

ليست الأوطان حقائب يحملها المسافرون إلى المقاهي، ثم يفتحونها كلما سألهم عابرٌ عن حقهم في الطمأنينة؛ وليست محبة البلاد عبوساً دائماً، ولا الوفاء لها امتناعاً عن الضحك حتى تنتهي أحزان العالم. ثمة لحظات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف خللاً كبيراً في طرائق النظر إلى الإنسان: فنجان على طاولة، وأسرة تستريح، وغريب يتوهّم أن له حق محاكمة الجالسين باسم وطنهم. من هذه المفارقة ينسج فرحات جنيدي قصته «سعودي في الحسين»، جاعلاً من المقهى مسرحاً مصغّراً لسؤال بالغ الاتساع: بأي حق يتحوّل انتماء الإنسان إلى تهمة، وتغدو راحته دليلاً يُستعمل ضده؟
تبدأ القصة من جسد منهك: «أرهقني التعب، ولم تعد قدماي تستطيعان حمل جسدي رغم انخفاض وزنه». وهذه بداية تمنح الحاجة إلى الراحة مشروعيتها قبل أن ينشأ الصراع حولها؛ فالراوي لا يدخل المقهى طلباً لموقف أو بحثاً عن خصومة، بل التماساً لمأوى. هكذا يسبق الجسدُ الخطابَ، وتسبق الحاجةُ الإنسانيةُ التصنيفَ الوطني. وما سيحدث لاحقاً ليس مجرد إفساد لجلسة هادئة، بل اعتداء على ذلك الحق الأول الذي جاءت الافتتاحية لتثبته: حق المتعب في أن يجلس، وحق الإنسان في ألّا يقدّم مرافعة عن نفسه كلما شرب قهوته.
ولا يأتي حي الحسين في النص عنواناً جغرافياً محايداً؛ إنه يتشكّل، من خلال وصف الكاتب، بوصفه مكاناً تتكاثف فيه الذاكرة. فالمقهى «عتيق»، والحواري «قديمة»، والمصري «يستند إلى جدار الألفية». بهذه الإشارات يستدعي السرد زمناً أوسع من زمن الحادثة، حتى يبدو أن المشادة العابرة تجري داخل مكان يعرف من أحوال البشر أكثر مما يعرفه المتخاصمون.
واللافت أن التاريخ يحضر هنا مرتين: مرةً في هيئة جدران تستقبل الجميع، ومرةً في هيئة خطاب يستدعيه الطفل دفاعاً عن جماعته. بين الحضورين تتحرك القصة: تاريخ يؤوي، وتاريخ يُحتجّ به.
وتكتسب عبارة «كان العالم يتقاسم الطاولة ذاتها» قيمتها من هذا الأفق. فالمصري واليمني والعراقي والسعودي لا يظهرون، في البداية، أطرافاً في منافسة، بل وجوهاً متجاورة تتسع لها استراحة واحدة. غير أن الكاتب يمنح كل وجه علامة كثيفة: جدار الألفية، وحزن صنعاء، ورشفة الهيل. وهي علامات تختصر مسافات واسعة في تفاصيل حسية قليلة؛ فالشراب يصل ما تباعد، والكراسي تتقارب قبل أن تنطق الشخصيات. ومع ذلك، تحمل هذه الكثافة احتمالها النقدي أيضاً: إذ يوشك الإنسان أن يصبح ممثلاً لبلده أكثر من كونه فرداً له ملامحه الخاصة. وتلك مفارقة مهمة، لأن النص الذي يقاوم اختزال السعودي في صورة جاهزة يستعين، في افتتاحيته، بصور وطنية مكثفة لبناء مشهده.
أما الغريب، فيدخل من باب القطيعة. إنه لا يشارك الآخرين الطاولة، بل «يتوقف فوق رؤوسهم»؛ وفي هذه العبارة وحدها رسم دقيق لعلاقة القوة التي يريد فرضها. موقعه الجسدي يترجم موقفه النفسي: يقف ليحاكم، لا ليحادث، وينظر إلى الحاضرين ليستجدي ضحكتهم، لا ليطلب معرفتهم. لذلك لا يكون سؤاله «من أين أنتم؟» سؤال تعارف بريئاً، بل تمهيداً لتحويل الهوية إلى مادة للتشهير. إنه يريد جمهوراً قبل أن يريد جواباً، ويبحث عن ضحية تضمن له تفوقاً عابراً أمام الآخرين.
ويبلغ المشهد دقته الأخلاقية في جواب الرجل الأكبر: «من السعودية.. أعزّك الله». فالدعاء بالعزة يسبق محاولة الإذلال، ويصنع مقابلة لا تحتاج إلى شرح: أحدهما يبدأ بصيانة مقام مخاطبه، والآخر يردّ باستباحة مقام الجالسين. ومن هنا تصبح القضية أعمق من تبادل كلام بين شخصين؛ إنها مواجهة بين تصورين للعلاقة بالآخر: تصور يجعل الاحترام أصلاً، وآخر يتخذ من الألم العام ذريعة لإلغاء الاحترام الشخصي.
وتقوم مغالطة الغريب على افتراض أن الخطر الذي يصيب بلداً ينبغي أن يبتلع حياة أبنائه كلها، وأن الضحك لا يمكن أن يتجاور مع القلق، ولا الراحة مع الوفاء. لكن القصة تتيح لقارئها أن يرفض هذا الافتراض قبل أن يسمع جواب الطفل؛ فلا شيء في المشهد يثبت أن الجالسين غافلون أو متخلون عن واجب. كل ما نراه أنهم يشربون القهوة. وهنا يكمن اعتداء النظرة المتعجلة: إنها تزعم معرفة الضمائر من مظهر عابر، ثم تمنح نفسها سلطة العقاب. ولذلك فإن الكرامة هي مركز النص الأعمق؛ كرامة الإنسان في ألا يُختزل، وألا يصبح مطالباً بإثبات استحقاقه لحياة عادية.
ويحسن الكاتب توظيف الصوت والصمت في نقل هذا الاعتداء من مستوى المعنى إلى مستوى الإحساس. كانت الأوتار والضحكات والفناجين تصنع إيقاع المكان، ثم جاءت العبارة الجارحة لتقطع هذا الإيقاع دفعة واحدة. يتوقف العازف، ويُوضع الفنجان ببطء، ويصبح صفير الريح مسموعاً. كأن الإهانة لم تصب شخصاً بعينه، بل عطّلت قدرة المقهى كله على التنفس. وهنا يؤدي العازف الضرير دوراً يتجاوز تزيين المشهد؛ فهو يشارك في تسجيل اضطرابه وعودة سكينته، من غير أن يحتاج إلى رؤية الوجوه. يصغي الجسد إلى ما قد تعجز العين عن فهمه.
ثم ينهض الطفل بالكلام، لا بالجسد وحده. واختياره للرد يصنع المفارقة الأبرز: الأصغر سناً هو الأقدر، في منطق القصة، على ضبط الموقف، بينما يبدو الرجل البالغ أسير اندفاعه واستعراضه. وتمنح عبارة «اتساع الصحراء وهيبة القرون» الطفل حجماً رمزياً يتجاوز عمره؛ إنه لا يتكلم بوصفه فرداً صغيراً فحسب، بل بوصفه مستقبلاً يحمل ذاكرة. ومع ذلك، فإن هذه الرفعة البلاغية تضع الشخصية على الحد الفاصل بين الطفل الممكن والرمز المصنوع؛ ففصاحته وثقته واسترسال استدعائه للتاريخ تجعله أقرب إلى لسان الفكرة منه إلى شخصية تتكشف تلقائيتها أمامنا.
وهذه ملاحظة لا تنتقص من حرارة المشهد، بل تحدد طبيعة إنجازه. فالقصة تنحاز إلى الوقع الخطابي وإلى لحظة الرد الحاسم أكثر من انحيازها إلى التردد النفسي والتفاصيل اليومية. الطفل هنا يؤدي وظيفة البطل البلاغي الذي يردّ الخلل إلى نصابه، ويمنح القارئ إشباعاً أخلاقياً سريعاً. غير أن قراءة أعمق تستطيع أن تتساءل: هل كان دفاعه سيصبح أقل قوة لو احتفظ بشيء من ارتباك عمره؟ لعل ارتجافة صغيرة، أو عبارة أقل اكتمالاً، كانت ستزيد صدقه الإنساني من غير أن تنقص هيبته.
وتقوم خطبته على تكرار «سل»، بما يحوّل التاريخ إلى سلسلة من الشهود المستدعين إلى مجلس المحاكمة. لم يعد الغريب هو صاحب السؤال؛ انتقلت سلطة الاستفهام إلى الطفل، وصار المتهم محاوراً يطالب خصمه بأن يراجع مصادر حكمه. لكن هذا الانتقال يفتح توتراً يستحق الانتباه: فالعبارة الأولى تقول إن التاريخ لا يُقرأ في رشفة قهوة، ثم يمضي الرد إلى استحضار أمجاد التاريخ لإثبات بطلان الإهانة. كأن النص يرفض المعيار الذي اختاره المستفز، ثم يعود إلى مجادلته داخل بعض حدوده.
ومن هنا يمكن التمييز بين الاعتزاز المشروع بالميراث، وتحويل الميراث إلى شرط لاستحقاق الاحترام. فالإحالات إلى الروم والكسروية وفتح المدن تعمل في القصة بوصفها ذاكرة بطولية مستحضرة، لا بوصفها بحثاً تاريخياً مفصلاً؛ كما أن وصلها بالهوية الوطنية المعاصرة يظل بناءً رمزياً يحتاج إلى ألّا يُقرأ باعتباره تطابقاً بسيطاً بين أزمنة مختلفة. والأهم أن كرامة الجالسين لا تتوقف، أصلاً، على مقدار ما يستطيعون استدعاءه من انتصارات الأسلاف. كان حقهم في الاحترام قائماً قبل الخطبة، وسيبقى قائماً لو لم ينطق الطفل بكلمة واحدة.
لهذا تبدو عبارة «إن سكتنا فللحلم، وإن جلسنا فللسلم» أكثر اتصالاً بجوهر القصة من تعداد المآثر. ففيها استعادة لمعنى السلوك نفسه: الصمت ليس بالضرورة عجزاً، والجلوس ليس تخاذلاً، والهدوء ليس فراغاً من القوة. وهي، بتوازنها الإيقاعي، تقابل بين ظاهر الفعل وباطنه، وتطالب القارئ بالتريث قبل الحكم. غير أن عبارة «الرجال تُعرف في الميادين» تترك بدورها سؤالاً مفتوحاً: أليست القدرة على حفظ الكرامة في المقهى، ومنع الكلام من التحول إلى عنف، ميداناً أخلاقياً أيضاً؟ ربما كانت أعمق بطولة في المشهد أن أحداً لم يحتج إلى رفع يده كي يستعيد حقه.
وينتهي السرد بانسحاب الغريب وعودة الموسيقى، في بناء دائري يستأنف فيه المكان حياته بعد انقطاعها. لكنها عودة ليست مطابقة للبداية؛ فقد صار الفنجان مشحوناً بالدلالة، وأصبح اللحن ترميماً لما كاد ينكسر. أما «أساور التاريخ» التي تلمع في الخاتمة، فتنقل صورة الأساور من خطاب الطفل إلى أفق المقهى، كأن اللغة تركت في المكان أثراً مرئياً. إنها خاتمة شديدة الشعرية، وإن كانت تؤكد انتصار الرمز أكثر مما تفتح مصير الشخصيات على احتمالات جديدة.
ويبقى أن الراوي، الذي دخل من باب التعب، يتراجع بعد ذلك إلى موقع الشاهد، فيما تتقدم الجماعة والمكان والطفل لاقتسام البطولة. ويمكن قراءة هذا التراجع على أنه انتقال من حاجة فردية إلى امتحان مشترك: جاء ليستريح بجسده، فشهد ما يتطلب يقظة الضمير. كما يمكن ملاحظة أن غيابه عن الفعل يحرم القصة من استثمار تحوله الداخلي؛ فنحن نعرف ما حدث أمامه أكثر مما نعرف ما تغير فيه.
في المحصلة، يكتب فرحات جنيدي نصاً يستمد أثره من دفء المكان، وقوة المفارقة، وإيقاع اللغة، ورغبة واضحة في رد الاعتبار إلى إنسان أُسيء تأويل سكينته. وأجمل ما تتيحه «سعودي في الحسين» ليس أن نغادرها مفتونين بإسكات الخصم، بل أن نخرج منها أقل استعداداً لصناعة خصم من عابر لا نعرفه. فالقهوة لا تحتاج إلى شهادة بطولة كي تصبح مباحة، والضحكة لا تنقض الوفاء، والوطن لا يسكن الوجوه المتجهمة وحدها. وفي ذلك المقهى، حيث انقطعت الموسيقى ثم عادت، يمكن أن نسمع مغزى أبقى من وقع المرافعة: أن قوة الذاكرة تبلغ نبلها حين تحمي الإنسان، لا حين يصبح الإنسان مضطراً إلى استعراضها كي يُسمح له أن يعيش.




