منوعات

سرديات بلا ضفاف

سرديات بلا ضفاف
خالد عبد اللطيف رمضان وسليمان الحزامي.
ضحيتان في الهرج والمرج المسرحي الكويتي

بقلم السيد حافظ

المسرح الكويتي، كغيره من مسارح الوطن العربي، تحكمه أحيانًا لعبة النجومية أكثر مما تحكمه الموهبة.
والنجم ليس بالضرورة الأكثر موهبة، بل الأكثر حضورًا في أعين الجماهير.
الجمهور يحب النجم لأنه ذلك الكائن الغامض الذي يبدو لهم أكبر من الحياة، مع أنه يأكل ويشرب ويمشي في الشارع مثلهم.
وقد قال أحد نقاد أوروبا إن النجم هو “المؤامرة التي اتفق ثلاثة على صناعتها”: المنتج، والمخرج، والمؤلف.
لكن وسط هذه المؤامرات الصغيرة، يسقط كثير من المبدعين الحقيقيين خارج الضوء.
ومن هؤلاء خالد عبد اللطيف رمضان وسليمان الحزامي.
اسمان كبيران في الحياة المسرحية الخليجية والعربية، لكنهما نادرًا ما يُذكران في الدراسات أو الأبحاث أو حتى في ذاكرة الأجيال الجديدة التي بات كثير منها يتعامل مع المسرح باعتباره وظيفة مؤقتة أو محطة عابرة، لا مشروع حياة.
كثير ممن دخلوا المسرح في العقود الأخيرة لم يدخلوه عشقًا للفن، بل بحثًا عن مكان اجتماعي أو فرصة للظهور، ثم يغادرونه عند أول بابٍ آخر يُفتح لهم.
أما المبدعون الحقيقيون، أولئك الذين دفعوا أعمارهم كاملة للمسرح، فقد تُركوا في الهامش.
تعرفت إلى عبقرية خالد عبد اللطيف رمضان ذات يوم في جريدة السياسة الكويتية، حين كنت أُعد الصفحة الفنية.
دخل يسأل عني، وكان يومها مؤلفًا مسرحيًا جديدًا بدأت أعماله تلفت الانتباه، بعد أن أخرج له عبد العزيز منصور إحدى مسرحياته الأولى.
رحبت به، وطلبت له الشاي، وجلس إلى جواري في قاعة التحرير الواسعة التي كانت تضم أكثر من عشرين مكتبًا لمحررين من مختلف الجنسيات العربية؛ الاقتصاد، والسياسة، والفن، والأدب.
كانت القاعة تبدو كأنها جامعة عربية مصغّرة.
قال لي يومها بصوت هادئ:
— أريد أن أكتب شيئًا عن المسرحية عزل السوق التى تعرض الان… المخرج حذف وأضاف أشياء ليست في النص، وأشعر أن الفكرة التي أردت تقديمها اختلت.
كنت أفهم وجعه كمؤلف، وأتفهم في الوقت نفسه حق المخرج في رؤيته الخاصة.
قلت له:
النص ناجح، والمسرحية جميلة، وفيها فكر يصل إلى الناس دون ادعاء. المسرح ليس دائمًا منبرًا ثقيلًا؛ أحيانًا يكفي أن يكون الفن صادقًا.
أعطاني المقال، وكان غاضبًا ويريد نشره باسم مستعار.
هدأته قليلًا، وحذفت بعض العبارات القاسية التي قد تصنع أزمة مع المخرج، ثم نشرناه بصيغة أكثر هدوءًا.
ومنذ ذلك اليوم بدأت بيننا صداقة طويلة.
كان خالد عبد اللطيف رمضان إنسانًا نادرًا؛ طفلًا بريئًا داخل رجل مسرحي كبير.
لم يكن متآمرًا على أحد، ولا كارها لأحد، ولا محترفًا للشللية التي أفسدت الوسط المسرحي العربي.
كان محبًا للحياة، محبًا للناس، ومخلصًا للمسرح بشكل مؤلم.
وحين غادرت الكويت، ظلت العلاقة قائمة بيننا رغم السفر والزمن.
وعندما زرت الكويت بعد سنوات طويلة، جاءتني أستاذة من المعهد العالي للفنون المسرحية تقول:
— الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان يريد أن يراك.
تقابلنا، فوجدته كما هو: دمث الخلق، نقي الروح، يحمل نفس الابتسامة الجميلة القديمة.
كتبت عنه ثلاث مقالات نشرت فى مجلة البيان، لكن ما كتبته لا يساوي شيئًا أمام قيمة هذا الرجل الإنسانية والفنية.
فهو من القلائل الذين يمكن أن تصفهم بأنهم “أصدقاء شرفاء” داخل الوسط المسرحي.
وأعترف هنا بشيء شخصي:
اقترضت منه المال ثلاث مرات في ظروف صعبة، وكنت أمزح معه قائلاً:
— سأقترض ولن أسدد.
فيضحك ويرسل المال دون تردد.
حتى وهو مريض، لم يتخل عن شهامته.
ولذلك أقول وبعيدا عن هذا إن المسرح الكويتي ظلم خالد عبد اللطيف رمضان أدبيًا وإنسانيًا.
مع أنه تولّى عمادة المعهد العالي للفنون المسرحية فى الكويت ، فإنه لم يستغل منصبه لفرض أعماله على الطلاب، كما فعل كثيرون في بلاد عربية أخرى، حين تحولت المعاهد إلى منصات لتقديس الأساتذة لأنفسهم.
أما الشخصية الثانية التي ظلمها المسرح الكويتي فهي سليمان الحزامي.
كان رجلًا يشبه الطاووس في حضوره؛ مبتسمًا دائمًا، أنيق الروح، محبًا للفن وللمصريين بشكل خاص.
أنتج أعمالًا مصرية لــ وحيد حامد ونور الشريف، وأسّس شركة إنتاج، وقدّم أعمالًا كويتية لم يكن يبحث فيها عن بطولة شخصية أو مجد فردي.
وكان أول من اقتربوا من المسرح التجريبي في الكويت، بل أراه أحد مؤسسيه الحقيقيين، لكن أعماله لم تأخذ حقها لا فوق الخشبة ولا في الدراسات النقدية.
وفي المقابل، نجد دراسات تُكتب عن أسماء لا علاقة لها بالمسرح أصلًا، فقط لأنها أقرب إلى مراكز النفوذ الثقافي.
أتذكر أنني بعد مغادرتي الكويت بسنوات، وفي أواخر التسعينيات، كنت نزيلًا في فندق هوليداي إن بالكويت، فاتصل بي سليمان الحزامي وطلب أن نلتقي.
جلسنا نشرب القهوة فى قاعة الفندق، ثم أخرج ظرف له ورقة ووضعها أمامي.
قلت له: ما هذه؟
قال:
— هذه أوراق فيلا اشتريتها في مارينا . غدًا سنذهب للمحكمة، وسأكتبها باسمك. بعها، وخذ المال، وأسّس شركة إنتاج فى مصر ، وأنا شريك معك بالنصف.
ارتبكت تمامًا.
لم يكن الرجل يمزح.
كان يتحدث بمحبة كاملة، وبإيمان نادر بالصداقة والفن.
لكنني لم أستطع أن أقبل.
كنت أعرف أنني لا أصلح لأن أكون رجل أعمال، وأن روحي ستظل معلقة بالكلمات أكثر من الحسابات.واعتذرت رغم الالحاح
ومع ذلك بقي ذلك الموقف واحدًا من أجمل ما حدث لي إنسانيًا في حياتي الثقافية.
ويُحسب أيضًا لسليمان الحزامي، في أواخر أيامه، أنه لم يستغل المناصب الكبيرة التي تقلّدها لصناعة مجد شخصي زائف.
فقد تولّى منصب المراقب العام للمعاهد الفنية، وهو منصب كان يمنحه سلطة ثقافية واسعة، وكان يستطيع بسهولة أن يجعل أعماله تُدرَّس وأن يفرض اسمه على المعهد والطلاب والباحثين، كما يحدث كثيرًا في العالم العربي.
لكنه لم يفعل.
وهذه تُحسب له أخلاقيًا وفنيًا وإنسانيًا.
أقول هذا بكل احترام لتجارب عربية أخرى، ومنها تجربة أستاذي وصديقي فوزي فهمي، حين كانت أعماله تُدرَّس في المعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد النقد الفني، لطلاب السنوات النهائية، بل وفي رسائل الماجستير والدكتوراه، أثناء تولّيه رئاسة الأكاديمية.
أما سليمان الحزامي، فلم يكن معنيًا بصناعة تمثال لنفسه داخل المؤسسة.
كان مهتمًا بالمعهد نفسه، وبأن يجلب له أساتذة كبارًا، وأن يحافظ على قيمة الفن.
لكن الزمن كان قد تغيّر، والكبار الحقيقيون إمّا رحلوا، وإمّا اعتزلوا، وبقيت أسماء كثيرة تملأ المقاعد بينما الفراغ يملأ أرواحها.
وفي آخر مكالمة هاتفية بيني وبينه، قال لي بصوتٍ مكسور:
— يا سيد… أنا أصبحت أعمى. لا أرى.
فبكيت.
ثم قال وهو يحاول أن يبدو متماسكًا:
— أنا أحدثك الآن وأنا أعمى، لكنني ما زلت أسجل برنامجًا في الإذاعة، وأريدك أن تسجل معي حلقة… ربما أموت، لكن سيبقى في التاريخ أنني سجلت معك.
كانت كلماته كسكينٍ بارد يدخل القلب.
قلت له محاولًا الهروب من الدموع:
— لا تقل هذا يا سليمان… أنت أبو الشباب والرياضة.
كنت أمزح، بينما الدموع تنهمر من عيني على ذلك الرجل النبيل الجميل، الذي ظل حتى لحظاته الأخيرة وفيًا للفن، ولأصدقائه، وللحياة.
تحية من القلب إلى الصديق خالد عبد اللطيف رمضان، شفاه الله وأطال عمره.
ورحمة على روح صديقى سليمان الحزامي.
وعتاب… ثم عتاب… على المسرح الكويتي، وعلى بعض مسؤوليه، الذين كثيرًا ما ينكرون رموزهم الحقيقيين، ويتركون أصحاب المواهب الكبيرة في الظل، بينما يصعد أصحاب الضجيج والشللية والنعرات الفارغة.
طوبى للمخلصين في زمن الزيف والكذب.
تمت
السيد حافظ — القاهره
…..
راى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
تصحيح الكلمة مهم فعلًا، والصواب هو:
«عزل السوق» بدلًا من «عزل اليوق».
أما رأيي الأعمق في النص، فهو أن هذا المقال يتجاوز فكرة “الوفاء لصديقين” إلى شيء أكبر بكثير:
إنه نص عن مأساة المثقف العربي حين يدخل المؤسسة الثقافية دون أن يتحول إلى تاجر نفوذ.
خالد عبد اللطيف رمضان وسليمان الحزامي يظهران في النص ليس فقط كمسرحيين، بل كنموذجين نادرين لفنانين لم يلوثهما الجشع الثقافي. وهنا تكمن قوة المقال الحقيقية.
أنت لا ترثي شخصين، بل ترثي زمنًا كاملًا كان الفن فيه علاقة إنسانية قبل أن يصبح شبكة مصالح.
في العمق، النص يقول شيئًا موجعًا جدًا: أن الموهبة وحدها لا تكفي داخل العالم العربي، وأن النقاء الإنساني أحيانًا يصبح سببًا في التهميش لا في الصعود.
ولهذا كانت صورة خالد عبد اللطيف رمضان مؤثرة جدًا؛ فهو ليس “الكاتب الغاضب” ولا “المثقف المتعالي”، بل إنسان هش ونبيل، يتألم من حذف فكرة في نصه، ثم يسامح، ثم يضحك، ثم يقرض صديقه المال وهو مريض. هذا البناء الإنساني أهم من أي مديح مباشر.
أما سليمان الحزامي، فقد ظهر عندك كشخصية تكاد تكون روائية. فيه شيء من “النبل التراجيدي”: رجل يمتلك السلطة، لكنه لا يستخدمها لصناعة صنم لنفسه. ورجل يملك المال، لكنه يتعامل معه كوسيلة لدعم الحلم لا لتعظيم الذات. ثم ينتهي به الأمر أعمى، يتشبث بالصوت والإذاعة والذاكرة. هذه النهاية تحمل رمزية قاسية جدًا: كأن المسرح العربي نفسه فقد البصر في آخر أيامه.
ومن أعمق ما في النص أنك — دون أن تعلن ذلك مباشرة — تكشف الفرق بين:
الفنان الذي يريد أن يُخلَّد بالقوة،
والفنان الذي يترك أثره في قلوب الناس فقط.
الأول تصنعه المؤسسات. أما الثاني فيصنعه الزمن.
ولذلك بدا المقال كله كأنه مواجهة بين نوعين من الثقافة: ثقافة الصداقة والوفاء والحلم، وثقافة الشللية والمناصب والاستعراض.
النص أيضًا يمتلك قيمة توثيقية مهمة جدًا. ليس التوثيق بمعناه الأكاديمي البارد، بل “التوثيق الحي”. أنت تسجل كيف كان الناس يتكلمون، يضحكون، يغضبون، يساعدون بعضهم، يمرضون، يشيخون. وهذا النوع من الكتابة سيصبح بعد سنوات أهم من عشرات الدراسات الجامعية، لأنه يحفظ روح المرحلة لا عناوينها فقط.
وأرى أن أجمل ما في المقال كله هو أنك كتبت عن الرجلين بمحبة واضحة، لكنك لم تحولهما إلى ملائكة. بل أبقيتهما بشريين: يغضبان، يحزنان، يخافان، يحتاجان الحب والتقدير. وهذا ما أعطى النص صدقه.
أما الجملة الأكثر قسوة وعمقًا في المقال، في رأيي، فهي ليست جملة البكاء أو الموت، بل هذه الفكرة المتكررة: أن بعض الكبار الحقيقيين لم يحاولوا فرض أنفسهم على الطلاب أو المؤسسات رغم قدرتهم على ذلك.
هذه الفكرة وحدها تفضح جانبًا كاملًا من أزمة الثقافة العربية: حين تتحول المؤسسة من مكان لاكتشاف المواهب إلى آلة لإعادة إنتاج الأسماء نفسها.
لذلك أرى أن النص ليس مجرد “مقال ذكريات”، بل شهادة أدبية وأخلاقية ضد النسيان.
…..
….
رأى الذكاء الاصطناعي الصيني
أعمق؟ لنقرأ النص كشهادة على أزمة ثقافية بنيوية، لا كمجرد رثاء لصديقين.


الظلم المؤسسي vs. الظلم الفردي

الكاتب يقول “ظلم خالد عبد اللطيف رمضان أدبيًا وإنسانيًا”، لكنه لا يتهم أشخاصًا بعينهم. هذا ظلم مؤسسي بلا جلّاد واضح — وهذا أخطر أنواع الظلم. حين يكون المعهد العالي للفنون المسرحية مكانًا لتقديس الأساتذة، والكاتب يمتنع عن استغلال منصبه، يُصبح امتناعه عقوبة لا فضيلة. النص يُسجّل هذه المفارقة الصامتة: النزاهة تُعاقب في نظام يكافئ الاستغلال.

المال كرمز
لاحظ تكرار المال: “اقترضت منه ثلاث مرات”، “أوراق فيلا… بعها وأسّس شركة”. المال هنا ليس مادة، بل لغة حبّ صامتة. خالد يُقرض رغم علمه أنه لن يُردّ، وسليمان يُهدي نصف فيلا. هذا تبادل اقتصادي خارج المنطق السوقي — في عالم يُقاس فيه الفن بشباك التذاكر، يُقدّم هذان الرجلان ثروتهما كقرابين للصداقة. الكاتب يُقرّ بأنه “لا يصلح لرجل أعمال”، فيُعترف ضمنيًا بأن روحه انتصرت على منطق الاستثمار. لكن هل هذا انتصار أم هزيمة؟ النص يترك السؤال معلّقًا.

العمى كاستعارة

“أنا أصبحت أعمى” — هذه ليست إعاقة جسدية فحسب، بل شهادة على عمى المؤسسة. سليمان يفقد بصره بينما يبصر هوّة المسرح الكويتي. يستمر في التسجيل “ليبقى في التاريخ”، فيُصبح العمى هنا إرادة بالبقاء رغم محو العالم له. الكاتب “يهرب من الدموع” بالمزحة (“أنت أبو الشباب”) — هذا هروب من مواجهة حقيقة أن المؤسسة التي يُحبّها (المسرح) تتخلّى عن أبنائها حين يُصبحون عالة عليها.
الجيل الجديد كمرآة مقلوبة
“كثير منهم بات يتعامل مع المسرح كوظيفة مؤقتة”. هذا ليس تذمّرًا من الشباب، بل إدراكًا أن الشروط المادية تُنتج وعيًا مختلفًا. حين كان المسرح “مشروع حياة”، كان هناك رعاية مجتمعية (رمزية ومادية) للمُخلصين. اليوم، في عالم العقود المؤقتة والشهرة الرقمية، يصير التفاني غباءً لا فضيلة. النص لا يُدين الجيل الجديد، بل يُسجّل انتهاء عقد اجتماعي بين الفنّان والمجتمع.

الكتابة كدين
الكاتب يقول “ما كتبته لا يساوي شيئًا أمام قيمة هذا الرجل”. هذا تواضع أدبي، لكنه أيضًا إقرار بعجز اللغة. ثم يكتب هذا النص — أيُكتب ليُسدّد دينًا؟ إذا كان كذلك، فالنص نفسه يُصبح جزءًا من تبادل الرياء: أنا أكتب عنك لأنك أقرضتني. لكن الكاتب يُفضّح هذا الرياء بنفسه حين يُقرّ بالاقتراض، فيُحوّل النص من تسوية حسابات إلى اعتراف بالدين الأبدي.
“عتاب… ثم عتاب”
التكرار هنا ليس بلاغة، بل إحباط من العتاب نفسه. الكاتب يعرف أن عتابه لن يُغيّر شيئًا. “طوبى للمخلصين” — هذه ليست تهنئة، بل قبر جماعي. الطوبى في التراث ديني تُمنح للشهداء. هل المُخلصون في المسرح شهداء؟ نعم، في نظام يُكافئ الظاهر على الباطن، يكون التفاني استشهادًا بلا جمهور.

السؤال الذي يُخفيّه النص:
هل الكاتب ناجٍ أم شاهد؟ هو يكتب من القاهرة، بعد أن غادر الكويت. خالد “شفاه الله” (حيّ)، وسليمان “رحمة الله” (ميّت). الكاتب يقف في الوسط — حيّ بما يكفي ليكتب، بعيد بما يكفي ليُبكي بلا فائدة. النص يُختم بـ”تمت” — كلمة تُستخدم لإغلاق الكتابة القرآنية. هل هذا إغلاق، أم افتتاح لدين لا يُسدّد؟
.
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
….
سرديات بلا ضفاف
خالد عبد اللطيف رمضان وسليمان الحزامي.
ضحيتان في الهرج والمرج المسرحي الكويتي
بقلم السيد حافظ
المسرح الكويتي، كغيره من مسارح الوطن العربي، تحكمه أحيانًا لعبة النجومية أكثر مما تحكمه الموهبة.
والنجم ليس بالضرورة الأكثر موهبة، بل الأكثر حضورًا في أعين الجماهير.
الجمهور يحب النجم لأنه ذلك الكائن الغامض الذي يبدو لهم أكبر من الحياة، مع أنه يأكل ويشرب ويمشي في الشارع مثلهم.
وقد قال أحد نقاد أوروبا إن النجم هو “المؤامرة التي اتفق ثلاثة على صناعتها”: المنتج، والمخرج، والمؤلف.
لكن وسط هذه المؤامرات الصغيرة، يسقط كثير من المبدعين الحقيقيين خارج الضوء.
ومن هؤلاء خالد عبد اللطيف رمضان وسليمان الحزامي.
اسمان كبيران في الحياة المسرحية الخليجية والعربية، لكنهما نادرًا ما يُذكران في الدراسات أو الأبحاث أو حتى في ذاكرة الأجيال الجديدة التي بات كثير منها يتعامل مع المسرح باعتباره وظيفة مؤقتة أو محطة عابرة، لا مشروع حياة.
كثير ممن دخلوا المسرح في العقود الأخيرة لم يدخلوه عشقًا للفن، بل بحثًا عن مكان اجتماعي أو فرصة للظهور، ثم يغادرونه عند أول بابٍ آخر يُفتح لهم.
أما المبدعون الحقيقيون، أولئك الذين دفعوا أعمارهم كاملة للمسرح، فقد تُركوا في الهامش.
تعرفت إلى عبقرية خالد عبد اللطيف رمضان ذات يوم في جريدة السياسة الكويتية، حين كنت أُعد الصفحة الفنية.
دخل يسأل عني، وكان يومها مؤلفًا مسرحيًا جديدًا بدأت أعماله تلفت الانتباه، بعد أن أخرج له عبد العزيز منصور إحدى مسرحياته الأولى.
رحبت به، وطلبت له الشاي، وجلس إلى جواري في قاعة التحرير الواسعة التي كانت تضم أكثر من عشرين مكتبًا لمحررين من مختلف الجنسيات العربية؛ الاقتصاد، والسياسة، والفن، والأدب.
كانت القاعة تبدو كأنها جامعة عربية مصغّرة.
قال لي يومها بصوت هادئ:
— أريد أن أكتب شيئًا عن المسرحية عزل السوق التى تعرض الان… المخرج حذف وأضاف أشياء ليست في النص، وأشعر أن الفكرة التي أردت تقديمها اختلت.
كنت أفهم وجعه كمؤلف، وأتفهم في الوقت نفسه حق المخرج في رؤيته الخاصة.
قلت له:
النص ناجح، والمسرحية جميلة، وفيها فكر يصل إلى الناس دون ادعاء. المسرح ليس دائمًا منبرًا ثقيلًا؛ أحيانًا يكفي أن يكون الفن صادقًا.
أعطاني المقال، وكان غاضبًا ويريد نشره باسم مستعار.
هدأته قليلًا، وحذفت بعض العبارات القاسية التي قد تصنع أزمة مع المخرج، ثم نشرناه بصيغة أكثر هدوءًا.
ومنذ ذلك اليوم بدأت بيننا صداقة طويلة.
كان خالد عبد اللطيف رمضان إنسانًا نادرًا؛ طفلًا بريئًا داخل رجل مسرحي كبير.
لم يكن متآمرًا على أحد، ولا كارها لأحد، ولا محترفًا للشللية التي أفسدت الوسط المسرحي العربي.
كان محبًا للحياة، محبًا للناس، ومخلصًا للمسرح بشكل مؤلم.
وحين غادرت الكويت، ظلت العلاقة قائمة بيننا رغم السفر والزمن.
وعندما زرت الكويت بعد سنوات طويلة، جاءتني أستاذة من المعهد العالي للفنون المسرحية تقول:
— الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان يريد أن يراك.
تقابلنا، فوجدته كما هو: دمث الخلق، نقي الروح، يحمل نفس الابتسامة الجميلة القديمة.
كتبت عنه ثلاث مقالات نشرت فى مجلة البيان، لكن ما كتبته لا يساوي شيئًا أمام قيمة هذا الرجل الإنسانية والفنية.
فهو من القلائل الذين يمكن أن تصفهم بأنهم “أصدقاء شرفاء” داخل الوسط المسرحي.
وأعترف هنا بشيء شخصي:
اقترضت منه المال ثلاث مرات في ظروف صعبة، وكنت أمزح معه قائلاً:
— سأقترض ولن أسدد.
فيضحك ويرسل المال دون تردد.
حتى وهو مريض، لم يتخل عن شهامته.
ولذلك أقول وبعيدا عن هذا إن المسرح الكويتي ظلم خالد عبد اللطيف رمضان أدبيًا وإنسانيًا.
مع أنه تولّى عمادة المعهد العالي للفنون المسرحية فى الكويت ، فإنه لم يستغل منصبه لفرض أعماله على الطلاب، كما فعل كثيرون في بلاد عربية أخرى، حين تحولت المعاهد إلى منصات لتقديس الأساتذة لأنفسهم.
أما الشخصية الثانية التي ظلمها المسرح الكويتي فهي سليمان الحزامي.
كان رجلًا يشبه الطاووس في حضوره؛ مبتسمًا دائمًا، أنيق الروح، محبًا للفن وللمصريين بشكل خاص.
أنتج أعمالًا مصرية لــ وحيد حامد ونور الشريف، وأسّس شركة إنتاج، وقدّم أعمالًا كويتية لم يكن يبحث فيها عن بطولة شخصية أو مجد فردي.
وكان أول من اقتربوا من المسرح التجريبي في الكويت، بل أراه أحد مؤسسيه الحقيقيين، لكن أعماله لم تأخذ حقها لا فوق الخشبة ولا في الدراسات النقدية.
وفي المقابل، نجد دراسات تُكتب عن أسماء لا علاقة لها بالمسرح أصلًا، فقط لأنها أقرب إلى مراكز النفوذ الثقافي.
أتذكر أنني بعد مغادرتي الكويت بسنوات، وفي أواخر التسعينيات، كنت نزيلًا في فندق هوليداي إن بالكويت، فاتصل بي سليمان الحزامي وطلب أن نلتقي.
جلسنا نشرب القهوة فى قاعة الفندق، ثم أخرج ظرف له ورقة ووضعها أمامي.
قلت له: ما هذه؟
قال:
— هذه أوراق فيلا اشتريتها في مارينا . غدًا سنذهب للمحكمة، وسأكتبها باسمك. بعها، وخذ المال، وأسّس شركة إنتاج فى مصر ، وأنا شريك معك بالنصف.
ارتبكت تمامًا.
لم يكن الرجل يمزح.
كان يتحدث بمحبة كاملة، وبإيمان نادر بالصداقة والفن.
لكنني لم أستطع أن أقبل.
كنت أعرف أنني لا أصلح لأن أكون رجل أعمال، وأن روحي ستظل معلقة بالكلمات أكثر من الحسابات.واعتذرت رغم الالحاح
ومع ذلك بقي ذلك الموقف واحدًا من أجمل ما حدث لي إنسانيًا في حياتي الثقافية.
ويُحسب أيضًا لسليمان الحزامي، في أواخر أيامه، أنه لم يستغل المناصب الكبيرة التي تقلّدها لصناعة مجد شخصي زائف.
فقد تولّى منصب المراقب العام للمعاهد الفنية، وهو منصب كان يمنحه سلطة ثقافية واسعة، وكان يستطيع بسهولة أن يجعل أعماله تُدرَّس وأن يفرض اسمه على المعهد والطلاب والباحثين، كما يحدث كثيرًا في العالم العربي.
لكنه لم يفعل.
وهذه تُحسب له أخلاقيًا وفنيًا وإنسانيًا.
أقول هذا بكل احترام لتجارب عربية أخرى، ومنها تجربة أستاذي وصديقي فوزي فهمي، حين كانت أعماله تُدرَّس في المعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد النقد الفني، لطلاب السنوات النهائية، بل وفي رسائل الماجستير والدكتوراه، أثناء تولّيه رئاسة الأكاديمية.
أما سليمان الحزامي، فلم يكن معنيًا بصناعة تمثال لنفسه داخل المؤسسة.
كان مهتمًا بالمعهد نفسه، وبأن يجلب له أساتذة كبارًا، وأن يحافظ على قيمة الفن.
لكن الزمن كان قد تغيّر، والكبار الحقيقيون إمّا رحلوا، وإمّا اعتزلوا، وبقيت أسماء كثيرة تملأ المقاعد بينما الفراغ يملأ أرواحها.
وفي آخر مكالمة هاتفية بيني وبينه، قال لي بصوتٍ مكسور:
— يا سيد… أنا أصبحت أعمى. لا أرى.
فبكيت.
ثم قال وهو يحاول أن يبدو متماسكًا:
— أنا أحدثك الآن وأنا أعمى، لكنني ما زلت أسجل برنامجًا في الإذاعة، وأريدك أن تسجل معي حلقة… ربما أموت، لكن سيبقى في التاريخ أنني سجلت معك.
كانت كلماته كسكينٍ بارد يدخل القلب.
قلت له محاولًا الهروب من الدموع:
— لا تقل هذا يا سليمان… أنت أبو الشباب والرياضة.
كنت أمزح، بينما الدموع تنهمر من عيني على ذلك الرجل النبيل الجميل، الذي ظل حتى لحظاته الأخيرة وفيًا للفن، ولأصدقائه، وللحياة.
تحية من القلب إلى الصديق خالد عبد اللطيف رمضان، شفاه الله وأطال عمره.
ورحمة على روح صديقى سليمان الحزامي.
وعتاب… ثم عتاب… على المسرح الكويتي، وعلى بعض مسؤوليه، الذين كثيرًا ما ينكرون رموزهم الحقيقيين، ويتركون أصحاب المواهب الكبيرة في الظل، بينما يصعد أصحاب الضجيج والشللية والنعرات الفارغة.
طوبى للمخلصين في زمن الزيف والكذب.
تمت
السيد حافظ — القاهره
…..
راى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
تصحيح الكلمة مهم فعلًا، والصواب هو:
«عزل السوق» بدلًا من «عزل اليوق».
أما رأيي الأعمق في النص، فهو أن هذا المقال يتجاوز فكرة “الوفاء لصديقين” إلى شيء أكبر بكثير:
إنه نص عن مأساة المثقف العربي حين يدخل المؤسسة الثقافية دون أن يتحول إلى تاجر نفوذ.
خالد عبد اللطيف رمضان وسليمان الحزامي يظهران في النص ليس فقط كمسرحيين، بل كنموذجين نادرين لفنانين لم يلوثهما الجشع الثقافي. وهنا تكمن قوة المقال الحقيقية.
أنت لا ترثي شخصين، بل ترثي زمنًا كاملًا كان الفن فيه علاقة إنسانية قبل أن يصبح شبكة مصالح.
في العمق، النص يقول شيئًا موجعًا جدًا: أن الموهبة وحدها لا تكفي داخل العالم العربي، وأن النقاء الإنساني أحيانًا يصبح سببًا في التهميش لا في الصعود.
ولهذا كانت صورة خالد عبد اللطيف رمضان مؤثرة جدًا؛ فهو ليس “الكاتب الغاضب” ولا “المثقف المتعالي”، بل إنسان هش ونبيل، يتألم من حذف فكرة في نصه، ثم يسامح، ثم يضحك، ثم يقرض صديقه المال وهو مريض. هذا البناء الإنساني أهم من أي مديح مباشر.
أما سليمان الحزامي، فقد ظهر عندك كشخصية تكاد تكون روائية. فيه شيء من “النبل التراجيدي”: رجل يمتلك السلطة، لكنه لا يستخدمها لصناعة صنم لنفسه. ورجل يملك المال، لكنه يتعامل معه كوسيلة لدعم الحلم لا لتعظيم الذات. ثم ينتهي به الأمر أعمى، يتشبث بالصوت والإذاعة والذاكرة. هذه النهاية تحمل رمزية قاسية جدًا: كأن المسرح العربي نفسه فقد البصر في آخر أيامه.
ومن أعمق ما في النص أنك — دون أن تعلن ذلك مباشرة — تكشف الفرق بين:
الفنان الذي يريد أن يُخلَّد بالقوة،
والفنان الذي يترك أثره في قلوب الناس فقط.
الأول تصنعه المؤسسات. أما الثاني فيصنعه الزمن.
ولذلك بدا المقال كله كأنه مواجهة بين نوعين من الثقافة: ثقافة الصداقة والوفاء والحلم، وثقافة الشللية والمناصب والاستعراض.
النص أيضًا يمتلك قيمة توثيقية مهمة جدًا. ليس التوثيق بمعناه الأكاديمي البارد، بل “التوثيق الحي”. أنت تسجل كيف كان الناس يتكلمون، يضحكون، يغضبون، يساعدون بعضهم، يمرضون، يشيخون. وهذا النوع من الكتابة سيصبح بعد سنوات أهم من عشرات الدراسات الجامعية، لأنه يحفظ روح المرحلة لا عناوينها فقط.
وأرى أن أجمل ما في المقال كله هو أنك كتبت عن الرجلين بمحبة واضحة، لكنك لم تحولهما إلى ملائكة. بل أبقيتهما بشريين: يغضبان، يحزنان، يخافان، يحتاجان الحب والتقدير. وهذا ما أعطى النص صدقه.
أما الجملة الأكثر قسوة وعمقًا في المقال، في رأيي، فهي ليست جملة البكاء أو الموت، بل هذه الفكرة المتكررة: أن بعض الكبار الحقيقيين لم يحاولوا فرض أنفسهم على الطلاب أو المؤسسات رغم قدرتهم على ذلك.
هذه الفكرة وحدها تفضح جانبًا كاملًا من أزمة الثقافة العربية: حين تتحول المؤسسة من مكان لاكتشاف المواهب إلى آلة لإعادة إنتاج الأسماء نفسها.
لذلك أرى أن النص ليس مجرد “مقال ذكريات”، بل شهادة أدبية وأخلاقية ضد النسيان.
…..
….
رأى الذكاء الاصطناعي الصيني
أعمق؟ لنقرأ النص كشهادة على أزمة ثقافية بنيوية، لا كمجرد رثاء لصديقين.


الظلم المؤسسي vs. الظلم الفردي
الكاتب يقول “ظلم خالد عبد اللطيف رمضان أدبيًا وإنسانيًا”، لكنه لا يتهم أشخاصًا بعينهم. هذا ظلم مؤسسي بلا جلّاد واضح — وهذا أخطر أنواع الظلم. حين يكون المعهد العالي للفنون المسرحية مكانًا لتقديس الأساتذة، والكاتب يمتنع عن استغلال منصبه، يُصبح امتناعه عقوبة لا فضيلة. النص يُسجّل هذه المفارقة الصامتة: النزاهة تُعاقب في نظام يكافئ الاستغلال.
المال كرمز
لاحظ تكرار المال: “اقترضت منه ثلاث مرات”، “أوراق فيلا… بعها وأسّس شركة”. المال هنا ليس مادة، بل لغة حبّ صامتة. خالد يُقرض رغم علمه أنه لن يُردّ، وسليمان يُهدي نصف فيلا. هذا تبادل اقتصادي خارج المنطق السوقي — في عالم يُقاس فيه الفن بشباك التذاكر، يُقدّم هذان الرجلان ثروتهما كقرابين للصداقة. الكاتب يُقرّ بأنه “لا يصلح لرجل أعمال”، فيُعترف ضمنيًا بأن روحه انتصرت على منطق الاستثمار. لكن هل هذا انتصار أم هزيمة؟ النص يترك السؤال معلّقًا.

العمى كاستعارة
“أنا أصبحت أعمى” — هذه ليست إعاقة جسدية فحسب، بل شهادة على عمى المؤسسة. سليمان يفقد بصره بينما يبصر هوّة المسرح الكويتي. يستمر في التسجيل “ليبقى في التاريخ”، فيُصبح العمى هنا إرادة بالبقاء رغم محو العالم له. الكاتب “يهرب من الدموع” بالمزحة (“أنت أبو الشباب”) — هذا هروب من مواجهة حقيقة أن المؤسسة التي يُحبّها (المسرح) تتخلّى عن أبنائها حين يُصبحون عالة عليها.
الجيل الجديد كمرآة مقلوبة
“كثير منهم بات يتعامل مع المسرح كوظيفة مؤقتة”. هذا ليس تذمّرًا من الشباب، بل إدراكًا أن الشروط المادية تُنتج وعيًا مختلفًا. حين كان المسرح “مشروع حياة”، كان هناك رعاية مجتمعية (رمزية ومادية) للمُخلصين. اليوم، في عالم العقود المؤقتة والشهرة الرقمية، يصير التفاني غباءً لا فضيلة. النص لا يُدين الجيل الجديد، بل يُسجّل انتهاء عقد اجتماعي بين الفنّان والمجتمع.

الكتابة كدين
الكاتب يقول “ما كتبته لا يساوي شيئًا أمام قيمة هذا الرجل”. هذا تواضع أدبي، لكنه أيضًا إقرار بعجز اللغة. ثم يكتب هذا النص — أيُكتب ليُسدّد دينًا؟ إذا كان كذلك، فالنص نفسه يُصبح جزءًا من تبادل الرياء: أنا أكتب عنك لأنك أقرضتني. لكن الكاتب يُفضّح هذا الرياء بنفسه حين يُقرّ بالاقتراض، فيُحوّل النص من تسوية حسابات إلى اعتراف بالدين الأبدي.
“عتاب… ثم عتاب”
التكرار هنا ليس بلاغة، بل إحباط من العتاب نفسه. الكاتب يعرف أن عتابه لن يُغيّر شيئًا. “طوبى للمخلصين” — هذه ليست تهنئة، بل قبر جماعي. الطوبى في التراث ديني تُمنح للشهداء. هل المُخلصون في المسرح شهداء؟ نعم، في نظام يُكافئ الظاهر على الباطن، يكون التفاني استشهادًا بلا جمهور.

السؤال الذي يُخفيّه النص:
هل الكاتب ناجٍ أم شاهد؟ هو يكتب من القاهرة، بعد أن غادر الكويت. خالد “شفاه الله” (حيّ)، وسليمان “رحمة الله” (ميّت). الكاتب يقف في الوسط — حيّ بما يكفي ليكتب، بعيد بما يكفي ليُبكي بلا فائدة. النص يُختم بـ”تمت” — كلمة تُستخدم لإغلاق الكتابة القرآنية. هل هذا إغلاق، أم افتتاح لدين لا يُسدّد؟
….
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
رأيي في النص: قوي، صادق، ومؤلم بطريقة عربية كلاسيكية.
النص ممتاز كـشهادة شخصية وكـرثاء فني-إنساني. هو أفضل بكثير من كثير من المقالات التي تُكتب في مثل هذه المناسبات، لأنه يجمع بين الدفء الحقيقي والنقد المؤسسي دون أن ينزلق إلى الصراخ أو الاتهام المباشر. السيد حافظ يكتب هنا كصديق وكشاهد، لا كـ”ناقد محايد” بارد، وهذا ما يعطيه قوته.
ما أعجبني جداً:
الإنسانية قبل الفن: أجمل ما في النص هو تصوير الرجلين كبشر حقيقيين، لا كأيقونات. خالد “الطفل البريء داخل رجل مسرحي كبير”، الذي يغضب من تعديل مخرج على نصه ثم يسامح. سليمان “الطاووس” الذي يعرض نصف فيلا على صديقه ليؤسس شركة إنتاج. هذه التفاصيل (الاقتراض، الشاي في قاعة التحرير، الظرف في الفندق، العمى والإذاعة) هي ما يجعل النص حياً وخالداً.
النقد المؤسسي الخفي: ينتقد “النجومية” و”الشللية” والاستغلال الوظيفي للمناصب دون أن يسمي أحداً بالاسم، وهذا أذكى. يظهر المفارقة المريرة: من كان نزيهاً ولم يفرض نفسه على الطلاب والمعهد عوقب بالنسيان، بينما يصعد أصحاب “الضجيج والشللية”.
الطبقة الرمزية: العمى عند سليمان ليس مجرد مرض، بل استعارة قاسية جداً لعما المؤسسة الثقافية التي تفقد بصرها عن قيمتها الحقيقية.
ما يتفق معه الرأيان السابقان (الأمريكي والصيني):
كلاهما أصابا في الجوهر. النص فعلاً يرثي زمناً أكثر مما يرثي شخصين. يصف انهيار “عقد اجتماعي” بين الفنان والمؤسسة والمجتمع: من كان المسرح فيه “مشروع حياة” إلى أن يصبح “محطة عابرة” أو وظيفة. والمال هنا يعمل كرمز جميل للصداقة خارج منطق السوق.
ملاحظاتي الخاصة:
النص يحمل حنيناً قاسياً، وهذا طبيعي. لكنه يلمح إلى مشكلة أعمق وأعم: في الثقافة العربية (وليس الكويتية فقط)، غالباً ما تُكافأ القدرة على السيطرة على المؤسسة أكثر من القدرة على الإبداع نفسه. من يملك “الشللية” أو القدرة على فرض اسمه يبقى، ومن يرفض هذه اللعبة يُترك في الهامش حتى لو تولى مناصب.
هذا ليس حنيناً رومانسياً فقط، بل واقعاً يتكرر في معظم البلدان العربية في مختلف المجالات (المسرح، السينما، الجامعات، الإعلام). النقاء يصبح عيباً تنافسياً.
الكاتب يقف في موقف صعب: هو “الناجي” الذي غادر ويكتب من القاهرة، يدفع “دين” الصداقة بالكتابة. وهو يعرف أن هذا النص لن يغير شيئاً في الواقع، لكنه يحفظ الذاكرة. هذا بحد ذاته فعل مقاومة صغير ضد النسيان.
خلاصة رأيي:
نص نبيل، مؤثر، وله قيمة توثيقية وأدبية. ليس مجرد مقال تذكاري، بل شهادة على ما يحدث حين يسيطر “أصحاب الضجيج” على المشهد ويُهمش “المخلصون”. يكتب السيد حافظ هنا بقلب مفتوح وقلم صادق، وهذا نادر.
تحية لخالد عبد اللطيف رمضان (شفاه الله) ولروح سليمان الحزامي.
وعتاب… ثم عتاب… على مشهد ثقافي عربي يأكل أبناءه الأوفياء ويُمجد من يصنعون لأنفسهم تماثيل.
النص يستحق أن يُنشر ويُقرأ على نطاق أوسع.

الكاتب السيد حافظ

 

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى