” عصب ” نموذجًا: التاريخ الاستعماري لا يعيد نفسه، فقط يغير زيه العسكري …
الدكتور م. وائل الشهاوي – يكتب لـ [ آيسك نيوز AISC ]
كما تعودت معكم دائمًا، سواء في مقالاتي السابقة أو حتى في كتابي «لعبة السياسة – الوهم والحقيقة»، بربط الماضي بالحاضر ومحاولة فهم الحاضر وتوقع المستقبل عن طريق دراسة أحداث التاريخ بشكل دقيق، لأن كثيرًا من الأحداث التي نراها اليوم لا يمكن فهمها بصورة كاملة إذا عزلناها عن جذورها التاريخية.
وأحيانًا يكون الرجوع إلى التاريخ أبعد من مجرد استعادة أحداث قديمة، لأنه يكشف لنا أفكارًا ومشروعات ظهرت منذ قرون، ثم تعود إلى الواجهة بأسماء جديدة وأدوات مختلفة.
ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى عام 1513، عندما كان القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك يتحرك في البحر الأحمر، في محاولة للسيطرة على عدن وباب المندب، وفي الوقت نفسه كان يبحث عن وسيلة لضرب مصر من خلال النيل.
بعد فشل ألبوكيرك في اقتحام عدن والسيطرة عليها، كتب إلى ملك البرتغال مانويل الأول مقترحًا فكرة شديدة الخطورة تقوم على تحويل مجرى النيل إلى البحر الأحمر، بما يؤدي إلى حرمان مصر من مياه النهر وتحويل أراضيها إلى أرض قاحلة.
كان المشروع أقرب إلى المستحيل من الناحية الهندسية وفق إمكانات ذلك العصر، لكن مجرد طرحه يكشف أن البرتغاليين كانوا يدركون منذ ذلك الوقت أن قوة مصر ترتبط بالنيل والبحر الأحمر معًا. وتذكر المصادر التاريخية أن ألبوكيرك طلب بالفعل إرسال مهندسين قادرين على حفر الأنفاق وتحويل مجرى النيل.
ولم يكن هذا هو المشروع الوحيد الذي ارتبط بألبوكيرك. فقد كان يسعى كذلك إلى السيطرة على طرق الحج والتجارة في البحر الأحمر، بل ارتبطت به أفكار للوصول إلى المدينة المنورة والاستيلاء على رفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستخدامها كورقة ضغط على المسلمين، إلى جانب السعي للسيطرة على القدس.
وكان ألبوكيرك يرى أن إقامة قاعدة برتغالية في مصوع على البحر الأحمر، مع وجود حليف في الداخل الحبشي، يمكن أن تمنح البرتغال سيطرة واسعة على المنطقة. وقد عبّر في مراسلاته عن أهمية التحالف مع الحبشة، وعن قدرة البرتغال من خلال موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر على التحكم في تجارة المنطقة القادمة من وإلى مصر.
وهنا يظهر المشهد الأول في هذه القصة: النيل والبحر الأحمر كانا بالنسبة إلى ألبوكيرك وجهين لمشروع واحد، هو إضعاف مصر والسيطرة على طرق التجارة والحركة في المنطقة.
لكن مصر في ذلك الوقت لم تكن غافلة عن الخطر.
فقد أدرك المماليك أن التوسع البرتغالي في المحيط الهندي والسيطرة على طرق التجارة البحرية يمثل تهديدًا مباشرًا لمكانة مصر الاقتصادية. فالبرتغاليون كانوا قد نجحوا في تحويل طرق التجارة بعيدًا عن المسارات التي تمر بمصر، وهو ما انعكس على تجارة التوابل التي كانت تمثل مصدرًا مهمًا من مصادر قوة الدولة المملوكية.
ولهذا طلب السلطان المملوكي قانصوه الغوري المساعدة من العثمانيين، رغم العداء القائم بين الدولتين في ذلك الوقت. وتعاون الطرفان في مواجهة الخطر البرتغالي، بينما سمح البنادقة للعثمانيين بتموين أسطولهم من قبرص.
وأرسل العثمانيون الأدميرال سلمان ريس بقوة بحرية وعسكرية للمساعدة في الدفاع عن البحر الأحمر، وفي عام 1517 حاول البرتغاليون مهاجمة جدة، إلا أن الدفاعات المملوكية المدعومة بالقوات العثمانية تمكنت من صد الهجوم.
