سرد بلا حدود قضية للحوار: من سرق كلمة «الكبير»؟
سرد بلا حدود
عز الدين المدني… ومسرح الغد
بقلم: السيد حافظ
في تسعينيات القرن الماضي أُسس «مسرح الغد»، وكان افتتاحه الرسمي بمسرحية للكاتب المسرحي التونسي الكبير عز الدين المدني. وقد عرفت عز الدين منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين كان مهاجرًا غاضبًا في باريس، يكتب في مجلة «المستقبل» نصوصًا وقصصًا تجريبية لافتة. وكان من أبرز المجددين في القصة القصيرة والمسرح، وصاحب رؤية مختلفة لا تشبه أحدًا.
وللتوثيق، فإن «مسرح الغد» لم يبدأ بهذا الاسم منذ اللحظة الأولى، بل أُنشئ عام 1992 باسم «الفرقة القومية للعروض التجريبية» ضمن فرق البيت الفني للفنون الشعبية، وأسسه الفنان عبد الغفار عودة، بينما صمم قاعة العروض الفنان زوسر مرزوق بعد فوزه بمسابقة التصميم التي أطلقتها وزارة الثقافة المصرية في مطلع التسعينيات. واستضاف المسرح أول عروضه عام 1992، وهو «أوقات عصيبة» عن رواية لتشارلز ديكنز، من إخراج سمير العصفوري، ثم افتتح رسميًا عام 1995 باسم «مسرح الغد»، وكان عرض الافتتاح «رحلة الحلاج» للكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني، من إخراج محمد أبو الخير، قبل أن تنتقل تبعيته إلى البيت الفني للمسرح عام 1996.
وفي ليلة عرض «رحلة الحلاج»، وبعد انتهاء العرض، وقفنا معًا أمام باب المسرح، فسألني عز الدين المدني:
ـ لماذا يسمونه «مسرح الغد»؟
قلت له:
ـ لأنه يقدم المسرح التجريبي.
فقال:
ـ ولماذا لا يسمونه «مسرح السيد حافظ»؟
ضحكت، ظنًا مني أنه يمزح، لكنه قال بجدية:
ـ أنا لا أمزح. أنت من المؤسسين الحقيقيين للمسرح التجريبي، وهذا أقل ما يمكن أن تقدمه لك مصر.
قلت له مبتسمًا بمرارة:
ـ مصر لا تقدم ذلك بسهولة. إنها تعطي باليمين وتأخذ بالشمال منذ فجر التاريخ جينات.
ثم رويت له ما أعرفه من وقائع. فقد أُطلق اسم يوسف وهبي على مسرح الأنفوشي بالإسكندرية، ووُضعت اللافتة عامًا واحدًا ثم أزيلت. وأُطلق اسم توفيق الحكيم على أحد مسارح شارع عماد الدين في وسط البلد، ثم تغير إلى مسرح محمد فريد، وبعدها أزيل الاسم ليصبح «المسرح الكوميدي».
ولم تحمل المسارح المصرية أسماء كتاب كبار مثل علي سالم، أو نعمان عاشور، أو سعد الدين وهبة، أو نجيب سرور، رغم ما قدموه للمسرح المصري والعربي. وهناك قاعات تحمل أسماء مبدعين كبار مثل صلاح عبد الصبور وصلاح جاهين، مع كامل التقدير لهما، لكن كان من الأولى أيضًا أن تحمل بعض المسارح أو القاعات أسماء كتاب مسرحيين كرّسوا حياتهم للمسرح، أو رواد مسرح الطفل، أو أصحاب المشاريع المسرحية الكبرى. وحتى القاعة التي حملت اسم عبد الرحيم الزرقاني في المسرح القومي، كان من الأفضل أن تحمل اسم كاتب مسرحي ترك أثرًا عميقًا في تاريخ المسرح القومي، مثل عبد الرحمن الشرقاوي.
وأتذكر كذلك ما كتبه الناقد المخرج المبدع حسن سعد في جريدة «الجمهورية»، حين طالب بأن تقدم الدولة اعتذارًا عمليًا لي، بأن تعرض مسرحياتي في وقت واحد على فرق قصور الثقافة في أنحاء مصر، وفي مسارح الدولة المختلفة. كان يرى أن هذا أقل اعتذار يمكن أن تقدمه وزارة الثقافة وهيئة المسرح.
قرأت المقال وضحكت طويلًا. ليس سخرية من حسن سعد، فقد كان صادقًا ومخلصًا، وإنما لأنني أعرف الواقع جيدًا. فالدولة، خلال أكثر من خمسين عامًا، لم تطبع من نحو مائتي مسرحية كتبتها سوى ثماني عشرة مسرحية فقط، أما بقية أعمالي فقد صدرت على نفقتي الخاصة، أو بجهود ومحبة الأصدقاء.
وقلت لحسن سعد:
لقد كتبت في جريدة «الجمهورية»، لكن يبدو أنهم قرأوا المقال وكأنه لم يُكتب.
ومع ذلك، لا أحمل في قلبي غضبًا على مصر. فهي الوطن الذي يجري في دمي، والذي تعلمت فيه، وعملت من أجله، وأسست فيه فرقة مسرحية، وقدمت له عمري كله. لم أحصل منها إلا على بطاقة الهوية، وجواز السفر، ومعاش متواضع عشره دولار فى الشهر من اتحاد الكتاب، ومعاش آخر متواضع عشرة دولار فى الشهر من نقابة المهن التمثيلية.
لكنني، رغم كل شيء، لا أطلب منها شيئًا.
يكفيني أنني أحببتها، وأنني كتبت لها، وما زلت أؤمن أن قيمة الكاتب الحقيقية تبقى في أعماله، لا في اسم يُعلَّق على واجهة مسرح.
تمت
القاهرة الهرم
السيد حافظ
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
رأيك في النص يمكن تلخيصه في أنه نص صادق، مرير، وذكي في آن واحد.
نقاط القوة:
الصدق الشخصي والمرارة النظيفة
السيد حافظ لا يكتب من موقع الضحية المستعطفة، ولا من موقع المتفاخر. يروي الواقعة مع عز الدين المدني بهدوء، ثم ينتقل إلى أمثلة تاريخية ملموسة (يوسف وهبي، توفيق الحكيم، عبد الرحيم الزرقاني…) ليُظهر نمطًا متكررًا في الثقافة المصرية: التكريم المؤقت أو الانتقائي، ثم النسيان أو التحويل. المرارة موجودة، لكنها ليست هستيرية؛ هي مرارة رجل يعرف قواعد اللعبة جيدًا.
الربط الذكي بين الخاص والعام
القصة الصغيرة (السؤال الذي طرحه المدني أمام باب المسرح) تتحول إلى تأمل أوسع في سياسة التسمية، وفي مكانة الكاتب المسرحي في المنظومة الرسمية. هذا الانتقال سلس وغير متكلف.
الخاتمة القوية
الجملة الأخيرة:
«قيمة الكاتب الحقيقية تبقى في أعماله، لا في اسم يُعلَّق على واجهة مسرح»
هي الخلاصة الأخلاقية والفنية للنص. بعد كل الشكوى الموثقة، يصل الكاتب إلى موقف ناضج: لا يطلب شيئًا، ويكفيه أنه أحب وكتب. هذا يحمي النص من أن يتحول إلى مجرد شكوى.
ملاحظات نقدية خفيفة:
النص يعتمد كثيرًا على السرد التوثيقي والتعداد (أسماء المسارح، الأرقام عن المطبوعات، المعاشات بالدولار…). هذا يعطيه قوة الشهادة، لكنه أحيانًا يُبطئ الإيقاع ويجعله أقرب إلى المقالة النقدية/التاريخية منه إلى النص الأدبي الصرف.
بعض التفاصيل المالية (عشرة دولارات من اتحاد الكتاب وعشرة من النقابة) قوية في كشف الواقع، لكنها تكرار لنبرة الشكوى التي سبق أن أُقيمت في الفقرات السابقة. كان يمكن الاكتفاء بإشارة واحدة أقوى.
جملة «مصر تعطي باليمين وتأخذ بالشمال منذ فجر التاريخ جينات» فيها تعميم تاريخي كبير. الفكرة مفهومة عاطفيًا، لكنها قابلة للنقاش.
الخلاصة:
النص ناجح كـشهادة شخصية وكـمرافعة هادئة عن مكانة الكاتب المسرحي المصري. هو ليس نصًا احتفاليًا ولا نصًا ثوريًا، بل نص رجل وصل إلى مرحلة «اللاطلب» بعد عقود من العمل. قوته الحقيقية في أنه لا يستجدي الاعتراف، بل يُذكّر بأن الاعتراف الرسمي ليس مقياس القيمة.
لو كان لي أن أختصر رأيي في جملة:
نص جميل في صدقه، مؤلم في واقعيته، وناضج في خاتمته.
![[الكاتب المصرى | عمرو عبدالرحمن].](https://ar.aiscnews.it/wp-content/uploads/2026/07/AMR-TV-SHERY-390x220.jpg)



