عشرات العمال الفلسطينيين في حاوية نفايات سعيا وراء لقمة العيش.. وشرطة الاحتلال تنكّل بهم

عشرات العمال الفلسطينيين في حاوية نفايات سعيا وراء لقمة العيش.. وشرطة الاحتلال تنكّل بهم
كتب.. معتز فانوس
سادت حالة من الغضب العارم بين الفلسطينيين بعد المشاهد المأساوية التي أظهرت تنكيل قوات الاحتلال الإسرائيلي بمجموعة من العمال الفلسطينيين الذين كانوا يختبئون في شاحنة لنقل النفايات أملًا في الدخول إلى أماكن عملهم في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
وحمل الفيديو مشاهد قاسية أظهرت عمالًا، ما بين 40 و70 عاملًا فلسطينيًا، داخل شاحنة للنفايات بعد أن جرى إلقاء القبض عليهم على حاجز عسكري في شمال الضفة الغربية.
وعقبت الإعلامية ثروت أبو شقرا على مشاهد إلقاء القبض على العمال بالقول: “خلال ثماني دقائق خرج العمال جائعون معوزون من حاوية نفايات، ووضعنا جميعًا بداخلها، جميعًا دون استثناء…”.
وأضافت في منشور على صفحتها على “منصة ميتا”: “شاهدت الفيديو بدقائقه الثماني، صوت الجنود، الماء الذي خر من حاوية النفايات وابتعد عنه شرطي إسرائيلي كي لا يتلوث، تكدس العمال الذين اختبأوا في بطن الحاوية ظنًا منهم أنهم سيصلون إلى مكان يجدون فيه فرصة للعمل، استعراض الشرطة في اعتقال الجائعين، طريقة تصويرهم… تتفنن إسرائيل في نشر حالة من الإذلال الجماعي”.
واستهجن الأمين العام لـ”اتحاد نقابات عمال فلسطين” شاهر سعد الوحشية الكبيرة التي تعرض لها عشرات العمال أمس خلال محاولتهم العبور عبر أحد حواجز الاحتلال العسكرية من خلال شاحنة لنقل النفايات، وأظهرت التنكيل والضرب والاعتداء والإذلال الوحشي.
برسم منظمة العمل الدولية
وقال في حديث خاص لـ”القدس العربي”: “معاملة الإذلال والضرب المبرح التي تعرض لها أكثر من 70 عاملًا، ونقل نصفهم تقريبًا إلى المستشفيات وإصابتهم بكدمات ورضوض، تظهر حقيقة معاناة العمال المتفاقمة منذ ثلاث سنوات، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، الذي يمثل 40% من القوى العاملة، أي 550 ألف عاطل عن العمل”.
وأشار إلى أن الحاجة إلى البحث عن لقمة العيش هي التي تضطر العمال إلى المخاطرة ومحاولة الوصول إلى أماكن عملهم داخل أراضي عام 1948، إلى جانب أن كل عامل يدفع من 1200 إلى 1500 شيقل لنقله، وفي بعض الأحيان قد يعود دون العثور على مكان عمل.
وشدد على أن هذه القضية يجب أن تتولاها “منظمة العمل الدولية” التي يقع على عاتقها العمل على إرجاع العمال إلى أماكن عملهم.
وقال إن هناك صعوبة كبيرة في حل هذه المشكلة التي تتعلق بنحو 240 ألف عامل فلسطيني في الداخل المحتل، وقال إن إعادة تشغيل هؤلاء ودمجهم في سوق العمل الفلسطيني تتطلب نحو 20 سنة من العمل، وبالتالي نحن إزاء أعداد هائلة من العمال، ولا يمكن حلها بتوفير مساعدات طارئة.
وحمل إسرائيل المسؤولية الكاملة عما يجري بحق العمال، وقال إن عليها مسؤولية التشغيل، لكنها بدلًا من ذلك قامت بطردهم من دون وجه حق.
ورأى سعد أن على “منظمة العمل الدولية” رفع هذه القضية إلى “محكمة العدل الدولية” أو “مجلس الأمن” حتى تجري مناقشتها أمام العالم.
وأكد أن البدائل للعمال في ظل البطالة شحيحة جدًا، وأحيانًا معدومة، في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور، ومخاطر الاعتقال والإذلال والغرامات الباهظة واستغلال السماسرة.
وطالب سعد الاتحادات النقابية الدولية و”منظمة العمل الدولية” بالتحقيق في ظروف معاملة هؤلاء العمال، خاصة أن هناك بيانات موثقة حول طبيعة التعامل، التي آخرها، ولن تكون الأخيرة، قصة شاحنة النفايات.
وحول دور السلطة قال سعد إن المفارقة تقول إن الاتحاد قدم في أحيان مساعدات للموظفين الفلسطينيين في الجهاز الحكومي، وهو أمر حدث في ظل وضع السلطة المالي التي لم تقدم الرواتب كاملة لموظفيها منذ فترة طويلة.
وتابع: “المشهد بالعموم يقول إن الاحتلال وحكومته يريدان حل السلطة وهدمها، ولو كانت الحكومة في حال أفضل لكنت أول من ينزل إلى الميدان لمطالبتها بتقديم مساعدات للعمال الفلسطينيين”.
وأضاف: “الاحتلال يدفع المليارات من أجل قتلنا وتهجيرنا، وأيضًا يقتلنا من خلال منع العمال من العمل عبر منع مستحقاتهم وأموالهم التي تقدر بنحو 9 مليارات دولار أميركي على شكل رواتب على الجهات الإسرائيلية”.
معاملة بوصفهم دون البشر
بدوره وصف المستشار القانوني لـ”نقابة العمال العرب” في الناصرة، وهبة بدارنة، تعامل إسرائيل مع العمال الفلسطينيين بأنه يتم على أساس أنهم ليسوا بشرًا، فهو يقوم باعتقالهم بغض النظر عن المنطقة التي يوجدون فيها أو أي ملابسات أخرى، حيث يجري جلبهم إلى القاضي في “محكمة الصلح” حيث تفرض غرامة مالية كبيرة ويفرض نوع من السجن الفعلي مع وقف التنفيذ”.
وحول الإجراءات المختلفة التي يتعرض لها العمال تابع في حديث مع “القدس العربي”: “فترة السجن تتراوح بين ستة أشهر إلى سنة. أما إذا تبين أن أحد العمال اعتقل في مرة سابقة على ذات التهمة فإنه يفرض السجن الفعلي لمدة سنتين وغرامة مالية، أما العامل الذي يجري إلقاء القبض عليه ولديه أقارب متهمون بمخالفة أمنية فإنه يتم مضاعفة فترة الحكم بالسجن الفعلي”.
وأضاف بدارنة: “نحن إزاء أنظمة عنصرية بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر، وكلها تطورت إلى الأسوأ”.
ووصف دولة الاحتلال بأنها تعيش “في نشوة الانتقام”، وبالتالي “نحن لا نستغرب الشراسة في التنكيل بالعمال”.
وطرح بدارنة أسئلة على الجهات الفلسطينية المختلفة: “ماذا فعلنا كفلسطينيين للعمال؟ لماذا يضطر العامل إلى دفن نفسه في حاوية نفايات كي يدخل للعمل في الداخل المحتل؟ ماذا عملت المؤسسات والأحزاب والقيادات؟ لماذا لا يكون هناك برنامج نضالي ووطني لحماية العمال؟
ليس خبرا عابرا
وعقب الأكاديمي عدنان ملحم قائلًا: “لم يكن الخبر عابرًا، ولا يجوز له أن يمر كأي خبر. أربعون إنسانًا… أب، أخ، زوج، وابن… حشروا داخل شاحنة قمامة، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يعملوا ويعيشوا. هناك، عند أحد المعابر قرب مدينة قلقيلية، لم يعتقلوا لأنهم مجرمون، بل لأنهم فقراء”.
وأضاف في حديث مع “القدس العربي”: “المشهد كما هو، بلا تجميل: أجساد متلاصقة في صندوق حديدي صدئ، هواء ثقيل مشبع بروائح العفن، وبقايا نفايات تلتصق بالملابس والجلد. أنفاس متقطعة، وقلوب تخفق بين الخوف والرجاء، ورجال يطوون كرامتهم كما طووا أجسادهم… كي يعبروا. أي زمن هذا الذي يجبر الإنسان أن يمر عبر القمامة ليصل إلى لقمة خبز؟”.
واتهم ملحم الجهات الرسمية بالصمت الثقيل، وقال إن الحركة الوطنية والسياسية “لم تر في معاناة العمال قضية تستحق الفعل، وتركتهم يواجهون الجوع وحدهم، كأنهم فائض بشري لا ضرورة له. نقابات عمال هياكل بلا روح، ممالك من ورق، مناصب وامتيازات وخطابات؛ يداس العامل، ولا تجد لهم أثرًا، ولا تسمع لهم صوتًا. ورأس مال فلسطيني لا تأكله النيران، لا يعنيه المشهد من قريب أو بعيد”.
وقال ملحم إن المأساة مزدوجة: “احتلال يغلق الأبواب، ويخنق الاقتصاد، ويلاحق الإنسان حتى في بحثه عن رزقه، وواقع داخلي عاجز يرفع الشعارات ويترك الناس يسقطون. وبين هذا وذاك، يترك العامل الفلسطيني أمام خيارين: إما بطالة تقتله ببطء، أو مخاطرة قد تقتله بسرعة”.
