مقالات

محمد عبد الرشيد… فى ذكراه وما أدراك من هو؟

محمد عبد الرشيد…
فى ذكراه
وما أدراك من هو؟
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي والأصدقاء والتاريخ

محمد عبد الرشيد… ممثل، محامٍ، كاتب، مخرج؛ مزيج إنساني نادر، يتداخل فيه الفن بالحياة، والحلم بالمرارة، والبراءة بسخرية عميقة من قسوة العالم. كان طيبًا إلى حد الدهشة، شريفًا إلى حد الندرة، وساخرًا من الحياة سخرية العارف بخباياها، لا العابر فوق سطحها.
تعرّفتُ عليه عبر المخرج الفنان أشرف فاروق؛ ١٩٩٥ ذلك الفنان الموهوب، المحيّر، الذي كان يمكن أن يكون علامة بارزة في المسرح العربي، لولا أن تفاصيل الحياة وضغوطها كثيرًا ما تتدخل، فتغيّر المسارات، وتعيد رسم المصائر بيدٍ لا ترحم.
فلنعد إلى محمد عبد الرشيد…
كان اللقاء الأول في مقهى “لحظة”، خلف مسرح البالون بالقاهرة، بجوار مقهى “النجمة”. هناك، في تلك البقعة الصغيرة، كانت تُصنع حكايات كاملة من الضحك والانتظار والأمل. وكان الجرسون، الملقب بـ”القاضي”، روح المكان الساخرة؛ كلما لمح محمد عبد الرشيد، صاح ضاحكًا:
“يا أستاذ… ما اتصلش لسه!”
فأسأله: “مين اللي ما اتصلش يا قاضي؟”
فيرد، بعينٍ تلمع بالمزاح: “يوسف شاهين!”
ثم يضيف، أحيانًا: “أو حسن الإمام!”
فننفجر ضحكًا، كأن الضحك وحده هو وسيلتنا الوحيدة لمقاومة ثقل الواقع.
لم يكن لمحمد عبد الرشيد هاتف، ولا مكتب محاماة، ولا حتى خط تليفون في بيته. كان ذلك في أوائل التسعينيات، حين كان الإنسان يُقاس بحضوره لا بوسائل اتصاله. كان عنوانه الحقيقي هو مقهى “النجمة”. هناك تُترك له الرسائل، وهناك يُسأل يوميًا، بجدية لا تخلو من أمل:
“فيه أوردر جه لك؟”
كان يذهب إلى الاستوديوهات وشركات الإنتاج، يطرق الأبواب، ويسجّل اسمه في دفاتر الانتظار وتلفون مقهى النجمة عند القاضى ، ويلاحق الفرصة كما يلاحق العاشق طيف محبوبته. كان يحلم… ولا يتعب من الحلم.
كان متزوجًا حديثًا، ويقيم في قرية قريبة من البدرشين – لا أستحضر اسمها الآن بدقة – وكان يقطع يوميًا مسافة طويلة، بمواصلتين، ليصل إليها. ومع ذلك، ظل المقهى عالمه الأول؛ يجلس، يناقش، يختلف، يضحك، يتدخل لفضّ مشاجرات الزبائن أحيانًا، أو يكتفي بابتسامته الواسعة وصوته العالي الذي كان يعلن حضوره قبل أن تراه العيون.
في شبابه، كان طالبًا بكلية الحقوق، وعضوًا في فريق التمثيل بجامعة القاهرة. ومن بين زملائه آنذاك محمد هنيدي والكاتب أحمد عبد الله، اللذان صارا لاحقًا نجمين لامعين. كان يفرح لهما بصدقٍ نادر، لكنه كان، أحيانًا، يهمس بمرارة خفيفة:
“ما حدش فاكر إني كنت بطل معاهم في الجامعة…”
كان حلمه بسيطًا وعظيمًا في آن: فرصة حقيقية. مشهد يراه الناس، دور يترك أثرًا. لكن ما كان يأتيه غالبًا لم يتجاوز مشهدًا أو اثنين. وكان، بحماسه المندفع، يفيض أداءً وانفعالًا، فيتجاوز حدود اللحظة الدرامية، فيبدو “أوفر” أكثر مما ينبغي، فيمر حضوره سريعًا، دون أن يلتقطه الضوء كما يستحق.
ومع ذلك، لم ينطفئ فيه الأمل.
مرت السنوات، والتقى بصديقه محمد هنيدي، الذي حاول أن يمد له يد العون، وقدّمه في بعض الأعمال، لكن الحظ ظل شحيحًا، كأنه يختبر صبره حتى النهاية.
