سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.
أما هو، فالصندوق الأبيض.
صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.
ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..
وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.
.
ارْتِدَاءُ الحُلْمِ
.
. حين يصبح الحذاء عالمًا، بين خطوةٍ وأخرى، مسافة تكفي لميلاد وطن، ويتشكّل الحلم
أصبح اهتمامه بالحفاظ على سر أبيه مع فتاة الكمان عبئاً ثقيلاً عليه، يدفعه دفعاً إلى حنين جارف لحضن أبيه، شعر بقشعريرة تسري في جسده، فأصبح الخروج من الغرفة أمراً ملحاً، تحرك ببطء ليستعيد توازنه، فإذا بحذاء أبيه الذي لم يراه منذ وفاته ملقى على الأرض على غير العادة، لقد بحث عن هذا الحذاء كثيرا ولم يجده، كأن يداً خفية أخفته، وفي الوقت المناسب وضعته عمداً في طريقه، من أجل هدف ما، تفحص الحذاء مستغربا، تأوه؛ فله معه وهو صغير حكايات وذكريات محفورة في وجدانه، وحلم طفولة كان يصبو فيه إلى رجولة مبكرة.
اختطفه حذاء الأب إلى ذكريات تمثل له متعة خاصة، فمن منا ليس له مع حذاء أبيه أو أمه حكايات مضحكة في صغره؟!
كان يتربص لأبيه عند الباب في كل مساء، فيراه يعود متعبا مرهقا، يخلع حذاءه الجلدي الكبير ويتنهد، الحذاء كان بمثابة بئرا له، وكان هو فيه كدلوا صغيرا يظن أنه سينتشل ما به من رجولة، يجره في الأرض ” جرا”، فيضحك كل من في البيت، كأنهم في عرض مسرحي فتتملكه شجاعة الطفولة المتهورة، خطوتين… ويسقط، لكنه يسقط ضاحكا، لأنه كان يدرك أن السقوط في حذاء الأب ليس سقوطاً، بل هو أول درس في طريق الرجولة.
ونحن صغار، كنا نظن أننا حين نملأ الحذاء، سنملأ مكان الأب، لم نكن نعلم أن الحذاء كان ثقيلاً لا بكبره، بل بما حمله من طرقات طويلة قطعها ليعود إلينا آخر اليوم منهكا، كبرنا، وعرفنا، وحين لبسنا أحذيتنا نحن، وجدنا أقدامنا ترتجف، ففهمنا لماذا كان الأب يبتسم كلما رآنا نتعثر في حذائنا، ولم يغضب منا أبداً.
ألست معي، في أن تلك الأحذية الواسعة كانت أول وطن سكنّاه… قبل أن نكتشف أن الوطن الحقيقي كان القدم التي تمشي فيه من أجلنا.
تذكر مشهدا ذات يوم مع حذاء أبيه، حيث طرحه الحذاء ارضا، هزمه بلمس الاكتاف، فأعلن استسلامه، وإذ به يسمع ضحكات أبيه، كأنها آتية من عالم آخر، فينهض أبوه مسرعا ليختطفه إلى حضنه، ما زال ينظر إلى الحذاء شذرا، انتبهت ساعة الحائط لنظراته، وهو مستغرق في استرجاع ذكرياته مع الحذاء، وبينما هو كذلك، أعادت الساعة الزمن إلى الخلف، فيجهش الطفل بالبكاء رغبةً في ارتدائه والسير به، فإذا به يعود ذاك الطفل الذي يستمتع بارتداء حذاء أبيه الكبير، كان الحذاء أكبر من قدميه بمرتين، وأكبر من قلبه بمرتين، تذكر كيف كان يتسلل إلى الغرفة وأبوه نائم، وفي خفية يلبس الحذاء الثقيل ويجرجره على الأرض، يقلد مشية الرجل الصارم الذي كان أبوه يدّعيه.
حين يرتدي الحذاء، يتملكه الضحك، فيستيقظ أبوه، يراه، فيبتسم ابتسامة الطيبة تلك… ثم يخفيها بسرعة، كأنه ضُبط متلبساً بضعف، الآن وهو جالس على الأرض، والحذاء أمامه، فهم، فهم أن أباه لم يكن يخفي الابتسامة عنه، بل كان يخفيها عن فتاة الكمان، كأنها تراه من اللوحة، وتعايره: “انظر، هذا هو الرجل الذي قتلته بيدي”، قشعريرة البرد زادت في جسد الأب، لكنها لم تكن برد الغرفة، كانت برد الوحدة التي ورثها.
برد الكفوف الطيبة التي لم تحضن أحداً كما يجب، لكنه مد يده ولمس حذاء الأب، كان بارداً، ميتاً، تماماً كالسر، رفع الحذاء، وضمه إلى صدره كمن يضم جثة، همس:
“سامحني يا أبي… أنا أود أن أكون كبيرا مثلك، لكن الآن فقط عرفت، أنني كنت أريد أن تبقى صغيرا معي.
التفت إلى اللوحة، فتاة الكمان رفعت رأسها هذه المرة، لم تعد مطأطئة.
نظرت إليه مباشرة، ولأول مرة… ابتسمت.
ابتسامة باهتة، من أثر فرشاة الزيت، لكنها حقيقية، وقالت بصوت لم يسمعه أحد سواه:
“البس الحذاء يا بني، ولكن امشِي به في طريقك أنت لا طريق أبيك…
وفي تلك اللحظة، دقت ساعة الحائط دقة واحدة.
لم تكن دقة وقت.
كانت دقة قرار.
نهض.
ولبس الحذاء.
ولم يتعثر.
لأن قدمه، فجأة، صارت على مقاسه.
وفي تلك اللحظة، لا يبدو ما حدث مجرد طفل يرتدي حذاءً أكبر منه، بل يبدو كمن يرتدي حُلمًا كاملًا؛ حُلمًا يتعثر في الخطوات، لكنه يثبت في القلب، حيث يُصبح الحبّ هو المقاس الوحيد الذي لا يضيق أبدًا.
كل خطوةٍ عنده مغامرة، وكل تعثّرٍ ضحكةٌ مؤجّلة، ذلك الحذاء الذي يعيق قدميه في الصغر، يوسّع في داخله مساحة الحلم؛ فالمحبّة حين تكون صافية تُحوّل حتى الثقل إلى لعبة، وحتى العجز إلى احتفالٍ صامت، وفي براءته غير المحسوبة، يبدو الطفل كأنه لا يقلّد والده فقط، بل يحاول أن يلمس العالم بطريقته، أن يقول إن الحبّ يمكن أن يُرتدى كما تُرتدى الأشياء الكبيرة التي نكبر إليها لا التي نُولد فيها.
إنها لحظة قصيرة، لكنها مكثّفة بالمعنى: طفلٌ صغير، وحذاءٌ كبير، وفرحٌ لا يعرف لماذا وُجد، لكنه يفيض لأنه وُجد فقط.
يستدعي مشهد شاهده في نفس اليوم، حيث تتكاثف الحركة كأنها لا تسير في فضاء واقعي فقط، بل في ذاكرة مرتبكة تبحث عن توازنها، رأى طفل يمرّ ممسكًا بيد أمه المسرعة، لكنه لا يملك من السرعة إلا ارتباكها، فيسقط كما تسقط البراءة حين تُجرّ أكثر مما تُفهم، ليس السقوط هنا جسديًا فحسب، بل هو انزياح رمزي عن الأمان، عن الإيقاع الطبيعي للعالم.
وفي لحظة السقوط، لا يتبعثر الجسد وحده، بل يتصدّع الإحساس الهشّ بالاتزان الذي كان يتكوّن بصعوبة، هنا، تتباطأ اليد التي كانت تمسكه، كأن الزمن نفسه تردد للحظة قبل أن يستوعب ما حدث، ثم يعود كل شيء إلى حقيقته القاسية: طفلٌ صغير في عالمٍ أسرع من فهمه، وأمٌّ مثقلة بخوفٍ لا وقت له أن يُقال.
ينهض الطفل بعد ثوانٍ قصيرة، أطول من عمر الألم في داخله، وينفض عن ثيابه غبار الطريق كأنه ينفض عن روحه ارتباك اللحظة. لا يبكي كثيرًا، كما كان هو يبكي حين يسقط بفعل حذاء ابيه، كأن البراءة حين تُجرح لا تجد لغةً كاملة للبكاء، فتكتفي بنظرةٍ تبحث عن الطمأنينة في وجه الأم، عن تفسيرٍ بسيط لهذا العالم الذي يختبر خطواته الأولى بهذا القدر من السرعة.
ما زال المشهد يسيطر عليه، فيتبادل الوضع مع الطفل، الأم التي تجرّه لا تبدو قاسية بقدر ما تبدو مأخوذة بوجهة لا تلتفت، وكأن الطريق أقوى من العاطفة، وكأن الوصول أهم من يسقط في الطريق، أما الطفل، فتبقى عيناه متشبثتين بوجه “المسنّة”، وكأن هذا الوجه هو آخر خيط يربطه بالحنان أو بالمعنى، أو ربما هو وجه الزمن نفسه الذي بدأ يتكشف له باكرًا.
ثم ينقلب النص إلى الداخل، إلى فضاء أكثر تجريدًا: “يجمع كل المشاهد التي عاشها في الغرفة ويلقي بها خارج الزمن”. هنا يتحول الوعي إلى كائن يحاول التخلّص من ذاكرته، كأنه يريد أن ينجو من ثقل التجربة لا أن يفهمها. إنها لحظة انفصال عن الزمن، عن التسلسل، عن المنطق، حيث تصبح الذكريات أشياء يمكن رميها، لا أحداثًا تتراكم.
يمكن أن يُستكمَل هذا التحوّل في صورة أكثر حدّة: كأن الوعي، بعد أن أنهكه حمل التفاصيل، لم يعد يسعى إلى ترتيبها أو تأويلها، بل إلى تفكيكها تمامًا، إلى محوها كشرطٍ لبقائه. فلا يعود الماضي سجلًا يُستعاد، بل عبئًا يُقذف خارج الذات كما تُقذف الأشياء التي فقدت ضرورتها، في محاولة يائسة لاستعادة خفةٍ لم تكن موجودة أصلًا إلا بوصفها وهمًا عابرًا في لحظة إدراك متأخر.
ولا يبقى في النهاية سوى صورة الفتاة “عازفة الكمان”، كأنها رمز للثبات وسط هذا التبعثر. تُحفظ في “مكتوب”، وتُعنون “بـ ثورة الشك”.
وهنا تبلغ الفقرة ذروتها: الشك ليس مجرد حالة ذهنية، بل ثورة كاملة على المعنى المستقر، على اليقين الذي لم يعد صالحًا، كأن النص كله يقول: إن العالم حين يختلّ في أبسط مشاهده، يصبح السؤال هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، وأن اخراج ” فتاة الكمان ” لسانها له عبر اللوحة ما هو إلا رسالة لها مغزى.