وأضاف: “السؤال لم يعد: لماذا فعلوا ذلك؟ بل: لماذا لم يجدوا خيارًا آخر؟ وجع هؤلاء ليس خبرًا يقرأ، بل امتحان لإنسانيتنا جميعًا. الشعور بالألم عليهم واجب، والوقوف معهم واجب، وأن نكون صوتهم واجب”.
هذه مرآة وطن
وختم قائلًا: “هذه ليست حاوية قمامة، بل مرآة لوطن تهان فيه الكرامة، وواقع يجبر الإنسان أن يختار بين الجوع والذل. وإن لم تتحول هذه اللحظة إلى صرخة وعي، ومراجعة حقيقية، وفعل يغير هذا المسار، فستبقى الكرامة الفلسطينية عالقة بين حاجز عسكري… وشاحنة نفايات”.
واستحضر فلسطينيون رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني “رجال في الشمس”، حيث عقب الناشط شداد عبد الحق على المشهد بأنه “حتى غسان كنفاني لم يرسم هذه الصورة في أكثر خيالاته تشاؤمًا.. وضع ثلاثة منا فقط في صهريج ماء خاوٍ.. ولم يجرؤ عقله أن يتخيل أربعين في سيارة نفايات”.
وأضاف: “لقد كتب غسان “رجال في الشمس” حول ثلاثة فلسطينيين حاولوا العبور في صهريج ماء فارغ.. فماتوا وماتت أحلامهم لأنهم لم يقرعوا جدران الخزان.. فرماهم أبو الخيزران في الصحراء جثثًا هامدة..”.
وتساءل الإعلامي أسامة عبد الله في منشور على صفحته قائلًا: “من المسؤول؟ أهو الفقر؟ أم الخذلان؟ أم نحن… حين اعتدنا المشهد حتى لم نعد نرتجف له؟”.
وأضاف: “هذا ليس خبرًا عابرًا… هذا عامل أرهقه الضيق حتى دفعه أن يتسلل بحثًا عن لقمة عيش داخل حاويات جمع النفايات، أيعقل هذا؟ ليست الحكاية هنا لتوجيه اللوم إلى جهة بعينها، بل لمواجهة صورة قاسية تكشف إلى أين يمكن أن يصل الإنسان حين تضيق به السبل. ما نراه ليس تفصيلًا هامشيًا في يوم مزدحم بالأخبار، بل مشهد يهز الضمير… إن بقي فيه ما يهتز. إنه واقع يختبر إنسانيتنا جميعًا، فإما أن نراه ونتجاوزه كأن شيئًا لم يكن، أو أن نتوقف لحظة”.
أما الناشطة الثقافية فاتن فرحات فنشرت منشورًا على صفحتها على “منصة ميتا” قالت فيه: “لو في حكومة زي البشر والناس.. بتستقيل اليوم”.
وكتب الناشط الحقوقي عيسى عمرو أن صورة العمال وهم يحاولون التهريب في حاوية القمامة مؤلمة جدًا، “ولكن شو اللي دفعك على المر؟ هو الأمر منه”.
وأضاف: “قيادة عمالية فاشلة وقيادة غير قادرة على إيجاد البدائل، ونحن مثل الأيتام على موائد اللئام”.
وتساءل: “هل توجد حلول للعمال في ظل الأزمة؟ نعم، ممكن يكون هناك خطط بناء اقتصاد الحرية لفلسطين ويكون مستقلًا ومبنيًا على الإنتاج”.
أما الخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور فعقب على المشاهد قائلًا: “كي ينهار مجتمع وتسقط منظومته وتفشل قياداته، تكفي صورة واحدة”.
وأضاف: “ونحن لدينا: صور الأسرى وإذلالهم وموتهم. صور امتهان المقدسات والمسجد الأقصى. صور الأوبئة والجوع والموت في غزة. صور الحواجز وانعدام الأمن. صور البطالة، وسرقة الأرض، واعتداءات المستوطنين”.
وتابع منصور: “أيتها القيادة الفاشلة: استقيلوا. لقد استنفدتم زمنكم وفرصكم وخلفتم لنا ما يكفي من الفساد والخراب والهوان، هذا ما يحدث لشعبكم بسببكم. لقد تركتم شعبكم يواجه الذل والجوع والحصار والسجن وحده. شعب كريم مناضل يهان ويجوع، بينما أنتم تعيشون في عالم موازٍ”.
وختم قائلًا: “هذه الصورة للعمال الذين يجري تهريبهم للعمل في إسرائيل داخل حاوية قمامة، من أجل لقمة عيشهم، هي وصمة عار على جبين كل مسؤول فلسطيني، سياسيًا كان أم حزبيًا أم نقابيًا”.