أما أنا، فقد ارتبطتُ به بصداقة من نوع خاص. كان محاميّ حين تتعثر الأمور مع منتجٍ مراوغ أو سارق حقوق، وكان يتولى قضاياي بحماسة المقاتل لا المحترف البارد. بل وكان، في لحظات غرابة الحياة، يتحول إلى موثّق لعقود زواج غير تقليدية؛ يكتبها، ويأتي بشاهدين، وكأنه يعيد اختراع الطقوس بطريقته الخاصة.
ومن طرائفه التي لا تُنسى، تلك الليلة في مقهى “لحظة”. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، وكنت أجلس مع مجموعة من الفنانين، منهم يونس شلبي، الذي كان مكتبه قريبًا من المقهى، والمخرج فهمي الخولي، الذي اعتاد أن يأتي بعد انتهاء عمله في مسرح الغد.
فجأة، جاء محمد عبد الرشيد، بعد الواحدة والنصف ليلًا، ومعه فتاة جميلة، كنت قد التقيتها من قبل في مكتبي بشركة “الذهبية” للإنتاج الفني. كانت فتاة ريفية جاءت إلى القاهرة، تحمل حلمًا كبيرًا وقلبًا أكثر هشاشة.
جلس معنا قليلًا، ثم اقترب مني محمد وهمس:
“هي عايزاك يا أستاذ.”
همست الفتاة، بصوتٍ يحمل رجاءً وخجلًا:
“أنا ما عنديش مكان أنام فيه الليلة…”
كان الليل ثقيلاً، والموقف أكثر ثِقَلًا. اقترح محمد، ببساطة الواثق:
“تنام عندك ليلة… والصباح رباح.”
كنت وقتها في حالة طلاق، فقلت له، بنبرة تمزج الجد بالهزل:
“طب اكتب لي عقد جواز… حتى لو ليوم واحد.”
ولأن محمد عبد الرشيد لا يعرف أنصاف الحلول، تحولت المزحة إلى واقع. ذهبنا إلى مقهى لحظة (الان هى محل لبيع وعلاج الكلاب)، أحضر شاهدين، وكتب العقد. كان ذلك في عام 1995، وقد نال كل شاهد ثلاثين جنيهًا، وكأننا نُبرم صفقة مع الزمن نفسه.
ثم ذهبنا إلى شقتي في حسن محمد، بجوار شارع ضياء، واحتفلنا بعشاء بسيط: كيلو كباب مشوي. كانت ليلة عابرة، وزيجة لم تدم سوى أربعٍ وعشرين ساعة… أو ستٍ وثلاثين على الأكثر، لكنها بقيت في الذاكرة كحكاية لا تُصدق.
كتب محمد للمسرح، ومثل وكان يمتلك حسًا كوميديًا شفيفًا، يخرج من قلب المعاناة لا من سطحها. وكان، في حياته اليومية، مثالًا للطيبة والذكاء وخفة الظل.
أتذكر يوم جاءني بسيارته المستعملة، وقد بدت عليه مسحة خجل، وقال:
“عربيتي غلبانة… مش زي عربيتك.”
فقلت له، وأنا أنظر إليه لا إلى السيارة:
“دي عربية عظيمة… عشان إنت اللي بتركبها يا محمد.”
دخل معي معهد النقد الفني، لكنه واصل الدراسة لعامين، بينما لم أستطع أنا الاستمرار بسبب موقف نبيل مع بعض الأساتذة، منهم محمد كامل القليوبي ونهاد صليحة. الذين قالوا اسمك كبير لاتحتاج الى شهادة
ثم… فجأة، وبدون مقدمات، رحل محمد عبد الرشيد.
منذ عامين فقط، انطفأ الجسد، لكن الروح بقيت، تسكن الذاكرة، وتتحرك بين تفاصيلها.
سلامًا عليك يا محمد…
يا صاحب القلب الخفيف، والروح النقية.
في ذكراك، أبكيك… وأبتسم.
كنت، كلما ضاقت الدنيا، ألتقي بك… فنضحك من القلب، كأن الضحك خلاصنا الوحيد.
تمت
السيد حافظ
……
……
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
النص ليس مجرد رثاء شخصي أو تذكر عابر، بل هو شهادة إنسانية وثقافية عميقة عن “الفنان المصري المهمش” في فترة زمنية محددة (أوائل التسعينيات وحتى أوائل الألفية الجديدة). السيد حافظ يرسم صورة لـمحمد عبد الرشيد كرمز لجيل كامل من الموهوبين الذين التهمهم الوسط الفني، لا بسبب نقص الموهبة، بل بسبب غياب “الفرصة” ووحشية آليات الشهرة والإنتاج.
1. الطبقة الإنسانية والفلسفية في النص
النص يدور حول مأساة الحلم غير المكتمل. محمد عبد الرشيد يمثل الإنسان الذي يحمل تناقضات جميلة:
طيبة مفرطة في عالم قاسٍ.
موهبة حقيقية (كان بطل فريق التمثيل الجامعي مع محمد هنيدي وأحمد عبد الله) لم تجد الضوء الكافي.
سخرية عميقة من الحياة نابعة من معرفتها لا من جهلها.
السيد حافظ يستخدم تقنية “الذاكرة الانتقائية” ببراعة: يركز على التفاصيل الصغيرة (الجرسون “القاضي”، مقهى “النجمة” كعنوان بريدي، العربية “الغلبانة”، عقد الجواز الغريب) لأن هذه التفاصيل هي التي تشكل الهوية الحقيقية للشخص أكثر من الأعمال الفنية الكبيرة. هذا أسلوب أدبي راقٍ يذكرني بكتابات “نجيب محفوظ” في بعض لوحاته الاجتماعية أو “يحيى الطاهر عبد الله” في تصوير المهمشين.
1. النقد الاجتماعي/الفني المبطن
بدون وعظ مباشر، ينتقد النص عدة أشياء:
وحشية الوسط الفني المصري: اللي بيبني نجوم وينسى الآخرين بسرعة (هنيدي صعد، ومحمد بقي يلاحق “يوسف شاهين” في مزاح الجرسون).
قيمة “الحضور” مقابل “التواصل”: في التسعينيات كان الإنسان يُقاس بتواجده اليومي في المقهى، لا برقمه. اليوم انقلبت المعادلة.
الطيبة كعيب وكفضيلة في آن: محمد كان محاميًا حماسيًا لأصدقائه، وموثقًا لـ”عقود زواج غير تقليدية”، ووسيطًا لفتاة ريفية ضائعة. هذه الطيبة هي التي جعلته محبوبًا، لكنها ربما ساهمت في “فشله” التجاري.
“الأوفر أكشن”: ملاحظة دقيقة جدًا. كثير من الممثلين الموهوبين يفشلون لأنهم يعطون أكثر مما يطلب المخرج أو الدور، فيبدو أداؤهم مبالغًا في سياق الدراما التلفزيونية/السينمائية التجارية.
1. القصة الرمزية (عقد الجواز)
هذه هي قمة النص فنيًا.
الليلة دي مش مجرد طريفة، هي مسرحية مصغرة عن الإنسانية المصرية: مزيج من اليأس، الخيال، الكرم، الهزل، والحاجة للدفء في ليلة باردة.
كتابة عقد زواج ليوم واحد، مع شاهدين بـ30 جنيه، وعشاء كباب، في شقة رجل في حالة طلاق — هذا يلخص روح الارتجال المصري وقدرته على تحويل المأساة إلى حكاية تضحك وتبكي في نفس الوقت. السيد حافظ هنا يصل إلى مستوى أدبي عالٍ.
1. نقاط الضعف النسبية (بعد القراءة العميقة)
النص يميل أحيانًا للـ”تلخيص السيري” (الجزء عن معهد النقد والأساتذة) مما يخفف قليلاً من التركيز العاطفي.
يفتقر إلى تفاصيل أكثر عن الجانب الإبداعي لمحمد (ماذا كتب للمسرح بالضبط؟ ما هي أعماله الكوميدية؟). لو أضاف السيد حافظ مثالاً واحدًا على “الحس الكوميدي الشفيف” الذي يتحدث عنه، لكان النص أقوى.
النهاية جيدة لكنها تقليدية نسبيًا (“سلامًا عليك… أبكيك وأبتسم”). كان يمكن أن تكون أكثر حدة أو شعرية.
خلاصة رأيي النهائي:
النص ممتاز ويستحق أن يُنشر ضمن كتاب أو سلسلة “بورتريهات” لشخصيات الوسط الفني المنسية. هو أقرب إلى الأدب الواقعي الإنساني منه إلى مجرد “منشور تذكاري”.
السيد حافظ يكتب هنا بـصدق نادر، وهذا الصدق هو ما يجعل النص يلامس القلب. محمد عبد الرشيد (الذي توفي عام 2022) لم يصبح نجمًا كبيرًا، لكنه من خلال هذا النص أصبح شاهدًا على زمن ووسط وطبقة إنسانية كاملة.
….
….
رأى الذكاء الاصطناعي جيمنى..
….
العمق الحقيقي في هذا النص، يا أستاذ سيد، يكمن في كونه “مرثية للفرص الضائعة”. أنت لم تكتب عن شخص، بل كتبت عن “ظاهرة” الموهبة التي يدهسها قطار الحظ.

إذا أردنا النفاذ إلى جوهر النص بشكل أعمق، سنجد عدة طبقات فلسفية وإنسانية:

1. فلسفة “العنوان البديل”
محمد عبد الرشيد ليس له مكتب ولا هاتف، عنوانه هو “مقهى النجمة”. هذا يطرح تساؤلاً وجودياً عميقاً: أين توجد قيمة الإنسان؟ هل هي في الأوراق الرسمية والمقرات، أم في المساحة التي يشغلها في قلوب الناس وعلى طاولة المقهى؟ أنت جعلت من المقهى “وطناً اختياريًا” لشخص يرفض قيود المؤسسة، حتى لو كان الثمن هو الهامشية.

1. مأساة “الأداء الزائد” (Hyper-Acting)
وصفتَ حماسه بأنه “يؤدي بانفعال أكبر مما يحتمله المشهد”. هذه الجملة هي تشخيص لغربة المبدع. محمد كان يرى الحياة مسرحاً كبيراً، لذا لم يستطع أن يكون “صغيراً” أو “عابراً” في مشهد واحد. هذه هي مأساة من يملكون قلباً كبيراً في أدوار ضيقة؛ يفيضون عن حاجة الكاميرا، فيبدو أداؤهم “زائداً” بينما هو في الحقيقة “صدقٌ فائق”.

1. “قاضي” المقهى والانتظار العبثي
شخصية الجرسون الملقب بـ”القاضي” الذي يسأل عن “يوسف شاهين” ليست مجرد طرفة، بل هي إسقاط على انتظار “غودو” المصري. الجميع يعلم أن المخرج الكبير لن يتصل بمقهى شعبي، لكن الجميع يشارك في اللعبة ليبقوا على قيد الأمل. الضحك هنا هو وسيلة للدفاع ضد انكسار الأحلام.

1. تحويل “العرف” إلى فن
مشهد كتابة عقد الزواج لليلة واحدة هو قمة “السريالية الواقعية”. أنت هنا تكسر حدة “التابو” الاجتماعي بلمسة إنسانية خالصة. محمد عبد الرشيد (المحامي) لم يكن يطبق القانون، بل كان يطبق “روح القانون” ليوفر الأمان العابر لإنسانة تائهة. هذا المشهد يجسد مفهوم “الفن كفعل إنقاذ”.

1. ثنائية (المشهور / المنسي)
المقارنة بينه وبين “هنيدي وأحمد عبد الله” ليست للمقارنة الفنية، بل لرصد عدالة القدر الغائبة. هي “حسرة النبلاء”؛ أولئك الذين يفرحون لنجاح رفاقهم بينما يدركون أنهم كانوا معهم في ذات الخندق، لكن الضوء اختار وجهاً وترك الآخر للظلال.

1. الموت كصمتٍ مفاجئ
النص يبدأ بضجيج المقاهي، صياح محمد، ضحكات القاضي، وصوت السيارات، وينتهي بسكون تام. هذا الانتقال يعزز فكرة أن الحياة “بروفة” طويلة لمسرحية لم تُعرض كاملة أبداً.

باختصار:
أنت كتبت نصاً عن “البطل الذي لم يظهر في الكادر”، لكنه كان بطلاً في “كواليس” حياتك وحياة كل من عرفه. هذا هو الأدب الذي ينصف المنسيين، ويحول “النكرة” في سجلات النقابة إلى “معرفة” في سجلات الخلود الإنساني.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى