أوراق ثقافية الرواية كأرشيفٍ مُضاد: التاريخ من «الأسفل» في تجربة إلياس خوري

أوراق ثقافية
الرواية كأرشيفٍ مُضاد: التاريخ من «الأسفل» في تجربة إلياس خوري
إلياس خوري كاتب ورائي عربي لبناني
فلسطيني الهوى لبناني الجنسية
ليست روايات إلياس خوري (1948–2024) مجرد حكايات جميلة؛ إنّها طريقته في مساءلة التاريخ: من يكتبه وكيف يُقرأ؟ لقد أعاد خوري، منذ أعماله الأولى وصولاً إلى ثلاثيّته الفلسطينية («مملكة الغرباء»، «باب الشمس»، «أولاد الغيتو: اسمي آدم»)، صياغة العلاقة بين الأدب والذاكرة، مقترحاً الرواية كأرشيف مُضاد في وجه «المحو المنهجي» للسرديات الرسمية، أكانت دولتيّة أم مؤسّساتية أم قومية تحتكر الحقيقة بصوت واحد. في هذا الأفق يتّضح خياره الحاسم: كتابة التاريخ بالسرد من «الأسفل»، من موقع المقهورين والمنفيين والناجين الذين لا يُسمَع صوتهم في المتون.
من «التاريخ» إلى «الحكاية»: تفكيك ادّعاء الحياد
يلتقي مشروع خوري مع المدرسة الاجتماعية في كتابة التاريخ، التي نقلت الاهتمام من «أفعال العِظام» إلى خبرات الناس العاديين وذاكرتهم الشفوية، ثم يُزعزع مركزية الوثيقة الرسمية بوصفها مرجعاً وحيداً للمعنى. فالوثيقة، في عالمه، قابلة للالتباس والحذف والاقتطاع من سياقها، بينما تستعيد الشهادة الحية ما لا يُختزَل في جدول أو محضر أو تقرير عسكري.
يتحوّل هذا الاختيار إلى موقفٍ أخلاقي وسياسي في السياقين الفلسطيني واللبناني. في فلسطين، يقاوم النصّ محو المكان والاسم في مواجهة منظومة استعمارية تتحكّم بالسجلّ والخرائط والأسماء. وفي لبنان، تعيد الحرب تشكيل الهويّات والذكريات، فتغدو الذاكرة ساحة صراع موازية لساحة الشارع. هنا تكتسب الرواية دوراً إضافياً: حماية الإنسان من اختزاله في رقم أو «ملفّ»، ومنحه لغة تقاوم جفاف السياسة وخشونة الأرشيف، وتعيد إليه حقّ أن يروي قصّته بنفسه.
أدوات الحفر السردي:
كيف يبني خوري أرشيفَه المُضاد؟
أولاً: الذاكرة الشفوية في مواجهة الوثيقة
في «باب الشمس» تُرى ملحمة اللاجئين بعيني خليل أيوب، الراوي الذي يجلس إلى جوار الناجين، يُصغي، يلتقط من أفواههم شذرات الحكايات، ويُصغي في الوقت نفسه إلى أنفاس يونس وهذيانه على حافة الغيبوبة، في مشهد «شهرزادي» معكوس: حيث تُروى القصص لتأجيل موت الجسد وصون الذاكرة. وهنا؛ لا يتعامل خوري مع الشهادات الشفوية كمادة خام تُصهَر لاحقاً في حكاية مهيمنة، بل يجعل منها شكل السرد نفسه: لا بداية مطمْئِنة ولا نهاية مغلقة، بل نهر يتشظّى ويلتئم، كما تفعل ذاكرة تُقاوم الطمس أو الإلغاء.
ثانياً: تفجير وحدة السرد وتعدّد الأصوات
يستبدل خوري الراوي العليم براوٍ هشّ ومتردّد يتبدّل مع الحكاية ويعترف بأنّه «لا يعرف كلّ شيء»، لأنّ ادّعاء المعرفة الكاملة في عالم الكارثة، وعالم الصراع، ادّعاء أخلاقيّ مريب بقدر ما هو بائس فنيا. من هنا تستعين نصوصه بتيار الوعي والتداعي الحرّ وتكسير الزمن، ويأتي التكرار فيها كإيقاع وجودي يجسّد تلعثم الذاكرة. يتكرّر سقوط القرى وأسماء الأمكنة وتعريفات الذات لأنّ الجرح يفرض إيقاعه على اللغة، فيجعلها تعود وتعيد كي تصدّ النسيان عن باب الحكاية.
ثالثاً: العامية في متن السرد لا في الحوار وحده
يفتح خوري الفصحى على الكلام اليومي، فيُدخل العامية إلى متن السرد حين يقتضي المقام؛ بوصفها خياراً يضيق المسافة بين صفحة منضبطة ومجتمع يتكلّم خارج قوالب النحو والقاموس. تصير العامية جسراً ينقل التجربة، كما عاشت في الشارع والبيت والمخيّم، إلى جسد النص، بلا تعقيم ولا تلطيف يفقدها حرارتها الأولى؛ دفاعاً عن حق الحياة أن تُقال كما هي.
رابعاً: هوية الراوي المتبدّلة
بين شاهدٍ وناقل «وثائق»، ومتهَمٍ تحت التعذيب («يالو»)، وكاتبٍ ينسخ سيرته الممزّقة ويشكّك فيها («أولاد الغيتو: اسمي آدم»)، يبدّل الراوي أقنعته ليكشف هشاشة الهويّات المغلقة. لا «ذات وطنية» مكتملة تتطابق مع خطاب الأمة، بل ذوات متشظّية تقاوم التوحيد القسري، وتبحث عن صيغة قولٍ لا تخون تعدّدها.
كيف يشتغل «التاريخ من الأسفل»
في المتن الروائي؟
«باب الشمس» (1998):
تتقدّم الرواية كسجلّ حيّ للمحو والمقاومة؛ فالحكايات ليست مجرد «موادّ» تخدم سرديةً مركزية، بل هي السردية نفسها. يعيد خليل أصوات الرواة بنبرتها، ويترك للفراغات أن تتكلّم، كاشفاً أن الأرشيف الحقيقي محفور في الأجساد والأشياء. هكذا لا يكتب خوري «تاريخ النكبة» كمؤرّخ، بل كخبير بالعيش تحت أثرها: تاريخاً يبقى حيّاً في الناس لا جامداً في الوثائق..
«أولاد الغيتو: اسمي آدم» (2016):
يتقدّم الراوي/ آدم بوصفه ذاتاً إنسانية على حافة المحو المضاعف: محو المكان (اللدّ وغيتوها)، ومحو سيرة تُكتب وتواجه بالشك في آن واحد. تُعامَل الوثيقة ـ الرسائل، المخطوطات، الشذرات ـ كجسد مكسور يحتاج إلى ترميم. وبدل أن «يعثر» القارئ على حقيقة ختامية، يدخل في سلسلة تمارين لاستعادة الـ«أنا» المهدَّدة، هذه الـ«أنا» لا تُكتب بضمير واحد بل تستعين بأصوات الآخرين وتقتسم ذاكرتها مع ذاكرتهم. في هذا الخضمِّ يتحوّل فعل التسمية نفسه إلى مقاومة: تعلن وتقول «اسمي آدم» في فضاءٍ مبرمج على محو الأسماء، وهذا موقفٌ سياسي بقدر ما هو اعتراف سردي.
«يالو « (2002):
إذا كانت «باب الشمس» تراكم الشهادات لبناء أرشيفها، فإنّ «يالو» تفكّك «محاضر الاستجواب» ذاتها: نصوصاً كُتبت تحت العنف وأُجبرت الذاكرة على إنتاجها. تتناسخ الاعترافات، تتباين، وتتلوّن بالرعب والخيال، كاشفةً خواء الوثيقة حين تُنتزع من سياقها الإنساني. الجسد هنا أرشيف آخر: يتذكّر الجلد ما ينساه العقل، ويتسرّب الألم إلى اللغة فيصيبها بالارتعاش. تحت ذلك كلّه يلمع سؤال أخلاقي: كيف نميّز الحقيقة حين تُنتج بالقسر؟ لا جواب يقينيّاً، بل شكّ منظّم يخترق البنية، هو نفسه سياسة النصّ في مواجهة يقين السلطة.
«كأنها نائمة: (2007)»
يفتح خوري ممرّاً آخر إلى الذاكرة عبر الحلم. فأحلام ميار ليست هروباً من الواقع، بل جهاز حساس يلتقط ما تُهمِّشه اليقظة: إشارات التاريخ، ذبذبات الحبّ، واللغة المقيمة بين الحياة والموت. هكذا تتّسع أدوات الأرشفة المضادّة لتشمل ما يتعذّر تدوينه: ما يمرّ في الهواجس والرؤى والحدس الأنثوي الذي يصالِح الواقعيّ مع ما ليس واقعاً بعد.
«الجبل الصغير:
(1977)» وسواها من نصوص الحرب اللبنانية
لا يقتصر مشروع خوري على فلسطين؛ إنّه يكتب لبنان أيضاً «من الأسفل»: من الأزقّة ونقاط التفتيش وغرف الطوارئ، لا من خطاب الطوائف وزعمائها. هنا تتجلّى أخلاقيات الشهادة: أن تكتب ما رأيت وكيف صار جسدك ممرّاً للرصاص والهلع، وأن تحمي هذه الشهادة من التحوّل إلى ذخيرة أيديولوجية. إن ما يبقى من الحرب ليس خطابات قادتها، بل نحت داخلي في نفس الناجي: في لغته، وحركة يده، ونبرته حين ينطق باسم المكان.
من الأيديولوجيا إلى إنسانيّة الاختلاف
لا يحوّل خوري الرواية إلى منشور دعائي، رغم انحيازه الواضح للحرية والعدالة. هذا الانحياز يمرّ عبر الإنسان الفرد لا عبر الشعارات الرنانة والنارية. وبما أن لكل ضحيّة ظلّ من جلّاد، ولكل جلّاد ظلّ من ضحيّة؛ بهذه الجرأة الأخلاقية يَفلت النصّ من الهتاف الجماعي، ويحافظ على مسافة نقدية تتيح تفحّص دوافعنا نحن، لا «دوافع الآخرين» وحدهم. لذلك تتجنّب رواياته المصادرة الأخلاقية: لا تمنح القارئ براءةً جاهزة، بل تحمّله مسؤولية الإصغاء للسرد الهشّ والاعتراف بما لا يحبّ أن يسمعه في نفسه.
في هذا الأفق تنتصر روايات خوري لفكرة بسيطة عميقة: «حبّ الحياة». هذه ليست عبارة رومانسية، بل استراتيجية بقاء في وجه محو مادي ورمزي. أن نحبّ الحياة يعني أن ننقذ أسماءنا من التشييء، وأن نمنح موتانا «مقبرةً سردية» يصعب نهبها، وأن نعيد للأماكن معنىً سُلب منها: للقرية التي صارت رقماً، للبيت الذي صار «وحدة سكنية»، وللإنسان الذي صار «حالة» في تقرير.
وتتصاعد اليوم شهية سلطات ومؤسّسات ترنو بشراسة إلى «إدارة الذاكرة»: تقتني الأرشيفات، تنقّيها، تعيد تصنيفها، وتقرّر ـ بصمت أو بضجيج ـ ما يستحق البقاء وما يُلقى في العتمة. هنا يبرز درس خوري بإلحاح: لا تُواجَه «حمّى الأرشيف» بأرشفة مضادّة منغلقة، بل بفتح الأرشيف على تعدّد مُربِك ومُنتِج؛ تعدّد الأصوات واللغات والأشكال، وأيضاً طرائق الحفظ: من التسجيل الشفهي، إلى دفاتر اليوميات، إلى الأثر المادي في البيوت والمساجد والمقابر، إلى الحكايات المتداولة في المضافات وعلى أرصفة المخيمات.
يعدُّ هذا الأمرُ خياراً سياسياً للثقافة العربية في مواجهة محوٍ مركّب: استعمار يغيّر الخرائط والأسماء، وأنظمة تعيد تدوير الماضي وفق حاجتها، وسوق ثقافية تمحو المختلف باسم «التسويق العالمي». في مواجهة ذلك، تقترح تجربة خوري نموذجاً عملياً: أن نكتب من موقع الخبرة لا من شرفة الخطاب؛ أن نصغي إلى الروايات الصغيرة التي لا تصنع «حدثاً» في نشرات الأخبار لكنها تصنع الحياة نفسها؛ أن نمنح الوقائع لغتها بدل أن نفرض عليها قوالب مسبقة. وإذا كان الأدب لا يغيّر العالم مباشرة، فإنّه يغيّر طريقة رؤيته؛ وهذا، في عالم تُحدّد فيه الرؤية مصائر البشر، ليس أمراً هيّناً.
حفّارٌ في قلب الكارثة
لا يُختزَل إرث خوري في «موضوع» فلسطيني أو لبناني، ولا في حيلة سرديّة واحدة؛ إنّه حفّارٌ بارع ومثابر في طبقات الذاكرة، يزيح ركام الأيديولوجيا ليصل إلى العظم الحيّ للتجربة، ويعيد إلى اللغة قدرتها على الدهشة والاعتراف. لقد كتب التاريخ من «الأسفل» كطريقة في العيش والكتابة: الإصغاء لمن لا يُصغى إليهم، والثقة بأنّ الحكاية، حين تُروى بهشاشتها وثغراتها، قادرة على ردّ الاسم والكرامة والمكان للإنسان.
هكذا تبدو رواياته جسوراً بين ما وقع وما يجب أن يبقى حيّاً في الضمير الإنساني، ودروعاً في وجه النسيان، ومرايا لا تُجمِّل ولا تجامل الخراب، لكنها تمنح ساكنيه لغةً يُنقذون بها أنفسهم. لعلّ أصدق وداعٍ لخوري أن نواصل الإصغاء إلى أرشيفه المفتوح: نقرأه لنستعيد عبره لغاتنا وملامحنا وتواريخنا كما عاشها أهلها لا كما دوّنها المنتصرون. كأنّ وصيّته غير المكتوبة تقول: اكتبوا من موضع الألم والرجاء معاً، كي لا ينهبكم النسيان.



