منوعات

مصر والصين.. من صداقة التاريخ إلى شراكة المستقبل

مصر والصين.. من صداقة التاريخ إلى شراكة المستقبل

زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة.. حين تلتقي قوة الموقع المصري بقدرات الصين العالمية”.

بقلم ✍️ العميد المستشار د. منصور القاضي
محلل عسكري وسياسي وباحث استراتيجي في الشؤون اليمنية والدولية.

في السياسة الدولية، هناك زيارات تصنع خبراً، وهناك زيارات تصنع مرحلة جديدة.

ومن هذا المنظور تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى جمهورية مصر العربية في 1 سبتمبر 2026، باعتبارها واحدة من الزيارات التي تحمل دلالات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، لتلامس مستقبل التوازنات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط وإفريقيا والعالم.

إنها زيارة بين دولتين عريقتين؛ مصر، قلب العالم العربي وملتقى القارات ومفتاح البحرين المتوسط والأحمر، والصين، إحدى أكبر القوى الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية في العالم.

وبين القاهرة وبكين، لا تقف المصالح عند حدود التجارة والاستثمار، وإنما تمتد إلى رؤية أوسع لعالم يتشكل من جديد.

وتكتسب الزيارة الحالية أهمية تاريخية إضافية لأنها تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية عام 1956، عندما كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

زيارة تحمل رسائل إلى العالم

الرئيس شي جين بينغ لا يزور مصر باعتبارها دولة عربية فقط، وإنما يزورها باعتبارها دولة محورية تمتلك تأثيراً سياسياً وجغرافياً واقتصادياً يتجاوز حدودها.

ومصر بدورها لا تنظر إلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية فقط، وإنما باعتبارها شريكاً دولياً قادراً على الإسهام في بناء مشروعات التنمية والتصنيع ونقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات الاقتصادية.

ومن هنا فإن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ يحمل رسالة واضحة:

القاهرة وبكين تريدان الانتقال بالعلاقة من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية أكثر عمقاً واتساعاً.

القاهرة وبكين.. سبعة عقود من الثقة

سبعون عاماً من العلاقات الدبلوماسية ليست رقماً عابراً.

فالعلاقات المصرية الصينية استطاعت أن تحافظ على استمراريتها رغم تغير الأنظمة والظروف الدولية والتحولات الكبرى التي شهدها العالم.

وفي عام 2014 ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ثم جاءت زيارة الرئيس شي إلى القاهرة في يناير 2016 لتدفع هذه العلاقة إلى مرحلة جديدة.

أما زيارة سبتمبر 2026 فتأتي في عالم مختلف تماماً؛ عالم تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية، وتتزايد فيه أهمية التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية، وتتجه فيه العلاقات الدولية نحو تعدد مراكز القوة.

قناة السويس.. الورقة الاستراتيجية الأهم

إذا كان هناك عنوان جغرافي تختصر فيه أهمية الشراكة المصرية الصينية، فهو بلا شك:

قناة السويس.

فمصر تمتلك أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والصين تمتلك اقتصاداً صناعياً وتجارياً يعتمد بدرجة كبيرة على حركة التجارة الدولية.

وهنا تلتقي المصالح.

إن تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وإنشاء المزيد من المناطق الصناعية واللوجستية، وجذب الاستثمارات الصينية، لا يعني فقط إقامة مصانع داخل مصر، بل يمكن أن يحول مصر إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير وإعادة التوزيع.

ومن هنا فإن قناة السويس ليست مجرد ممر مائي بالنسبة للصين، وإنما يمكن أن تكون منصة استراتيجية للصناعة والتجارة الصينية في الشرق الأوسط وإفريقيا.

مصر.. بوابة الصين إلى إفريقيا والعالم العربي

تتمتع مصر بميزة جغرافية واستراتيجية نادرة.

فهي عربية، وإفريقية، ومتوسطية، وتطل على البحر الأحمر، وترتبط بشبكة واسعة من الأسواق العربية والإفريقية.

ولهذا فإن الاستثمار الصيني في مصر يمكن أن يتجاوز السوق المصرية التي تضم أكثر من مئة مليون نسمة، ليصل إلى أسواق أوسع.

وهنا يمكن أن تتحول مصر إلى بوابة للمنتجات والاستثمارات الصينية نحو إفريقيا والعالم العربي.

وفي المقابل، تحصل مصر على التكنولوجيا والخبرة الصناعية والاستثمارية الصينية.

إنها معادلة مصالح متبادلة يمكن أن تحقق مكاسب استراتيجية للطرفين.

من المشروعات إلى التصنيع

لقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية حضوراً صينياً واضحاً في عدد من المشروعات الكبرى، ومنها منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، والبرج الأيقوني، ومشروعات النقل والطاقة والبنية التحتية.

لكن المرحلة المقبلة، في تقديري، يجب أن تكون أكثر طموحاً.

فالمطلوب ليس فقط أن تقوم الشركات الصينية ببناء المشروعات، وإنما أن تنتقل الشراكة إلى:

التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتدريب الكوادر المصرية، وزيادة المكون المحلي، ورفع القدرة التصديرية.

وهنا تحديداً يمكن أن تتحول الشراكة المصرية الصينية من شراكة في تنفيذ المشروعات إلى شراكة في صناعة المستقبل.

الطاقة.. ملف استراتيجي جديد

العالم يتجه نحو الطاقة النظيفة والمتجددة، ومصر تمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وفي المقابل تمتلك الصين خبرات ضخمة في تصنيع تقنيات الطاقة المتجددة وتطوير شبكات الكهرباء والتخزين.

ومن هنا يمكن أن يصبح التعاون المصري الصيني في الطاقة أحد المحاور الرئيسية للعلاقة خلال السنوات المقبلة.

فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك الطاقة فقط، بل لمن يمتلك تكنولوجيا إنتاجها وتخزينها ونقلها واستخدامها بكفاءة.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

الاقتصاد العالمي الجديد لم يعد يقوم فقط على النفط والطرق والمصانع.

إنه يقوم على:

الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والاتصالات، والروبوتات، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي.

وهنا تستطيع الصين أن تكون شريكاً مهماً لمصر في بناء القدرات التكنولوجية، بينما تستطيع مصر توفير قاعدة بشرية وسوقاً إقليمية واسعة.

إن الاستثمار في الإنسان المصري، وتطوير الجامعات ومراكز البحث العلمي، وربط التعليم بالصناعة والتكنولوجيا، سيكون من أهم عناصر نجاح الشراكة في المستقبل.

البعد السياسي.. القاهرة وبكين في عالم متعدد الأقطاب

لا يمكن فصل العلاقات المصرية الصينية عن التحولات الكبرى في النظام الدولي.

فالعالم اليوم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، ولم تعد القوة الدولية مقتصرة على الولايات المتحدة وأوروبا فقط.

الصين أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية كبرى، والهند تتقدم، وروسيا تحتفظ بثقلها الاستراتيجي، بينما تسعى الدول العربية إلى توسيع خياراتها وشراكاتها الدولية.

وفي هذا المشهد، تتمتع مصر بميزة مهمة تتمثل في قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.

وهذا يمنح القاهرة مساحة واسعة لحماية مصالحها الوطنية وتعزيز دورها الإقليمي.

البحر الأحمر.. المصالح المشتركة

ومن الناحية الاستراتيجية، لا يمكن تجاهل البحر الأحمر.

فأمن البحر الأحمر وقناة السويس يرتبطان بصورة مباشرة بأمن التجارة العالمية.

والصين، باعتبارها قوة تجارية وصناعية كبرى، لديها مصلحة مباشرة في استقرار خطوط الملاحة الدولية.

ومن هنا فإن التعاون المصري الصيني لا يحمل بعداً اقتصادياً فقط، بل يمتلك أيضاً بعداً استراتيجياً مرتبطاً بأمن الملاحة واستقرار المنطقة.

مصر والصين.. شراكة لا تقوم على التبعية

من أهم عناصر قوة العلاقات المصرية الصينية أنها يمكن أن تقوم على المصالح المتبادلة.

مصر لا تبحث عن بديل لعلاقاتها الدولية، والصين لا تحتاج إلى علاقة تقوم على التبعية.

بل يستطيع الطرفان بناء شراكة تقوم على قاعدة:

مصر تستفيد من التكنولوجيا والاستثمار والخبرة الصينية، والصين تستفيد من الموقع والسوق والقدرات البشرية والموانئ وقناة السويس.

وهذه هي الشراكة التي تستمر لأنها تقوم على المصالح لا على الظروف المؤقتة.

ماذا بعد زيارة سبتمبر 2026؟

السؤال الأهم ليس ماذا قيل خلال الزيارة فقط، وإنما:

ماذا ستنتج هذه الزيارة خلال السنوات القادمة؟

وهنا أرى أن أمام القاهرة وبكين خمسة مسارات رئيسية:

1. زيادة الاستثمارات الصينية في الصناعة المصرية.
2. توطين التكنولوجيا ونقل المعرفة.
3. تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز صناعي ولوجستي عالمي.
4. توسيع التعاون في الطاقة والاتصالات والذكاء الاصطناعي.
5. تعزيز التنسيق السياسي حول قضايا الشرق الأوسط وإفريقيا وأمن الملاحة الدولية.

وإذا نجح البلدان في تحقيق هذه الأهداف، فإن العلاقة المصرية الصينية يمكن أن تصبح نموذجاً متقدماً للتعاون بين دولة عربية وإفريقية وقوة آسيوية عالمية.

الخلاصة.. القاهرة وبكين ترسمان طريقاً جديداً

إن زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى مصر في سبتمبر 2026 ليست مجرد محطة دبلوماسية، وإنما تعكس عمق التحول الذي شهدته العلاقات بين القاهرة وبكين خلال سبعة عقود.

من الاعتراف والعلاقات الدبلوماسية عام 1956، إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ثم إلى المشروعات الكبرى والاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة والنقل، تتشكل اليوم مرحلة جديدة عنوانها:

التصنيع، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار، والموقع الجغرافي، والأمن، والتنمية.

إن مصر تمتلك ما تحتاجه الصين من موقع استراتيجي وبوابات تجارية وأسواق عربية وإفريقية، والصين تمتلك ما تحتاجه مصر من قدرات صناعية وتكنولوجية واستثمارية وخبرات متقدمة.

ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين البلدين لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاتفاقيات، وإنما بما تستطيع هذه الاتفاقيات أن تصنعه على أرض الواقع من مصانع، وفرص عمل، وتكنولوجيا، وصادرات، وتنمية، وقوة اقتصادية.

ومن القاهرة، حيث التقت حضارة النيل بتاريخها العريق، إلى بكين، حيث تتجسد واحدة من أكبر التجارب التنموية في العصر الحديث، يمكن أن تمتد جسور جديدة بين الشرق العربي وإفريقيا وآسيا.

مصر والصين ليستا فقط شريكين في الحاضر؛ بل تمتلكان فرصة تاريخية لصناعة جزء مهم من مستقبل المنطقة.

فحين يلتقي الموقع المصري بالقوة الصينية، ويلتقي التاريخ المصري بالنهضة الصينية، فإن النتيجة يمكن أن تكون شراكة استراتيجية تصنع جسور المستقبل.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى