100 على ميلاده يوسف شاهين.. سينما الآخر
100 على ميلاده يوسف شاهين.. سينما الآخر
بدور خطاب
فى ذكرى مرور مائة عام على ميلاد مخرجنا الفذ يوسف شاهين، التى تحل بعد غد الأحد، ليس هناك ما هو أكثر تعبيرا مما كتب على قبره فى مدينته الحبيبة الإسكندرية ، بوصية منه بعد وفاته فى 27 يوليو 2008:
يوسف أديب شاهين
لا يهمنى اسمك لا يهمنى عنوانك/ لا يهمنى لونك ولا ميلادك
يهمنى الإنسان ولو ما لوش عنوان
فقد قضى الرجل جل عمره يبحث عن الإنسان حوله، بل وداخل تلافيف نفسه، كان « عصفورا» محلقا يفتش عن منابع الدموع، ومكامن الوجع، وأنهار الضحكات، وحدائق الحياة، يشهد يوم الغرس، ويوم الحصاد، ولا تفوته مواسم النارو الرماد!
الإنسان لديه شارع وبيت ومقهى ووطن، و«أرض» عطشي، تستحق أن تفدى بالدماء، و«ابن ضال» يعود لأهله بأحلام محطمة، وفارس عنوانه «صلاح»، يحرر البلاد بجيش ،سيوفه الشجاعة ودروعه العدل، وأمة كالنخيل، لا تقبل الانحناء للمحتلين الغرباء!
تحتشد فى أفلامه الصور والكلمات والنغمات، لتزرع القلوب آمالا، وحتى حينما يستدعى الخوف، أو يجلس على تلال الاعتراف يشبه الشعراء، عندما تكون قصائدهم مطر الحقيقة الذى يكتسح عتمة العجز والقصور والتخاذل.
بعد هزيمة عام 1967 كتب نزار قبانى فى قصيدته الشهيرة هوامش على دفتر النكسة: ما دخل اليهود من حدودنا / وإنما تسربوا كالنمل.. من عيوبنا!
أليست هذه رسالة فيلم «العصفور» عام 1972 الذى تحدث عن سرقات المال العام، وتخاذل المثقفين وبحثهم عن مصالحهم الشخصية، كيف التقت القصيدة بحصاد الكاميرا، ليقولا نفس الحقيقة؟!
ألم يقل أمل دنقل فى قصيدته ذائعة الصيت البكاء بين يدى زرقاء اليمامة: تكلمى أيتها النبية المقدسة تكلمى .. تكلمى ..
فها أنا على التراب سائلٌ دمى وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا
ألا يذكرنا ذلك بدم محمد أبو سويلم، وهو يدافع عن أرضه فتمتزج بدمائه.. نفس الأرض و الدماء ، وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة، لكن لم يتغير الإنسان الذى كان هدفا لرحلة حياة وفن يوسف شاهين ، « المهاجر» دوما إلى « الاختيار» الصعب ، رافضا سينما « التبات والنبات» ، و تسطيح الهموم، وقولبتها فى لقمة العيش ووسيلة المواصلات والسكن، وتقشير المشاعر فى قبلات مسروقة وأحضان جبانة، وحفلات تشبه المساحيق الكاذبة!
ولكى لا يكون الحديث عن الرجل موحيا بانبهار زاعق، او تمجيد زائف، نذكر فقط أنه تم اختيار 8 أفلام له من بين أفضل مئة فيلم عربى فى استفتاء شمل مئات النقاد والكتاب العرب فى مهرجان دبى السينمائى عام 2013، كما شملت قائمة أفضل 100فيلم مصرى فى استفتاء تم فى المحروسة عام 1996 بمناسبة مئوية السينما المصرية 10 أفلام له، ولندع الأرقام هنا تتكلم!
كان يوسف شاهين رائدا لسينما «الآخر» المختلف، وذلك ما أدخله أدغالا تجريبية وكهوفا ذاتية، جلبت عليه انتقادات بقدر ما أثارت الدهشة والاستغراب، لكنه لم يتوقف ولم يحبط، ويشهد التاريخ له أنه صنع نجوما وضعهم فى العربة رقم واحد من قطار المجد، وإن تساقط آخرون فى طرق أرهقتهم، ولم يكونوا مستعدين لغبارها وأعاصيرها. والأهرام إذ تحتفى بمئوية شاهين، حاولنا فى هذا العدد الخاص من الملحق عنه، أن نلقى إضاءات على مسيرته الفنية، ونرسم له صورة بكلمات من اقتربوا منه، ومشاهد خالدة لما ترك من تراث سينمائي، احترمه العالم، وسكن أرواحا مصرية وعربية ، حلقت معه فى رحلة إبداعه الثرية.





