رحيل “ريتا” محمود درويش: الحب المستحيل..وتَعذُّر اللقاء ساعة

رحيل “ريتا” محمود درويش: الحب المستحيل..وتَعذُّر اللقاء ساعة
ذكرت وسائل إعلام أن تمار بن عامي، المعروفة باسم “ريتا” في قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، رحلت بعد صراع مع المرض، لتطوى برحيلها صفحة من قصة حب مستحيل كُتب عنه الكثير، وبقي يحمل الكثير من الألغاز.
نظم محمود درويش قصيدته “ريتّا والبندقية” العام 1967 من ديوان “آخر الليل”، إبان وجوده على أرض وطنه المحتلّ ضمن “أراضي 48″، وهو كان رُحِّلَ في العام 1948 عن قريته “البروة” مع أفراد عائلته إلى لبنان، ثم عادوا مع النَّازحين إلى وطنهم، وأقاموا في قرية جديدة-قضاء عكَّا، القريبة من البروة، وعُرف كشاعر شاب بين مجموعة الشعراء والكتّاب أعضاء الحزب الشيوعي الإسرائيلي ثنائي القومية.
وسط الهجرة والمنفى والشعر، قيل أنّ قصيدة “ريتا” هي عن “حبّ أول” لامرأة يهودية .
قبِلتني الأم ورفضني الأب”
تصريحات درويش بشأن ريتا متضاربة متناقضة؛ فمرة أعلن أنها مجرّد اسم فنّي، ومرة أخرى اعترف أن الاسم مستعار لشخصية حقيقية.
قال درويش في حوار صحافي: “هي علاقة إشكاليّة دائماً. إشكاليّة دائماً خصوصاً مع أهل الفتاة. أهلنا بالطبع لا يدرون شيئاً عن حياتنا العاطفيّة. وليس هذا حال أهل الفتاة. مواقف الأهل كانتْ تختلف باختلاف مصادرهم وتربيتهم الأيديولوجيّة. أحببت مرّة فتاة لأب بولندي وأمّ روسيّة. قبِلتني الأمّ ورفضني الأب. لم يكن الرفض لمجرّد كوني عربيّاً.
وفي العام 1997، ألحَّت عليه الصحافية الفرنسية، لور إدلر، خلال مقابلة تلفزيونية كي تعرف حقيقة “ريتا”، فأجاب: “إذا كان يريحك أن أعترف بأنّ هذه المرأة موجودة، فهي موجودة أو كانت موجودة. تلك كانتْ قصة حقيقية محفورة عميقاً في جسدي… في العلاقة كنا متحررين من الأسماء، ومن الهويات القومية ومن الفوارق، لكن تحت الشرفة هناك حرب بين الشعبين”.
ذلك لن يثقل فقط على القلب، لكن على الوعي أيضاً. حرب 67 خلّفت قطيعة عاطفيّة في علاقات الشبّان العرب والفتيات اليهوديّات”.
بعد أكثر نصف قرن من ذِكرها في أشعاره، فُتح الستار، وأعلنت ريتا عن نفسها في الفيلم الوثائقي “سجل أنا عربي” العام 2014.
هذه المرة، ظهرت ريتا في الفيلم، الراقصة اليهودية المولودة في حيفا لأب وأم مهاجرين من روسيا وبولندا، تامار أو تاماراي أو تماري بن عامي، وكانت تبلغ الثامنة والستين من عمرها وقت تصوير الفيلم. بدأت قصة الحبّ عاصفة مشبوبة، بعدما رآها محمود في يوم من أيام العام 1965 وهي تشارك في جوقة أو كورال الشبيبة التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي كانت أنشطته متنفساً في ذلك الوقت للعمل السياسي المعارض للصهيونية، وكان محمود درويش عضواً فيه قبل استقالته، لينشأ بينهما حبّ من “أول نظرة”. ثم كان الافتراق والتخلّي بعد حرب 1967.
الفيلم الذي تعتبره مخرجته ابتسام مراعنة “وثائقياً”، يتناول محطات في مسيرة محمود درويش، عن طريق قصتي حبّ دراميتين. الأولى لامرأة يهودية، والثانية لابنة شقيق الشاعر نزار قباني الدبلوماسي السوري صباح قباني. ويحاول الفيلم إظهار التوتر المزدوج في حياته، الأول مرتبط برومانسيته وعشقه للجمال، والثاني رمزية المقاومة الفلسطينية في شعره. وإنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما، لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب.
ظلّ يظهر لها في المنام
وتوضح تماري في الفيلم أنها حفظتْ حبّها السرّي لمحمود درويش نحو 50 عاماً لاعتباره شأنا خاصاً مرتبطاً بحب “مستحيل” بين عربي فلسطيني ويهودية إسرائيلية. بعد ست سنوات على رحيل درويش، تجرأت تماري على فتح صندوقها الخشبي الذي أودعت فيه قطعة ثمينة وغالية من حياتها. وتعترف تماري في الفيلم أنّ هذه الجزئية من عمرها كانت صاخبة وأن قراءة الرسائل من جديد عملية موجعة وقاسية خصوصاً بعدما “أدركنا أننا عالقين. محمود ليس علاقة عابرة في حياتي، ومن بين كافة علاقاتي كان الوحيد الذي أحلم به حتى اليوم ولطالما تخيلت مولوداً مشتركاً لنا، ومحمود الشخصي والقومي ما زال يظهر لي في المنام”.
وعرض الفيلم للمرّة الأولى عدداً من خطابات الحبّ التي كتبها درويش إلى حبيبته تماري. وانقطعت العلاقات بين العاشقين لسنوات، وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي عادا والتقيا في باريس لقاءً انفعالياً .
كان مفاجئاً لدرويش أن تخرج تماري بن عامي عن صمتها الطويل، لتجري حوارات صحافية وتلفزيونية تكشف فيها قصة حبهما للجمهور الإسرائيلي الذي عرفها راقصة ومطربة شاركت في بعض الأغنيات الداعمة للجيش الإسرائيلي، لتؤكد في حواراتها أنّ محمود درويش الذي عرفته وأحبّته لا يمكن أن يوافق على إبادة اليهود، وأنه مؤمن بالسلام والتعايش، وهو ما جعل درويش يتصل بها ليشكرها على موقفها، ويدعوها لكي يلتقي بها في باريس، بعد أكثر من عشرين سنة من القطيعة بدأت بعد خروجه إلى منفاه الاختياري في القاهرة ثمّ إلى بيروت وأخيراً إلى باريس.
دعاها لباريس..ولم يفتح لها الباب
تعترف تامار بن عامي أنها لم تتردّد في تلبية الدعوة فوراً، لتطير إلى باريس، وحين وصلت إليها في تشرين الأول 1989، أخذت تتصل بالرقم الذي أعطاها إيها محمود لمدة أسبوع، فلم تجدْ أحدًا، بل ردّت عليها في إحدى المرات سيدة قالت لها إنه غير موجود، لكنها لم تيأس وظلت مقيمة في باريس في انتظار مكالمته. وعندما سألتها المخرجة لماذا فعلت ذلك، ولم تغضب لنفسها بسبب تجاهله، قالت بانفعال “لأنني أحببته”. والتقى بها درويش في منزله، الذي لاحظت حين وصوله أنه كان في عمارة بدا أنها تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكنها وصفت اللقاء بأنه كان لقاءً فاتراً ومربكاً، وقطعه اتصال بين محمود درويش وياسر عرفات لم تفهم ما دار فيه لأنهما تحدثاً بالعربية، لكنها شعرت أنه اتصال متوتّر، خصوصاً أنّ اللقاء انتهى سريعاً بعد ذلك على أمل لقاء ثانٍ قريب.
وتقول تامار في الفيلم إنها عادت لتقيم في فندقها بعدما اتفقا على اللقاء في اليوم التالي، لكن محمود لم يفتح الباب وحينما هاتفته من تلفون عمومي أنبأها بعدم قدرته على لقائها وتتابع: “حينما حاولت أن أفهم السبب دخل في حالة ضغط ودعاني لنسيان الرومانسية وقال لي: أنت لست حبيبتي…فبكيتُ كثيرًا”. وتستنتج بعد ذلك أنه ربما تلقى تحذيرات من قادة منظمة التحرير بألا يلتقي بها، لأن ذلك يمكن أن يستغل ضده وضد القضية الفلسطينية. لكنها، مع ذلك، قررت أن ترسل إليه رسالة أخيرة، تقول فيه إنها حزينة لأنها طلبت منه أن يلتقيها للمرة الأخيرة لساعة بعد 25 سنة من الغياب، معترفة أنها لا تدرك حتى الآن كيف تجرأت على أن تطلب منه أن يلتقيها ساعة واحدة فقط، لكن الرسالة لم تصل محمود: “كان ذلك عند الخامسة مساء وطلبت أن التقيك لساعة لمجرد رؤيتك. طلبت أن نلتقي للمرة الأخيرة.. لساعة بعد 25 سنة. إن طلبت أكثر من ساعة فمنك السماح. كيف تجرأت على الاكتفاء للقائك مدة ساعة فقط، فالسماء وقتها كانت تمطر طيلة ساعة” (15.10.89). ليكون ذلك المشهد الأخير في قصة حبهما.
حسم الفيلم هوية ريتا، ولم يكن من السهل على بعض القراء والسامعين العرب أن يهضموا حبّاً بين شاعرهم الفلسطيني “المقاوم” وفتاة يهوديّة إسرائيليّة: محمود درويش لم يكن لمحبيه شاعراً فحسب، لقد أراده بعضُهم زعيماً، ممثلاً ورمزاً ثقافياً .
والجدير بالذكر ان الشاعر الفلسطيني محمود درويش تزوج مرتين خلال حياته ولم ينجب اطفالا . وانتهت كلتا التجربتين بالانفصال، حيث فضّل العزلة لاحقاً ووصف نفسه بـ “مدمن الوحدة”.
الزوجة الأولى: الكاتبة السورية رنا قباني (ابنة شقيق نزار قباني) عام 1973، وانفصلا بعد حوالي أربع سنوات.
الزوجة الثانية: المترجمة المصرية حياة الهيني، وتزوجها في منتصف الثمانينيات ولم يدم سوى عاما واحدا .




