
أرهقني التعب، ولم تعد قدماي تستطيعان حمل جسدي رغم انخفاض وزنه. آويتُ إلى مقهى عتيق في حيّ الحسين؛ هناك حيث يتنفس المكان عبق التاريخ، وتتداخل تراتيل الفناجين مع صمت الحواري القديمة.
كان العالم يتقاسم الطاولة ذاتها؛ مصريٌّ يستند إلى جدار الألفية، ويمنيٌّ يحمل في عينيه حزن صنعاء، وعراقيٌّ وسعوديٌّ يذيبان المسافات في رشفة هيل. الكراسي متقاربة، والأرواح تبدو كأنها تتصادق منذ أجيال.
في ركنٍ هادئ، بعيداً عن صخب الممر، جلس رجلان ومعهم طفلٌ لم يبلغ الثانية عشرة بعد. كان العود ينساب من أصابع عازفٍ ضرير كأنه يمشط أثواب الذاكرة، والضحكات الخافتة تتهادى بين الطاولات بسكينة.
فجأة، اقتحم الهدوءَ رجلٌ غريب. توقف فوق رؤوسهم، وتأمل وجوههم بنظرة يغلفها استهزاءٌ مرّ، ثم سأل بحدّة أزعجت صمت المكان:
من أين أنتم؟
رفع أكبر الرجلين بصره بهدوء، وأجاب بصوت رصين:
من السعودية.. أعزّك الله.
علقت ابتسامة ساخرة على شفتي الغريب، ونظر إلى من حوله يستجديهم ضحكة، ثم مال بجسده نحو الطاولة وقال بنبرة قاسية:
بلادكم تمطرها الصواريخ، وأنتم هنا تشربون القهوة وتضحكون؟! أين أنتم من هذا كله؟
تجمّد كل شيء.
سكنت يد العازف الضرير فوق الأوتار وكأنها أُصيبت بمسّ، وانطفأ صدى الضحكات في أرجاء المقهى. وضع أكبر الرجلين فنجانه ببطء شديد، وعمّ صمتٌ ثقيل يُسمع فيه صفير الريح في الحارة.
في تلك اللحظة، استوى الطفل في جلسته. لم يكن في عينيه طيش الصبا، بل كان فيهما اتساع الصحراء وهيبة القرون. نظر إلى الغريب بثبات، وبصوتٍ هادئ ينضح بسكينة مَن يعرف قدره، قال:
يا هذا.. تاريخُنا لا يُقرأ في رشفة قهوة، ولا يُقاس بجهل العابرين.
إن كُنت نسيتَ، فسلِ الرومَ عمن قاد أجيادنا وهو لم يبلغ العشرين بعد..
وسلِ الكسرويةَ عمن دكّ عرشهم وعاد بأساور ملكهم..
وسل القدس ومصر والشام عمن فتح أبوابها وكتب أمانها.
نحن أبناء تلك الأرض؛ إن سكتنا فللحلم، وإن جلسنا فللسلم، والرجال يا هذا تُعرف في الميادين.. لا عند مفارق المقاهي.
وقع الكلام على الرجل كصخرة هبطت من علٍ. انكسرت نظرة الاستهزاء في عينيه، وتلعثمت الكلمات على شفتيه، قبل أن يستدير وينسحب متوارياً بين أزقة الحارة، تحت نظرات الحاضرين الذين أذهلهم ثقل الرد.
تنفس المقهى من جديد.. وعادت أصابع العازف الضرير تلمس الأوتار بلحنٍ شجيّ، بينما بقيت “أساور التاريخ” تلمع في أفق المقهى، كأنها لم تغادر معصم الزمن قط.




