إيران وأمريكا بعد رفض المقترح: إلى أين تتجه المنطقة وماذا يعني ذلك لمصر؟

إيران وأمريكا بعد رفض المقترح: إلى أين تتجه المنطقة وماذا يعني ذلك لمصر؟
بقلم / محمد إبراهيم ربيع منسق العلاقات العامة بوكالة ايسك نيوز
بداية عام 2026 عاد الملف الإيراني ليفرض نفسه بقوة على طاولة السياسة الدولية، بعد أن تقدمت طهران بمقترح جديد عبر الوساطة العُمانية. تضمن المقترح تجميد التخصيب النووي عند نسبة 60%، مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيراني، مع تقديم ضمانات أمريكية بعدم الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي. كما شمل بنودًا تتعلق بوقف التصعيد في البحر الأحمر، وإتمام صفقة لتبادل السجناء، والدخول في حوار إقليمي تشارك فيه المملكة العربية السعودية.
لم تستغرق واشنطن وقتًا طويلًا قبل أن تعلن رفضها الكامل للمقترح. الرفض لم يكن مبنيًا على تفاصيل فنية، بل على حسابات سياسية واضحة. فالإدارة الأمريكية ترى أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيكًا كاملًا للبنية التحتية النووية الإيرانية لن يحل الأزمة، بل سيؤجلها فقط. كما أن الداخل الأمريكي غير مهيأ سياسيًا لتقديم تنازلات لطهران في سنة انتخابية حساسة، حيث يُنظر إلى أي تفاهم مع إيران على أنه ضعف سيُستغل من الخصوم. أما العامل الثالث فهو إقليمي بامتياز: بعد الهجمات التي طالت منشآت الطاقة في الخليج خلال مارس 2026، باتت العواصم الخليجية تطالب واشنطن بموقف حازم. قبول مقترح لا يتضمن مكاسب أمنية حقيقية للرياض وأبوظبي سيُفهم على أنه تراجع في الالتزام الأمريكي بأمن الخليج.
من جانبها، لم تكن إيران تتوقع قبول المقترح بالكامل. تقديمه كان خطوة محسوبة لتحقيق عدة أهداف في وقت واحد. أولًا، إظهار طهران بمظهر الطرف المبادر للحل أمام المجتمع الدولي، وتحميل واشنطن مسؤولية فشل المسار الدبلوماسي. ثانيًا، كسب مزيد من الوقت لمواصلة تطوير البرنامج النووي والصاروخي دون ضغوط عسكرية مباشرة. ثالثًا، تعميق الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذين يتطلعون إلى عودة النفط الإيراني لتخفيف أزمة الطاقة. رابعًا، توجيه رسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن النظام يسعى لرفع العقوبات، لكن التعنت الأمريكي هو العائق.
في مواجهة هذا المشهد، تتبنى مصر سياسة تقوم على التوازن الدقيق. فهي تؤكد أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وتقدم نفسها كشريك ردع موثوق يملك القدرات العسكرية والخبرة. زيارة الرئيس المصري إلى الإمارات وقطر في ذروة الأزمة، والمناورات العسكرية المتقدمة التي أجرتها القوات المسلحة، كلها رسائل بأن القاهرة لن تسمح بتهديد الملاحة أو استقرار الخليج. في الوقت ذاته، تمارس مصر دور الوسيط الهادئ، فتنقل لطهران أن أي تصعيد في الخليج سيضر بمصالح الجميع ، وتطالب واشنطن بضبط إيقاع التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب.
المشهد خلال الأشهر القادمة مفتوح على عدة احتمالات. الاحتمال الأرجح هو استمرار حالة “حافة الهاوية المنضبطة”، حيث لا تصل الأمور إلى حرب شاملة ولا يتم التوصل إلى اتفاق. في هذه الحالة ستبقى المنطقة في توتر مستمر، مع ضربات محدودة وعقوبات متبادلة، وستظل أسعار الطاقة مرتفعة. هذا الوضع يمنح مصر دورًا سياسيًا كوسيط إقليمي. الاحتمال الثاني هو التوصل إلى تفاهم غير معلن تقوم إيران بموجبه بتجميد التصعيد مؤقتًا، وتغض واشنطن الطرف عن قدر محدود من صادرات النفط الإيراني. هذا السيناريو سيمنح الأسواق هدوءًا نسبيًا ويسمح بتدفق الاستثمارات الخليجية . أما الاحتمال الثالث، والأخطر، فهو وقوع مواجهة عسكرية مباشرة نتيجة خطأ في الحسابات، كأن تقدم إسرائيل على ضربة منفردة، فترد إيران باستهداف القواعد الأمريكية ومنشآت النفط الخليجية. هذا السيناريو يعني إغلاقًا لمضيق هرمز ، و الدخول في اذمة اقتصادية محتملة حول العالم لم تحدث من قبل .
رغم المخاطر، تملك مصر فرصًا حقيقية وسط هذه الأزمة. فالحاجة الخليجية إلى منظومات دفاع جوي متقدمة وخبرات عسكرية تفتح الباب أمام شراكة استراتيجية يكون لمصر فيها دور محوري. كما أن أي اضطراب في إمدادات النفط الخليجي يعزز من أهمية الغاز المصري كبديل للأسواق الأوروبية. والأهم أن تراجع الدور الأمريكي النسبي يخلق فراغًا يمكن لمحور القاهرة-الرياض-أبوظبي أن يملأه، ويعيد لمصر جزءًا من ثقلها الإقليمي التاريخي.
إن جوهر المعادلة المصرية اليوم هو: لا نريد حربًا ، والمطلوب هو حماية الاقتصاد والممرات المائية بأقل كلفة ممكنة. إذا نجحت الدبلوماسية المصرية في تثبيت قواعد الاشتباك الحالية ومنع الانزلاق، فإن القاهرة ستخرج من هذه الأزمة بمكانة إقليمية أقوى. أما إذا فُرضت الحرب، فسيكون الثمن باهظًا على الجميع، لكن إعادة ترتيب المنطقة بعدها لن تتم دون دور مصري رئيس.
السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل نمتلك خطة واضحة للتعامل مع أسوأ السيناريوهات؟ وهل نبني اليوم تحالفات الردع التي قد نحتاجها غدًا، قبل أن تُفرض علينا الظروف؟