وبذلك فشل البرتغاليون في فرض سيطرتهم على البحر الأحمر، وظلت مكة والمدينة خارج نطاق سيطرتهم، قبل أن تسقط دولة المماليك بعد ذلك بفترة قصيرة، وتنتقل مصر والبحر الأحمر إلى الدولة العثمانية التي تولت حماية المنطقة لقرون طويلة.
وفي الوقت نفسه، كان هناك مشهد آخر يجري في الجانب الآخر من البحر الأحمر.
فالحبشة كانت تبحث عن حليف أوروبي في مواجهة المسلمين، والبرتغاليون كانوا يبحثون عن قوة مسيحية في الداخل يمكن أن تتحالف معهم ضد القوى الإسلامية.
وكانت الملكة إليني، الوصية على العرش بسبب صغر سن الملك لبنا دنقل، قد أرسلت مبعوثًا إلى البرتغال يدعى متيوس، في محاولة لإقامة تحالف مع البرتغاليين.
وكان البرتغاليون قد أطلقوا على ملك الحبشة اسم «الكاهن يوحنا» أو Prester John، وهي أسطورة أوروبية قديمة عن ملك مسيحي قوي في الشرق يمكن أن يتحالف مع الأوروبيين ضد المسلمين.
وقد استغل البرتغاليون هذه العلاقة لتحقيق أهدافهم في المنطقة، بينما رأت الحبشة في التحالف فرصة لمواجهة خصومها المسلمين.
وبذلك، فإن المشهد في ذلك الوقت كان واضحًا: البرتغال تتحرك من البحر، والحبشة تمثل قوة داخلية في القرن الأفريقي، ومصر تقع في قلب المعادلة بسبب سيطرتها على النيل وارتباطها بالبحر الأحمر.
ثم ننتقل أكثر من خمسة قرون إلى عام 2026.
اليوم، لم تعد إثيوبيا دولة تملك منفذًا مباشرًا على البحر الأحمر، فمنذ استقلال إريتريا عام 1993 أصبحت دولة حبيسة، وأصبح الوصول إلى البحر قضية استراتيجية بالنسبة إليها.
وقد تحدث آبي أحمد بوضوح عن هذه المسألة، وقال في سبتمبر 2025 إن استعادة السيطرة على ميناء عصب ليست سوى مسألة وقت، كما تحدث أمام البرلمان عن أن إثيوبيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة، لا يمكن أن تستمر في وضع وصفه بأنه «سجن جغرافي».
وهنا تظهر عصب مرة أخرى في المشهد، وهي المدينة الإريترية التي كانت جزءًا من الحسابات الاستراتيجية البرتغالية القديمة، والتي ينظر إليها اليوم باعتبارها واحدة من أهم الموانئ التي تسعى إثيوبيا إلى الوصول إليها.
ولم يتوقف الأمر عند عصب، فقد أصبحت موانئ البحر الأحمر وخليج عدن جزءًا من الحسابات الإثيوبية، في الوقت الذي يستمر فيه الخلاف مع مصر حول سد النهضة.
أما سد النهضة، فقد نقل الصراع حول مياه النيل إلى مرحلة جديدة. فبدلًا من محاولة تحويل مجرى النهر كما كان يتصور ألبوكيرك قبل أكثر من خمسة قرون، أصبحت إثيوبيا تملك منشأة ضخمة على النيل الأزرق تستطيع من خلالها التحكم في جزء أساسي من تدفقات المياه.
وفي فبراير 2026 ظهرت تقارير صحفية عن عرض للمقايضة يقوم على منح إثيوبيا منفذًا بحريًا في السودان أو الصومال أو جيبوتي، مقابل إبداء مرونة في ملف سد النهضة. أي أن يكون هناك تبادل بين البحر والمياه.
وقد رفضت مصر هذا الطرح ونفت صحة ما نشر بشأنه، مؤكدة أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه، وليس مجالًا للمقايضة.
وهنا تعود إلى المشهد الفكرة القديمة نفسها: استخدام المياه كورقة في مقابل البحر.
ألبوكيرك أراد أن يستخدم النيل لضرب مصر، وفي الوقت نفسه أراد السيطرة على باب المندب والبحر الأحمر. أما اليوم، فإن إثيوبيا تملك سد النهضة الذي يمنحها قدرة على التأثير في مياه النيل، وتسعى في الوقت نفسه إلى الوصول إلى البحر الأحمر وموانئه.
ومن هنا يمكن فهم ثلاثة قوانين تبدو واضحة في هذه الجغرافيا السياسية ؛
القانون الأول: من يملك القدرة على التأثير في النيل يستطيع الضغط على مصر، ومن يملك القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر يستطيع الضغط عليها من الاتجاه الآخر.
ألبوكيرك أراد الاثنين معًا: تحويل النيل والسيطرة على باب المندب من عدن. وإثيوبيا اليوم تسعى إلى الاثنين أيضًا: التحكم في مياه النيل من خلال سد النهضة، والوصول إلى البحر الأحمر من خلال عصب وبربرة وغيرها.
أما القانون الثاني، فهو أن مصر لا تتحرك في هذه الملفات وحدها.
في عام 1517، تعاون المماليك والعثمانيون في مواجهة البرتغاليين، بينما دخلت أطراف أخرى في المعادلة بحسب مصالحها.
واليوم، تتقاطع مصالح مصر وإريتريا والصومال وجيبوتي وتركيا في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في مواجهة تحركات إثيوبية متزايدة للحصول على منفذ بحري.
وقد وصل التوتر الإقليمي مؤخرًا إلى مستوى جديد، بعدما أعلنت إثيوبيا في الأول من أكتوبر 2026 إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا. وفي اليوم نفسه أعلنت إثيوبيا اعتبار دبلوماسي مصري شخصًا غير مرغوب فيه ومنحته 48 ساعة لمغادرة البلاد، وردت القاهرة بالمثل بإعلان مستشار بالسفارة الإثيوبية شخصًا غير مرغوب فيه ومنحه المهلة نفسها.
أما القانون الثالث، فهو أن مشروع عصب ليس جديدًا في جوهره.
فإثيوبيا فقدت البحر بعد استقلال إريتريا عام 1993، ومنذ ذلك الوقت ظلت مسألة الوصول إلى البحر تمثل بالنسبة إليها قضية استراتيجية، بينما أصبح آبي أحمد أكثر وضوحًا في التعبير عن أهمية الوصول إلى البحر الأحمر بالنسبة لبلاده.
وهنا نجد مصوع وعصب مرة أخرى في قلب المشهد، وهما موقعان ارتبطا منذ قرون بالحسابات المتعلقة بالسيطرة على البحر الأحمر.
نحن إذن أمام جغرافيا واحدة تقريبًا، وإن تغيرت الدول والأدوات والظروف.
البرتغال أرادت قبل أكثر من خمسمائة عام أن تضرب مصر من خلال النيل، وأن تسيطر على البحر الأحمر، وكانت الحبشة تبحث في الوقت نفسه عن تحالف مع البرتغاليين.
واليوم، أصبحت إثيوبيا تملك سد النهضة وتسعى إلى الوصول إلى البحر الأحمر، بينما تتحرك مصر لحماية مصالحها المائية والأمنية وبناء علاقاتها الإقليمية على هذا الأساس.
وهنا نعود إلى النقطة التي بدأنا منها: لماذا نعود دائمًا إلى التاريخ عندما نحاول فهم الحاضر واستشراف المستقبل؟
لأن ما يبدو لنا اليوم صراعًا جديدًا حول سد النهضة والموانئ والبحر الأحمر، له جذور أقدم بكثير، ولأن الجغرافيا التي صنعت حسابات ألبوكيرك قبل أكثر من خمسة قرون ما زالت تفرض نفسها على المشهد.
تغيرت الدول، وتبدلت التحالفات، وتطورت أدوات الصراع، لكن النيل والبحر الأحمر بقيا في قلب معادلة الأمن المصري.
ولهذا فإن دراسة الماضي ليست بحثًا عن أحداث انتهت، وإنما محاولة لفهم كيف تتشكل المصالح والصراعات، وكيف يمكن لفكرة ظهرت قبل قرون أن تعود إلى الواجهة في صورة جديدة.
وكما تعودت معكم دائمًا، لا أبحث في التاريخ عن الماضي فقط، وإنما أحاول من خلاله أن أفهم الحاضر، وأن أقرأ ملامح المستقبل.
فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يغير زيه العسكري فقط.



