الحدثالعالمالعلم والحياةتقارير وتحقيقاتثقافةمقالات

د. م. وائل الشهاوي – يكتب : ردٌّ مُوثَّق علي دعوات إلصاق شخصية فرعون موسى بالملك المصري [رعمسيس الثاني] …

حينما تأتي الطعنة في التاريخ المصري القديم ممن كان يوما في موقع مسئولية “أثرية”، يكون الأمر أصعب و أقسي بكثير من أن تاتي من أجنبي أو من أحد دعاة الأفروسنتريك أو حتي من.. (اخوانا البعدا).

.

المشكلة في كلام المسئول السابق عن فرعون الخروج، في رأيي، مش محتاجة أصلًا كل هذا التعقيد ، لأنه لما تري الحجج التي يطرحها تلاقي إن المشكلة الأساسية هي في المنهج نفسه:

كيف نبني نتيجة تاريخية من مصادر مختلفة، وكل مصدر له سياقه، ثم نتعامل مع النتيجة كأنها حقيقة علمية محسومة؟

وأنا سأقف عند الأربع حجج التي قيلت في الصحافة والإعلام، لأنها كفاية جدًا لنعرف ؛ هل نحن أمام بحث تاريخي أم تركيب رواية لتصل لاسم معين.

.

أول حجة: طول عمر فرعون.

المسئول يقول إن موسى تربى في قصر فرعون، وهرب وهو كبير، وبعد فترة طويلة رجع لمواجهة فرعون والخروج من مصر، وبالتالي إحنا محتاجين ملك حكم فترة طويلة، ومن هنا يجيء رمسيس الثاني باعتباره حكم حوالي 66 سنة وعاش لعمر كبير.

طيب هنا أول سؤال: الأرقام دي اتجابت منين؟

لو المصدر الأساسي للقصة هو القرآن، فالقرآن بيقول إن موسى مكث في مدين ثماني سنين، وإن أتم عشرًا فهو فضل منه، وبعدها خرج بأهله. يعني القرآن لا بيقول إن موسى قعد 40 سنة في مدين ولا بيقدم لنا تقسيمة 40 + 40 بالشكل ده. ([Quran][1])

أما رقم الأربعين سنة قبل الهروب، والأربعين سنة في مدين، فده موجود في سفر أعمال الرسل، حيث يذكر أن موسى كان عنده 40 سنة لما هرب، ثم بعد 40 سنة ظهر له الله عند العليقة. ([USCCB][2])

طيب ، لو هنستخدم الرواية دي تحديدًا ونبني عليها حساباتنا، يبقى لازم نمشي بيها للآخر.

موسى 40 سنة قبل الهروب + 40 سنة في مدين = 80 سنة على الأقل من عمره قبل العودة.

رمسيس الثاني حكم حوالي 66 سنة فقط.

يعني حتى الحساب اللي بيُستخدم لتدعيم نظرية رمسيس الثاني، لا يطابق رمسيس الثاني أصلًا، إلا لو عملنا افتراضات إضافية.

أنا مش هقول إن حد مش عارف يحسب، لكن المؤرخ مينفعش ياخد عمر موسى من مصدر، ومدة إقامته في مدين من مصدر تاني، وتفاصيل تانية من مصدر ثالث، وبعد كده يقول أنا وصلت لنتيجة تاريخية علمية.

ده مش اسمه تحقيق تاريخي؛ دي أقرب إلى “توليفة عطار” علشان نطلع بالملك اللي إحنا عايزين نوصل له.

الحجة التانية أخطر، وهي إن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج لأنه الملك المصري الوحيد اللي قام بتأليه نفسه.

ودي ببساطة معلومة غير دقيقة.

أبو سمبل فعلًا فيه في قدس الأقداس أربع صور مقدسة: رع حور آختي، ورمسيس الثاني المؤلَّه، وآمون رع، وبتاح. والمعبد نفسه مخصص لهذه المجموعة. حسب قراءات علماء الأجانب، ([Egypt’s Monuments][3])

لكن هل معنى وجود صورة مقدسة لرمسيس الثاني إنه “الملك الوحيد في التاريخ المصري اللي ألّه نفسه”؟

طبعًا لا.

أمنحتب الثالث، قبل رمسيس الثاني بأكثر من قرن، وصل في عهده الأمر إلى درجة تأليهه وعبادته في حياته، وبيوضح المتحف البريطاني إن تماثيله ارتبطت بعبادته كملك مؤله وهو على قيد الحياة. حسب قراءات علماء الأجانب، ([British Museum][4])

يعني مجرد الاستناد إلى فكرة “الملك المؤله” لا يمكن أن يكون مفتاحًا يخلينا نقول: إذن هو رمسيس الثاني.

.

وبعدين فيه مشكلة أكبر.

لو إحنا أصلًا بنستخدم القرآن باعتباره مصدرًا أساسيًا للقصة، فالقرآن الكريم ينقل عن فرعون قوله: “ما علمت لكم من إله غيري”.

طيب رمسيس الثاني في أبو سمبل موجود وسط رموز ثلاثة صفات الهية مصرية قديمة، والمعبد نفسه مكرس لهم وله في إطار العقيدة الملكية المصرية. ([Egypt’s Monuments][3])

فين هنا الدليل على إنه كان بيقول: “لا يوجد إله غيري”؟

مفيش.

وجود صورة مؤلهة للملك في معبد مصري مش معناه تلقائيًا إن الملك أعلن نفسه الإله الوحيد، ودي نقطة مهمة جدًا لأن اللاهوت الملكي المصري القديم أعقد بكثير من الاختزال ده.

والأهم من كده إننا عندنا مشاهد ونقوش كثيرة لرمسيس الثاني وهو بيقدم القرابين للآلهة.

وهنا السؤال البسيط جدًا:

لو رمسيس شايف نفسه “الإله الأعلى” بالمعنى اللي بنفهمه من نص فرعون في القرآن، يبقى بيقدم قرابين لمين؟

الملك في الفكر المصري القديم كان له وضع ديني وقدسي معقد جدًا، وفيه فرق بين شخص الملك كإنسان وبين مفهوم الملكية المقدسة ودوره الكوني والديني. وبالتالي مينفعش ناخد تمثال واحد ونحوله إلى دليل مباشر على العقيدة اللي بنبحث عنها بعد آلاف السنين.

حتى معابد رمسيس نفسها مليانة مشاهد للملك وهو أمام الآلهة وبيقدم لها القرابين، وبالتالي الصورة أعقد بكثير من جملة: “رمسيس ألّه نفسه، إذن هو فرعون الخروج”.

أما موضوع تعامد الشمس على تماثيل أبو سمبل، فدي حكاية تانية تمامًا.

المعبد مصمم هندسيًا بحيث تصل أشعة الشمس إلى قدس الأقداس في أوقات محددة من السنة، وتضيء التماثيل الموجودة في الداخل، وهو واحد من أشهر الظواهر الأثرية في مصر. ([Egypt’s Monuments][3])

فإيه علاقة الظاهرة دي بفرعون الخروج؟

لازم نفرق بين دراسة الطقس والعمارة والعقيدة المصرية القديمة، وبين محاولة استخدام كل تفصيلة في المعبد كدليل على هوية فرعون الخروج.

المشكلة مش في إن حد يقول إن رمسيس الثاني ممكن يكون مرشحًا.

ده موضوع مفتوح للنقاش، وفيه آراء ونظريات مختلفة.

المشكلة لما تتحول النظرية إلى “حقيقة علمية” ويتم انتقاء الأدلة اللي تخدمها، ثم خلط نصوص دينية مختلفة مع بعضها، وبعدها إسقاط كل ده على آثار مصرية عمرها آلاف السنين.

تاريخ مصر القديمة أكبر وأعقد بكتير من إننا نختصره في فيديو أو تصريح أو نظرية واحدة.

ده تاريخ طويل جدًا، مليان نصوص وآثار ولغات ولهجات ونظم دينية وسياسية واجتماعية، وعلشان تفهم جزء صغير منه محتاج علوم كاملة ومتخصصة.

وعشان كده، لما نختلف حول فرعون الخروج، الاختلاف لازم يكون بالبحث والأدلة والمنهج، مش باختيار الملك الأول اللي ينفع نركب عليه القصة.

لأن التاريخ المصري القديم مش محتاج نثبت له نظرية بأي تمن.

هو أصلًا أقوى من كده بكتير.

.

.

.

مصادر / مراجع:

[1]: https://legacy.quran.com/28/27-29?utm_source=chatgpt.com “Surat Al-Qasas [28:27-29] – The Noble Qur’an – القرآن الكريم”

[2]: https://bible.usccb.org/bible/acts/7?utm_source=chatgpt.com “Acts of the Apostles, CHAPTER 7 | USCCB

[3]: https://egymonuments.gov.eg/…/archaeologi…/abu-simbel… “Abu Simbel – Discover Egypt’s Monuments – Ministry of Tourism and Antiquities

[4]: https://www.britishmuseum.org/collection/object/Y_EA7… “statue | British Museum

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى