فتنة ” خلق القـــرآن ” ؛ من أشعلها؟ ، متي بدأت؟ وكيف انتهت؟ …

⭕◄ أطفأ نار الفتنة : [الكاتب المصري | عمرو عبدالرحمن] …
.
⭕◄ تشتعل بين فترة وأخري ؛ فتن كقطع الليل المظلم، كفتنة تحريف نصوص [المواريث] و[الطلاق] و[حقوق الرجل والمرأة] المُنَزَّلة كفرائض قرآنية، بآيات مُحْكَمات – وذلك بحجة (حرية الاجتهاد) !
– رغم أنه لا اجتهاد مع نص محكم صريح.
– كالأمر بمواقيت الصلاة، وفروض الصوم، ومناسك الحج، وغيرها من القوانين الربانية، السارية حرفيا من وقت تنزيلها لآخر يوم في الحياة الدنيا.
.
فتنة.. سبقتها فتن كثيرة، مثل [فتنة خلق القرآن] التي اخترعها أحد الخوارج، زاعما أن القرآن الكريم (مخلوق!) وليس كلام الله تعالي الذي أوحاه عبر رسوله الملائكي {جبريل – عليه السلام} إلي رسوله البشري {محمد رسول الله – صلي الله عليه وسلم}.
.
الفتنة وقعت في عصر “المأمون” سلطان [الدولة العباسية] – إبن الجارية الفارسية “مراجل” – وكانت ولايته بداية النهاية لعصر الفتوحات الإسلامية، وغيبوبة الأمة في الترف والثراء، عقب امتداد الإمبراطورية الإسلامية من تركستان الشرقية – (الصين) – شرقا، إلي الأندلس الأوروبية غربا، ومنابع النيل جنوبا.. حيث كانت الجزية تأتي لعاصمة الإمبراطورية من كافة ربوع الأرض.
.
✨ الغرب والعرب ؛ غروب وشروق …
.
وقتئذ؛ كانت أوروبا تعيش عصورها المظلمة، تحكمها الكنيسة الرومانية، المهيمنة علي ممالك عسكرية – [أوليجارشية] – مثل الإمبراطورية الكارولينجية والإمبراطورية الرومانية التي انشقت نتيجة الصراع الكنائسي إلي شرقية أرثوذكسية “بيزنطية” – وغربية “كاثوليكية”.
.
إلا أن العرب – الذين لم يتذوقوا طعم الحضارة منذ حضارات عاد وثمود وإرم العربية – (ممالك العرب البائدة والعاربة – التي انقرضت منذ خمسة آلاف عام قبل الميلاد) – بهرتهم ثقافة الغرب، خاصة لما بدأت حركة ترجمة كبري، لعلوم الفلك والجغرافيا والكيمياء القديمة دون قدرة علي التمييز والتقييم والانتقاء بين الصالح والزائف من العلم.
.
ورغم ذلك؛ ظهر الجيل الأول من علماء العرب، الذين نجحوا في إحياء علوم العالم القديم، وأقاموا حضارة عظمي أنارت كافة أنحاء الأرض.. وأكبر مثال لها ؛ دولة الأندلس – الرحم التي ولدت منها الحضارة الأوروبية المعاصرة.
.
✨ اختراق العقل العربي باللاهوت الأعجمي
.
بالمقابل، تسببت ترجمة الفلسفات الإغريقية والفارسية والهندوسية والتلمودية (اللاهوت اليهودي)، في اختراق الوعي العربي بأفكار وثنية انحرفت به عن صحيح العقيدة..
.
لأن معظم من تولوا عملية الترجمة، لم يكونوا عربا، بل (عجم) مثل الفرس أو السيريان أو اليهود، فتعمدوا خلط السم بالعسل – حرفيا كما يقول المثل.
.
كانت النتيجة انشقاق الأمة إلي عشرات الفرق (أكثر من 70 فرقة)، كما تنبأ الحديث النبوي الشريف.
.
وظهور نظريات شاذة، مثل نظرية المعتزلة عن الخلق، التي انكرت الصفات الإلهية كـ {الحياة} ، {القدرة} ، {الرؤية} ، {السمع} ، {البصر} ، {الكلام}.. و{الخلق من عدم} !
.
رغم أنها كلها منصوص عليها بآيات قرآنية من المحكمات.
.
وهي قريبة لفكر فرقة أخري تسمي “الأشعرية”، تنكر بعض وتؤمن ببعض الصفات الإلهية !
.
هكذا، ظهرت خرافة “خلق القرآن”، وأنه مخلوق كبقية المخلوقات، وليس كلام الله المنزل.
.
ورغم أن المعتزلة كانت إحدي فرق الخوارج، إلا أن “المأمون” ذو الجذور الفارسية من جهة الأم، اقتنع بنظريتهم عن “خلق القرآن” وفرضها علي الأمة الإسلامية، بالقوة الغاشمة، وعاقب أي إمام أو مسلم رفض اعتناقها!
.
لكن الحق : أن {الكلام} – من الصفات الإلهية – وثقتها الكتب السماوية مثل القرآن الكريم، بالآية المُحْكمة : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا }.
.
مثلها مثل صفة [الخلق من عدم] – بالأمر الإلهي : { كُنْ فَيَكُونُ }، بآيات محكمات من القرآن الكريم.
.
✨ المعتزلة ؛ البروتستانتية المتأسلمة !
.
أول ظهور للمعتزلة كان ببصمات الباطنية الفارسية – المتأسلمة، في بلاد خراسان وترمذ الإيرانية، التي كانت تحت الحكم والسيادة العربية بعهد [الدولة العباسية] بعد الفتوحات الإسلامية، التي بدأت في {العهد النبوي}، وبلغت ذروتها في عهد {الخلافة الراشدة}، ثم [العصر الأموي]..؛ عصر قيام دولة الأندلس العظمي.
.
وصولا لعصر آخر الخلفاء ؛ {هارون الرشيد}.. الذي تعمد الفرس تشويه سيرته بحملة دعائية عابرة للحدود والتاريخ، انتقاما من قيامه بتطهير الدولة من سيطرة البرامكة (عائلة فارسية اخترقت عرش الإمبراطورية العباسية، منذ يومها الأول.
.
إلا أنه بدخول عهد السلطان العباسي “المأمون”، توقفت الفتوحات نهائيا، علي كافة الجهات الاستراتيجية للإمبراطورية، وبدأت مساحاتها تتناقص تدريجيا، لصالح دويلات الخوارج التركية (كالسلجوقية والعثمانية) والفارسية (كالصفوية والسامانية).
.
بالتزامن؛ بدأ انشقاق الأمة فرقا وجماعات، كالمعتزلة التي اعتنقت فلسفات ذات جذور إغريقية وهندوسية عن الصفات الإلهية والخلق.
.
وظهرت نظرية تقديم اعتبار “العقل” فوق النص، بحجة إمكانية الاجتهاد في كل الآيات حتي لو كانت من المحكمات المرتبطة بالفرائض الثابتة، والأوامر الإلهية الصريحة واجبة الاتباع حرفيا – دون جدال – كالصوم والحج والمواريث والديون.
.
.. وفكرة الاعتماد علي القرآن فقط كمصدر وحيد للعقيدة، ورفض الأحاديث.. هو نفس فكر فرقة القرآنيين – إحدي فرق الخوارج – المعاصرين.
.
الغريب.. أنها نسخة من الأفكار التي سادت أوروبا بظهور تيارات الصهيومسيحية (كالمذهب البروتستانتي الصهيو-مسيحي) الذي ابتدعه الكاهن – الخائن – “مارتن لوثر” سنة 1517، بحجة “الإصلاح الديني” – واعتبر التوراة وحدها مصدرا للعقيدة، ورفض الاعتماد علي أية نصوص نبوية لأنبياء بني إسرائيل..
.
وهو المذهب الذي اعتنقته ممالك الاستعمار الهمجي الهندو-أوروبية (الأنجلوساكسون البروتستانت)، وفرضته بالقوة المسلحة وحروب الإبادة علي بلاد الأمريكيين الأصليين والأستراليين الأصليين، وحتي ضمن الحرب علي الصين – المعروفة بـ”حرب الأفيون” – وراح ضحيتها مئات الملايين من البشر – اعتبرتهم قوي الاستعمار مخلوقات أحط من البشر، واعتبرتهم من الكفار الواجب إبادتهم – وكأنهم [جوييم] – نسخة من المصطلح الصـ،ـهيوني الاستعلائي طبق الأصل.
.
✨ نهاية المحنة – مؤقتا!
.
استمرت سياسة الاضطهاد الديني، طوال عهد “المأمون”، الذي فرض نظرية خلق القرآن كعقيدة رسمية للدولة، بتحريض شيوخ المعتزلة مثل “أحمد بن داوود” و”ثمامة بن الأشرس”.. وأمر بمعاقبة المعارضين، بالاعتقال أو الاغتيال أو الجلد أو الفصل من الوظيفة العمومية.
.
ظلت الفتنة مشتعلة في عهد خليفته “المعتصم بالله” ثم “الواثق بالله”، حتي تم القضاء عليها عام 861 م، في عهد (المتوكل علي الله).. الذي أعاد الاعتبار لعلماء الأمة الذين لم يرضخوا لإرهاب الحكام وعلماء السلطان.
.
وكان في مقدمتهم ؛ الإمام المجدد / أحمد ابن حنبل.
.
.
.
✨ مراجع:-
الدكتور / علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة، ص: 218-219.
Muhammad Qasim Zaman (1997). Religion and Politics Under the Early ?Abbasids: The Emergence of the Proto-Sunni Elite. BRILL. pp. 106–112 See less




