ثقافةقصصمقالات

حكاية من حلم ورؤيا من وجع في عوالم رواية ” طعم الخرس “

دراسة نقدية | إعداد : الأستاذ الدكتور / نوال حيفري – الجزائر

إذا كان الارتباط العميق بين الإنسان والأدب سببًا في تلازمٍ حيويٍّ بينهما، قائمٍ على حراكٍ متبادل ومؤثر، فإن فنّ الرواية قد حظي بالنصيب الأوفر من ذلك الترابط؛ باعتبارها فنًا اجتماعيًا بامتياز، وُلد من رحم المجتمع، ونشأ في أحضانه، وتطوّر ليعكس صلته الوثيقة به، عبر تصويرٍ يسعى إلى الفهم والكشف برؤيةٍ فاحصةٍ نافذة.

.

وقد تجلّى رواج الرواية ” طعم الخرس” وإقبال القرّاء عليها، بما أفضى إلى صدورها في طبعتها الثانية لمؤلفها الدكتور / يحيى خير الله، عندما أبرز في طياتها حاجة الإنسان إلى سرد ما يمرّ به من أحداث، ومشاركته مع الآخرين، ناقلًا تجاربه وأحاسيسه إليهم بطرائق فنية متعددة، كان أبرزها بناء الأحداث في لوحاتٍ سردية متتابعة، متماسكة من حيث الحدث والمعنى؛ بانفتاحها على شمولٍ دلاليٍّ أوسع.

    فالحوار هنا لا يأتي بوصفه أداةً تواصلية فحسب، بل يتحوّل إلى وسيلةٍ لكشف الأعماق النفسية وتفكيك التوترات الكامنة في الشخصيات، بما يضفي على السرد حيويةً وتدفقًا، ومن خلال هذا البناء، تتجلّى بلاغة التصوير في قدرة الكاتب على مزج الواقعي بالمتخيّل، حيث تتوغّل الرواية في وضعياتٍ خيالية ووهمية لا تهدف إلى الهروب من الواقع، بل إلى إعادة تشكيله وكشف طبقاته الخفية.

وقد عهد الكاتب إلى توزيع هذا العالم السردي عبر ثلاث عشرة لوحة، وهو اختيارٌ دالّ يوحي على بنيةٍ فنية تقوم على التقطيع المشهدي، عندما بدت كل لوحة وحدةً مستقلة نسبيًا، لكنها في الآن ذاته مندمجة ضمن نسيجٍ كليٍّ متماسك؛ هذا التشكيل اللوحي يتيح تنويع زوايا الرؤية وتكثيف الدلالة، كما يمنح السرد إيقاعًا متجدّدًا يحافظ على انتباه القارئ ويعمّق تفاعله مع النص.

أما من حيث الرؤية، فيكشف العمل عن وعيٍ فنيٍّ ناضج، يتجلّى في القدرة على استنطاق القضايا الإنسانية والاجتماعية عبر بنية رمزية وإيحائية، تتجاوز المباشرة دون أن تفقد وضوحها؛ وتأتي الصياغة اللغوية لتدعم هذا التوجّه، إذ تتسم بالمرونة والانسياب، والتوازن بين البعد الجمالي والوظيفي، مما يسهم في ترسيخ الأثر الفني للنص.

وبهذا، لن تقف الرواية عند حدود الحكي، بل ترتقي إلى بناءٍ فكريٍّ وجماليٍّ متكامل، تتضافر فيه الرؤية مع اللغة والتقنية السردية، ليشكّل في مجمله تجربة روائية غنية، تكشف عن اقتدار الكاتب في تشكيل عالمٍ روائي متماسك وعميق الدلالة.

 

    كما أن المتن الحكائي للرواية والتي تتكون من ثلاث عشرة لوحة، لكلٍّ منها عنوان دالّ ، أوجز الكاتب فيها فلسفة خاصة تعبر عن عمق الذات الإنسانية وما يكتنفها من وشائج مصدرها ما يعانيه من ظلم وقهر اجتماعي وسياسي في وطنه و كأنه أراد أن تتداخل القصص والحكايا في المضامين الأساسية للتركيبة الأدبية المعاصرة وهو ما يجعلنا نجزم ببراعة المؤلف د/ يحيى خير الله خاصة وأننا ما إن نستهل في قراءة اللوحة الأولى لا يمكننا التملص والتجاوز عن  إتمامها بل على العكس ثمة عامل جاذب يجبرنا على متابعة بقايا السرد لآخر لوحة و تمام الرواية.

