياسي الذي خرج فيه، خصوصًا أن الانتخابات الإسرائيلية أصبحت على الأبواب، ولم يتبقَّ عليها سوى نحو أربعة أسابيع.
نتنياهو خرج من قاعدة «تل نوف» الجوية وقال إن هناك مؤشرات على أن أعداء “إسرائيل” قد يحاولون شن هجوم عليها قبل الانتخابات، ثم وجه رسالة شديدة اللهجة إلى من وصفهم بالأعداء، مؤكدًا أن الذراع الطويلة لـ “إسرائيل” قادرة على الوصول إليهم في أي مكان وفي أي وقت.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا قال نتنياهو؟ وإنما أيضًا: لماذا قاله الآن؟ ومن الذي يقصده تحديدًا؟
فإذا كان هناك تهديد حقيقي، فمن هي الجهة التي تستعد للهجوم؟ هل الحديث عن إيران؟ أم حزب الله؟ أم الحوثيين؟ أم جبهة غزة؟
وهل هناك معلومات استخباراتية محددة وصلت إلى الحكومة الإسرائيلية جعلت رئيس الوزراء يخرج شخصيًا قبل الانتخابات بهذا التحذير، أم أن الأمر يتعلق برسالة سياسية وأمنية عامة لا تحمل في داخلها معلومات يمكن للجمهور أن يبني عليها شيئًا؟
المفارقة أن الصورة لم تصبح أكثر وضوحًا بعد تصريحات نتنياهو، وإنما أصبحت أكثر غموضًا. فقد نقلت «جيروزالم بوست» عن مسؤولين إسرائيليين أنه لا توجد في الوقت الحالي معلومات استخباراتية محددة تشير إلى هجوم وشيك، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن “إسرائيل” في حالة تأهب وأن المعطيات يمكن أن تتغير في أي لحظة.
وهنا تحديدًا تبدأ علامات الاستفهام.
فلو كان هناك تهديد استخباراتي محدد، فمن الطبيعي أن تكون هناك إحاطة أمنية واضحة للمستوى السياسي، وأن تكون المعارضة على علم بالحد الأدنى من المعلومات التي تسمح لها بفهم خطورة الموقف. ولهذا خرجت أصوات من المعارضة الإسرائيلية تطالب بإحاطة يائير لابيد، زعيم المعارضة، للتأكد من أن الأمر يتعلق بتهديد أمني حقيقي وليس بتحرك يمكن أن يؤثر على المشهد الانتخابي.
واللافت هنا أن “إسرائيل” نفسها شهدت في السنوات الأخيرة أكثر من مرة تصريحات وتحذيرات عن تصعيد واسع، وتهديدات بفتح جبهات جديدة، ورسائل توحي بأن المنطقة مقبلة على مواجهة كبيرة، ثم انتهت بعض هذه المواقف بالتراجع أو الاحتواء في اللحظة الأخيرة. لكن الفارق هذه المرة أن كل ذلك يحدث بينما الانتخابات الإسرائيلية تقترب، وهذه نقطة لا يمكن تجاهلها عند قراءة المشهد.
لأن نتنياهو لا يتحرك الآن في فراغ سياسي. الرجل يخوض معركة انتخابية، وفي الوقت نفسه يواجه إرثًا ثقيلًا يتعلق بإدارة الملفات الأمنية والسياسية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها تداعيات السابع من أكتوبر وما سبقها وما تلاها.
ولذلك فإن أي رسالة أمنية يوجهها رئيس الوزراء في الأسابيع الأخيرة التي تسبق الانتخابات ستصبح تلقائيًا جزءًا من المشهد السياسي، حتى لو كان أصلها أمنيًا بالفعل.
والأكثر إثارة أن هذا التحذير جاء بعد أيام قليلة من زيارة نتنياهو إلى أبوظبي ولقائه الشيخ محمد بن زايد، في زيارة استغرقت نحو ست ساعات، وذكرت تقارير إسرائيلية أن إيران كانت في مقدمة الملفات التي جرى بحثها خلالها.
وبالتزامن مع ذلك، هناك تحركات عسكرية أمريكية في المنطقة، وهو ما يضيف طبقة أخرى من الغموض إلى الصورة. وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جدًا: الحديث عن وصول مقاتلات أمريكية شبحية إلى المنطقة لا يعني تلقائيًا أنها طائرات F-22 رابتور، كما ذهب البعض.
فالمعلومة الخاصة بوصول عدد محدد من طائرات “رابتور” تحتاج إلى التمييز بينها وبين مجرد وجود مقاتلات شبحية أمريكية في المنطقة، خصوصًا أن هذه الطائرات سبق أن كانت موجودة ثم غادرت.
لكن عندما تضع هذه التطورات بجوار بعضها، يصبح من الصعب التعامل مع كل واقعة باعتبارها منفصلة تمامًا عن الأخرى. رئيس الوزراء الإسرائيلي يحذر من هجوم محتمل قبل الانتخابات، زيارة إلى أبوظبي تأتي في توقيت حساس، إيران حاضرة في الحسابات، وتحركات عسكرية أمريكية مستمرة في المنطقة.
هل يعني ذلك أن هناك عملية عسكرية كبرى يجري الإعداد لها؟
ليس بالضرورة.
وهل يعني أن نتنياهو اختلق التهديد من أجل الانتخابات؟
أيضًا لا يمكن الجزم بذلك.
لكن ما يمكن قوله إننا أمام توقيت شديد الحساسية، وإن الرسالة التي خرجت من قاعدة «تل نوف» لم تكن رسالة عادية، لأنها ربطت صراحة بين احتمال تعرض “إسرائيل” لهجوم وبين الفترة التي تسبق الانتخابات.
وهنا تكمن أهمية المشهد.
فقد شهدنا سابقًا تهديدات بالتصعيد، وشهدنا استعدادات وتحركات عسكرية، وشهدنا رسائل متبادلة رفعت منسوب التوتر إلى مستويات كبيرة، ثم حدث التراجع في اللحظة الأخيرة أكثر من مرة. لكن تلك المرات لم تكن فيها الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب بهذا الشكل.
أما الآن، فإن كل تحرك أمني يمكن أن ينعكس مباشرة على الناخب الإسرائيلي، وكل تهديد خارجي يمكن أن يتحول إلى عامل يؤثر في المزاج العام.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سيحدث الهجوم أم لا؟
السؤال الأهم هو: ماذا سيحدث إذا لم يقع شيء؟
إذا مرت الأسابيع القادمة دون هجوم، فقد يعود السؤال داخل “إسرائيل” نفسها: لماذا خرج رئيس الوزراء بهذا التحذير في هذا التوقيت تحديدًا؟ وإذا وقع تصعيد بالفعل، فسوف يصبح السؤال مختلفًا تمامًا: هل كانت هناك معلومات استخباراتية مسبقة، أم أن التصعيد كان نتيجة تطورات لم تكن محسوبة؟
وبين الاحتمالين تظل المنطقة كلها واقفة أمام مشهد شديد الحساسية.
فالتهديدات المتكررة بالتصعيد ليست جديدة، والتراجع في اللحظة الأخيرة حدث من قبل، لكن الجديد هذه المرة هو اقتراب الانتخابات، ودخول العامل الانتخابي مباشرة إلى قلب الخطاب الأمني الإسرائيلي.
ومن هنا فإن الأسابيع الأربعة المقبلة ستكون كافية لتكشف الكثير، ليس فقط عن طبيعة التهديد الذي تحدث عنه نتنياهو، وإنما أيضًا عن حقيقة التحركات التي تجري حول “إسرائيل”، وما إذا كانت المنطقة تتجه بالفعل إلى مواجهة جديدة، أم أن ما نراه مجرد رفع لسقف الرسائل والتهديدات قبل أن تهبط الأمور مرة أخرى في اللحظة الأخيرة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى كثير من الشرر حتى يشتعل، لكن الانتخابات هذه المرة تجعل قراءة كل رسالة وكل تحرك أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.




