سرد بلا حدود بين شريهان و محمد بن راشد سؤال لم يبرأ

سرد بلا حدود
بين شريهان و محمد بن راشد سؤال لم يبرأ
بقلم: السيد حافظ
هناك أسئلة في حياتنا لا تبحث عن إجابات، لأنها ولدت لتظل أسئلة. وكلما مر الزمن ازدادت غموضًا، حتى تصبح جزءًا من السيرة الشخصية، لا من التاريخ.
ومن بين هذه الأسئلة سؤالان لازما ذاكرتي سنوات طويلة، وما زلت حتى اليوم لا أملك لهما تفسيرًا.
كنت أكتب مسرحية «أنا ماليش حل» مع المخرج العبقري سيد راضي، فإذا به يطلب مني أن أحول النص من بطولة رجالية إلى بطولة نسائية. عدت إلى بيتي، وانغمست في إعادة كتابة المسرحية، ولم يستغرق الأمر سوى يومين أو ثلاثة حتى كان النص الجديد جاهزًا.
قال لي سيد راضي، وهو يبتسم بثقة:
“المسرحية ستكون لشريهان… اتصلت بها، وموعدنا غدًا الساعة التاسعة مساءً في فيلتها بالمنصورية.”
خرجت من عنده وأنا أشعر أن بابًا جديدًا يوشك أن يُفتح أمامي. اشتريت بدلة جديدة من أحد محال شارع طلعت حرب، وقميصًا وربطة عنق وحذاءً جديدًا، وكأنني أتهيأ لليلة قد تغير مسار حياتي.
لكن، بينما كنت أستعد للقاء، كانت الأسئلة تدور في رأسي: هل سأستطيع التعايش مع المسرح التجاري؟ هل سأكتب الضحك من أجل الضحك؟ لقد كتبت المسرح التاريخي، والاجتماعي، والسياسي، والكوميديا الهادفة، وكوميديا الموقف، لكنني لم أكتب يومًا كوميديا الفارس التجارية.
جلست في كافتيريا فندق شهرزاد بالعجوزة منذ الثامنة مساءً في انتظار سيد راضي. دقت التاسعة، ثم العاشرة، ثم الحادية عشرة، واتصلت به مرارًا، فلم يجب.
انتظرت حتى الواحدة بعد منتصف الليل.
ركبت سيارتي التويوتا موديل 1983، وتوجهت إلى مكتبه في شارع أحمد عرابي. وجدته جالسًا وسط عدد من الفتيات الصغيرات الحالمات بالسينما والمسرح والنجومية.
دخلت غاضبًا.
فابتسم وهو يقول: “جاء عبقري المسرح.”
قلت: “كان بيننا موعد.”
قال ببساطة: “نسيت يا بابا… لكن شريهان أخذت الورق وستقرأه.”
توقفت مذهولًا وقلت: “أي ورق؟ النسخة الوحيدة معي.”
ابتسم وقال: “ما أنا حافظ المسرحية يا بابا.”
خرجت وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة: هل قرأت شريهان المسرحية فعلًا؟ أم أن الحكاية كلها كانت وعدًا تبخر في الهواء؟
بعد سنوات، تكرر المشهد بصورة تكاد تكون مطابقة، ولكن هذه المرة في دبي.
كان بطل الحكاية سيف المري، عبقري الصحافة الإماراتية، الرجل الذي منحني فرصة لم تمنحها لي مصر ولا العراق ولا الكويت ولا غيرها، حين اختارني مديرًا لتحرير مجلتي الشاشة والمغامر في وقت واحد.
كان يؤمن بالأحلام الكبيرة، وحول مؤسسة الصدى إلى مؤسسة تصدر عشر مجلات في وقت واحد، في تجربة صحفية عربية نادرة. واستطعت خلال تلك الفترة أن أستقطب نخبة من كبار المبدعين العرب للكتابة في هذه الإصدارات، قبل أن تتعثر التجربة بفعل الخلافات والمؤامرات.
في تلك الأيام، كنت أعمل مع سيف المري على مشروع ثقافي كبير، وأحمل في رأسي عشرات الأفكار، من بينها مشروع قناة تلفزيونية ثقافية عربية، كنت قد بدأت أفاتح الفنان الكبير نور الشريف في بعض تفاصيلها، وكنت أفكر أيضًا في أن يقدم نجوم كبار، مثل يسرا، برامج ثقافية تجعل المعرفة قريبة من الناس.
وفي أوج نجاح المؤسسة، تقرر أن يزور الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المؤسسة، ويلتقي بمديري التحرير.
لكنني لم أعرف شيئًا عن الموعد.
في صباح اليوم التالي، فوجئت بالأستاذ محمد بن سعود، مدير العلاقات العامة، يسألني:
“لماذا لم تحضر لقاء الأمس؟”
قلت بدهشة: “أي لقاء؟”
قال: “الشيخ محمد بن راشد كان هنا… واجتمع بجميع مديري التحرير، وأنت الوحيد الذي لم يحضر.”
دخلت إلى مكتب سيف المري وسألته:
“لماذا لم تدعني؟”
فقال في هدوء: “نسيت.”
ثم أضاف: “وعلى فكرة… عرضت على الشيخ مشروع القناة الثقافية الذي كنت تريده، لكنه لم يوافق.”
خرجت من مكتبه، وأنا أحمل صمتًا أثقل من الكلام.
بعد قليل، دعاني محمد بن سعود إلى فنجان قهوة في مقهى قريب من المؤسسة.
قال لي: “أنا أعرف ما يدور في رأسك.”
قلت: “كنت أريد أن أطرح مشروعات ثقافية للمؤسسة ولدبي.”
فقال: “أعرف… لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.”
سألته: “وماذا قال مديرو التحرير؟”
فأجاب: “لم يتكلم أحد. تحدث الشيخ محمد بن راشد أكثر من نصف ساعة، ثم سألهم: هل لدى أحدكم شيء يقوله؟ فلم يتحدث أحد.”
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، أعود إلى السؤال نفسه.
لماذا لم يدعني سيد راضي إلى لقاء شريهان، رغم أن الحديث كان عن مسرحيتي؟
ولماذا لم يدعني سيف المري إلى لقاء الشيخ محمد بن راشد، رغم أن لدي مشروعًا ثقافيًا كنت أؤمن به؟
هل كان الأمر مجرد نسيان، كما قال الاثنان؟
أم أن هناك أسبابًا أخرى لم أعرفها؟
لا أتهم أحدًا، ولا أبحث عن إدانة أحد، لكنني أتأمل مفارقة عجيبة: في لحظتين كان يمكن أن تكونا من أهم لحظات حياتي المهنية، كنت أنا الغائب الوحيد.
ربما كانت الصدفة.
وربما كان القدر.
وربما كانت الحياة تريد أن تعلمني أن ليس كل باب يُفتح أمامك يعني أنك ستعبره.
هكذا بقيت الحكايتان في ذاكرتي، لا كحكايتين عن فرصة ضائعة، وإنما كسؤالين كبيرين، ما زلت أكتبهما حتى اليوم…
لماذا؟
السيد حافظ
القاهر.
…..
رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي
إذا قرأت النص قراءة تفكيكية عميقة، فسأقول إنك لم تكتب عن حادثتين في حياتك، بل كتبت عن بنية الغياب التي تحكم السيرة كلها.
النص لا يروي ذكريات، وإنما يهدم مفهوم “السيرة الذاتية” نفسه. فالسيرة التقليدية تقوم على الوقائع والنتائج: حدث كذا، فكانت النتيجة كذا. أما هنا، فإن الحدث ينهار قبل أن يكتمل. اللقاء لا يقع، والفرصة لا تتحقق، والحقيقة لا تُعرف. وهنا تبدأ التفكيكية.
في القراءة التفكيكية، لا يكون مركز النص شريهان أو سيد راضي أو سيف المري أو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بل كلمة واحدة تتكرر مرتين: «نسيت». وهذه الكلمة ليست تفسيرًا، بل علامة على انهيار التفسير. إنها تؤجل الحقيقة ولا تكشفها، فتتحول من جواب إلى سؤال.
ومن هنا تنقلب العلاقات داخل النص. فالشخصيات ليست شخصيات مستقلة، بل تؤدي الوظيفة نفسها. سيد راضي وسيف المري لا يمثلان شخصين مختلفين، بل يتكرران كبنية واحدة؛ حتى إن الحدثين يتطابقان: وعد، انتظار، غياب، تبرير، ثم سؤال بلا جواب. وكأن النص يقول إن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأقنعة مختلفة.
وهناك مستوى أعمق. فأنت في النص لست الضحية ولا البطل. أنت الشاهد. والشاهد لا يمتلك الحقيقة، بل يشهد على استحالة الوصول إليها. ولذلك فإن النص يقاوم الإدانة، ولا يمنح البراءة. إنه يترك الجميع داخل منطقة رمادية، وهي المنطقة التي تحبها التفكيكية لأنها تهدم الثنائيات الجاهزة: صادق/كاذب، نسيان/تعمد، نجاح/فشل.
كما أن النهاية لا تغلق السرد، بل تنسفه. عندما تقول: «ربما كانت الصدفة… وربما كان القدر…» فإنك لا تقدم احتمالين، بل تهدم الاثنين معًا، لأن كل احتمال ينقض الآخر. وهكذا يصبح النص معلقًا بين معنيين لا ينتصر أحدهما، ويظل المعنى مؤجلًا.
ومن أجمل ما في النص أن الشخصيات الكبرى تتراجع تدريجيًا حتى تختفي، بينما يتضخم السؤال الأخير: «لماذا؟». في البداية يبدو أن شريهان والشيخ محمد بن راشد هما محور الحكاية، لكن مع التقدم في القراءة يكتشف القارئ أن وجودهما ليس إلا أثرًا عابرًا، وأن البطل الحقيقي هو السؤال نفسه. وهذا قلبٌ لمركز النص؛ فالأشخاص يصبحون هامشًا، بينما يتحول السؤال إلى المركز.
ومن منظور Deconstruction، فإن النص لا يبحث عن الحقيقة، بل يكشف أن الحقيقة نفسها مؤجلة، وأن الذاكرة لا تستعيد الماضي كما وقع، بل تعيد إنتاجه بوصفه شبكة من الاحتمالات والفراغات. لذلك فإن قيمة النص ليست في معرفة ما إذا كان ما حدث نسيانًا أم إقصاءً، وإنما في أن هذا الغموض ظل حيًا في الذاكرة حتى صار هو الحدث الحقيقي.
لهذا أرى أن النص يتجاوز كونه مذكرات شخصية؛ إنه نص عن الغياب بوصفه قوة تصنع المصير، وعن السؤال بوصفه بطل السيرة، وعن المعنى الذي كلما اقتربنا منه، ابتعد خطوة أخرى. وهذه، في تقديري، هي أكثر طبقاته عمقًا.