تكشف هذه اللوحات عن ثِقل التجربة الإنسانية التي يضطلع بها الكاتب، حيث تتجلّى معاناةٌ واعيةٌ وممتدة في وعيه ووجدانه، انعكست بوضوح في طريقة تشكيله لشخصياته؛ فلم يتعامل معها بوصفها عناصر ثانوية أو مكمّلة للسرد، بل منحها حضورًا دلاليًا متكافئًا، يجعل من كل شخصية صوتًا فاعلًا داخل النسيج الروائي، ومن ثمّ، تتلاشى الفوارق التقليدية بين المركز والهامش، ليصبح الجميع شركاء في إنتاج المعنى، بدءًا من عامل النظافة، مرورًا بشباب الثورة، وصولًا إلى محصّل التذاكر في القطار.

هذا التنوّع في الشخصيات لا يعبّر فقط عن تعدّد اجتماعي، بل يكشف عن رؤية إنسانية عميقة، تسعى إلى إبراز قيمة الفرد بمعزل عن موقعه الطبقي أو الوظيفي، كما تؤكد هذه التجربة الإنسانية، في جوهرها، أنها تجربة واحدة وإن اختلفت تجلياتها؛ وبذلك، فقد نجح الكاتب في بناء عالمٍ روائيٍّ تتكافأ فيه الأصوات، وتتداخل فيه المصائر، في صورةٍ تعكس تعقيد الواقع وثراءه.

لذا اقتربت مضامين اللوحات من محاكاة الحراك الاجتماعي والسياسي والديني، عبر تناول طبقات متعددة من المجتمع، بلغة بسيطة خالية من التعقيد، تتأرجح بين العربية الفصحى واللهجة المصرية، لأن الرواية تميزت فعلا بأسلوب نقدي لاذع، اتسم بالمباشرة والجدية في طرح الأفكار، مع الحفاظ على لغة فنية سلسة أسهمت في بناء النص دراميًا بصورة متماسكة ومؤثرة.

تلك اللوحات أكدت على وهن الحمل الذي يأخذه الكاتب على كاهله ووجدانه فأظهر الشخصيات جميعها على اختلاف وجودها في الرواية بشكل رئيسي والتي لا يمكن إدراجها ضمن السياق الثانوي بداية من عامل النظافة وشباب الثورة إلى محصل التذاكر في القطار.

  اقتربت محتويات اللوحات في الرواية نحو مواءمة الحراك الاجتماعي والسياسي والديني من خلال تناول طبقات متنوعة من المجتمع في لغة بسيطة خالية من التعقيد تتأرجح بين اللغة العربية الفصحى واللهجة المصرية كما تميزت بأسلوب النقد اللاذع الذي اتسم بالمباشرة والجدية في نقل الأفكار التي بدا عليها حرية التعبير من خلال لغة فنية سهلة أسهمت في تشكيل بنية النص دراميا.

 

    توجه الأسلوب الكتابي نحو إعطاء دلالات رمزية وأيقونية سهلة الفهم من خلال قوة الأحداث وتحليلها موضوعياً حيث أن الكاتب أقتنى مادته من متغيرات المجتمع وتحولاته أكثر من غيره على اعتبار انه يستمد مادته الإبداعية الخام من هذه المتغيرات التي تطرأ بين الحين والآخر على أنه مرآة عاكسة لما يدور في المجتمعات من متغيرات باعتباره الكاتب أكثر التصاقاً بالمجتمع وحاجاته وأوسع تأثيراً على طبائع الأفراد وسلوكهم، حتى وإن اكتفى بنقله صوراً فوتوغرافية تجسد الحياة اليومية بمخاضها ومعاناتها. 

    ثم برزت الرواية بشکل القصة الدرامية الطويلة غير المحددة وكانت موضوعاتها واقعية على أساس حقائق فنية مفادها إرضاء المتلقي ثم السعي إلی الحديث عن وقائع الحياة لعلاج الواقع السياسي الإنساني والنفسي والاجتماعي.

        أحدثت رواية طعم الخرس طفرة نوعية في الجنس الروائي الأدبي والتي تمكنت من خلال دقة البناء الفني للحبكة وتصوير الأحداث ورسم الشخصيات من خلق نص أدبي مشوق وبالغ الثراء والإمتاع.

      كما أنه لا يمكننا إغفال الحوار فيها والذي كان الرّابط بين ما هو درامي وما هو أدبي، والذي عبّر عن مجموع الدّلالات التي يريد إيصالها، كما في اللوحات جميعها امتلك الحوار فيها وظيفة مزدوجة على اعتبار أنّه أداة تعبير وتواصل وتحديدا في كل من الدعوة عامة والتي ظهر فيها منتصر في حفل تكريم المعسكر والحناء والدم واستشهاده مع الجنود يوم زفافه ويموت الشجعان ليحيى الجبناء عند نقل جثمان منتصر ونحيب حسناء يوم عرسها.

   كان للخرس مساحة كبرى في الرواية بداية من الدكتور رامز الذي مع محاولته كشف خيوط التآمر وهزيمة الآمال المعقودة على التحرر بواسطة استفحال التسلط والخيانة مقابل واقع كله نقاء وبطولة   وتضحية عندما بدأت الرواية بحلم وانتهت بواقع لم يتمكن حتى الدكتور رامز من أن يستفيق منه أو يصدقه لأنه دخل في سياق المحظور.

 عندما تصفحنا الرواية ووقفنا عند العديد من مضامينها اتضح لنا بعد نظر المؤلف في بناء الرواية فنيا وتقنيا وأدبيا وما يمكن الوقوف عنده هو وجع الذات وما يحيط بها من تناقضات والتي لمست مختلف الشرائح الاجتماعية في مصر كما الشأن بالنسبة لمنتصر الذي يموت والحناء مخضبة في يده وأم أيوب القوية الشامخة المثيرة للجدل والدكتور رامز الشخصية المحورية في العمل ككل.

    كان الخرس ملازما للجميع بما فيهم الدكتور رامز ما عدا أم أيوب الصامدة وهي مصر القوية التي لا تنكسر هنا كان للخرس دلالات عدة في السياقات المختلفة التي وضعها المؤلف والتي تدل على الانصياع للأمر الواقع دون مقاومة تذكر، والإحساس بالانهزامية وعدم القدرة على المواجهة والمجابهة وهو حال يمكن إسقاطه على واقعنا والسعي لتغييره. 

قصد الدكتور يحيى في روايته أن يستثير عواطف الجميع عندما مسرح الرواية بشكل فني يلتزم بقواعد الكتابة المسرحية من حيث البناء الدرامي والفني محققا لفعلي القراءة والمشاهدة:   

تتجلّى خصوصية العمل في جملةٍ من العناصر الفنية التي أحاطت ببنيته وأسهمت في تميّزه؛ إذ حرص الكاتب على:

–     تقريب أجواء الرواية من البيئة المحلية، بما يمنح النص صدقًا واقعيًا ويعزّز صلته بالمتلقي. – تجنّب أسلوب التعقيد، معتمدًا لغةً سلسةً شفافة تُيسّر الولوج إلى أعماق النص دون إرباك. –  وازن في بناء الشخصيات بين تعميق بعضها للكشف عن أبعادها النفسية والفكرية، وتبسيط بعضها الآخر بما يخدم حركة السرد ويمنع الترهل.

ومن جهة أخرى، عمد إلى تفريغ بعض الأحداث من زخرفها الزائد، مكتفيًا بجوهرها الدلالي، مما أكسب السرد تركيزًا وكثافة؛ وفي المقابل، نجح في خلق تشابكٍ دقيق في العلاقات بين الشخصيات، بما يعكس تعقيد الواقع وتشابك مصالحه، كما أن العمل لم من إضافة وجهة نظر معاصرة، تجلّت في مقاربة القضايا المطروحة بروحٍ نقدية حديثة، تربط النص بسياقه الراهن وتمنحه بعدًا فكريًا متجددًا.

    وهو ما جعل الرابط بين تلك اللوحات خيوط لامعة متينة النسق والسياق عندما هدف الكاتب إلى التفسير الإبداعي على أنه الاختيار الأمثل للمنهج والأسلوب ضمن سرد فسيفسائي تم فيه ترتيب عناوين الرواية بشكل مترابط وسببية في بناء الأحداث والشخصيات من جهة، والرابط بين تلك الفواصل وخيوطه المتينة التي تتجلى من خلالها براعة الأسلوب وما قد يظن به من عبثية، إلا أنها عبثية مقصودة، عندما أراد الكاتب بث الغموض والشك، وإثارة الأسئلة والتساؤلات، فكأنه سعى إلى تجسيد رؤية لا يقينية ليصل إلى اليقين.

     ومما يلهب المشاعر عند قارئ الرواية، ويجعله يتابعها بشغف، هو الخيال المقرون بالحقيقة الذي بثه المؤلف في الرواية، ذلك الضباب الصوري، الذي جعل القارئ يتوه في أبعاد ليست لها أبعاد، ويشاهد مرئيات لا ترى، ويشعر بمشاعر لا يشعر بها الناس العاديون عند موت الشحات والخياط وجنازته والوفد العسكري في جنازة منتصر والاجتماع الاستهلالي الذي نظمته الحاجة أم أيوب وظهور شباب الثورة الذين لا علاقة له بالثورة والناشط السياسي الذي لا يفقه من كلمة سياسة إلا اسمها.

وعلى الرغم مما حققته الرواية من تميز فني ودلالي، فإنها لا تخلو من بعض المآخذ التي يمكن تسجيلها في إطار القراءة النقدية؛ إذ يُلاحظ أحيانًا ميل السرد إلى المباشرة في طرح بعض الأفكار، مما يحدّ من عمق الإيحاء ويجعل الرسالة أقرب إلى التصريح منها إلى التلميح. كما أن تفاوت مستوى البناء بين اللوحات قد يُحدث نوعًا من عدم التوازن، حيث تبدو بعض اللوحات أكثر نضجًا وكثافة من غيرها.

ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإفراط في التبسيط اللغوي في بعض المواضع إلى إضعاف البعد الجمالي للنص، رغم ما يتيحه من سهولة في التلقي. كما يُسجّل أحيانًا تشتّت الإيقاع السردي نتيجة تعدد الشخصيات وتشابك الأحداث، مما قد يُربك القارئ في تتبع الخيط العام للرواية.

ومع ذلك، تبقى هذه الملاحظات جزئية، لا تنقص من القيمة الفنية للعمل، بقدر ما تفتح أفقًا لقراءته قراءة نقدية أكثر عمقًا وتوازنًا.

يمكن القول إن الدكتور يحيى خير الله قد نجح في تشييد عملٍ روائيٍّ متماسك، تتضافر فيه عناصر الجذب والتشويق مع عمق الرؤية وثراء الدلالة، بما يجعل القارئ منخرطًا في تجربة سردية آسرة لا فكاك منها. فقد أحسن بناء نصّه وفق أسس فنية وتقنية راسخة، صاغ من خلالها عالمًا تنصهر فيه آلام الإنسان العربي وتطلعاته، ضمن رؤيةٍ تجمع بين واقعية نابضة وخيالٍ مبدع.

كما تميّزت الرواية بقدرتها على تحقيق توازنٍ دقيق بين الصياغة الجمالية والبناء السردي، في إطارٍ وصفيٍّ حواريٍّ يستمد جذوره من الواقع، ويستثمر الخيال في تعميق الدلالة، ضمن زمنٍ ومكانٍ يتقاطع فيهما صفاء الريف وبساطته مع صخب المدينة وتناقضاتها. وبهذا، تؤكد الرواية حضورها كعملٍ مميز في سياق الرواية العربية المعاصرة، بما تحمله من فرادةٍ في الطرح وإتقانٍ في الصياغة، يضعها في مصافّ الأعمال التي تستحق القراءة والتأمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى