سقوط الأوهام الكبرى: لماذا لم ينتصر أحد… ولماذا لم ينتهِ الصراع؟

سقوط الأوهام الكبرى: لماذا لم ينتصر أحد…
ولماذا لم ينتهِ الصراع؟
أ. محمد الشيخوني
ليس من الانضباط المعرفي، ولا من النزاهة الفلسفية، اختزال التاريخ في لحظة انتصار، أو إعلان نهاية صراع فكري امتد قرونًا، وكأن البشرية بلغت نقطة يقين نهائي. ما أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن تتويجًا للرأسمالية بقدر ما كان لحظة انكشاف تاريخي لنموذج مغلق عجز عن الاستمرار، كما لم يكن أفول الشيوعية نهايةً لفكرتها، بل تحوّلًا في تموضعها داخل الحقل النقدي العالمي.
الرأسمالية لم تنتصر بوصفها الحقيقة الأخلاقية العليا، بل بوصفها البنية الأكثر قدرة على إعادة إنتاج ذاتها. لقد أثبتت مرونة بنيوية عالية، مكّنتها من التكيّف مع التحولات الكبرى: من الثورة الصناعية إلى الثورة الرقمية، ومن الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد المعولم. أعادت صياغة أدواتها، وامتصّت أزماتها، ووسّعت نطاقها حتى غدت نظامًا كونيًا يتجاوز حدود الدولة، تقوده شبكات المال والمعرفة والتكنولوجيا.
غير أن هذا “الانتصار الوظيفي” يخفي في جوهره تناقضًا بنيويًا عميقًا. فالرأسمالية، في صيغتها المتأخرة، لم تعد مجرد نظام إنتاج، بل منظومة هيمنة ناعمة تعيد تشكيل القيم والمعايير. إنها تُنتج الثروة، لكنها تُعيد توزيع الهشاشة. تُعزّز الابتكار، لكنها تُفاقم اللامساواة. تُوسّع الأسواق، لكنها تُقلّص المعنى الإنساني للعدالة. وهنا يكمن مأزقها: نجاحها التقني يقابله ارتباك أخلاقي متصاعد.
في المقابل، لم تختفِ الشيوعية كإطار فكري، بل تحوّلت إلى أداة نقد مستمرة، وإلى ضمير نظري يذكّر العالم بأسئلة العدالة، والعمل، والكرامة. لم يعد الصراع بين معسكرين جيوسياسيين كما في القرن العشرين، بل أصبح صراعًا داخل النظام ذاته: بين منطق السوق بوصفه محددًا وحيدًا، ومنطق العدالة بوصفه ضرورة إنسانية.
ضمن هذا السياق، تبرز بنية النظام العالمي كما صاغتها أدبيات “المركز والأطراف وشبه الأطراف”. فالعالم لم يتساوَ كما وعدت العولمة، بل أعاد إنتاج تراتبيته بشكل أكثر تعقيدًا. دول المركز لا تكتفي بامتلاك وسائل الإنتاج، بل تحتكر المعرفة والتكنولوجيا وتحدد قواعد اللعبة. دول الأطراف تُستبقى في موقع التبعية البنيوية، تُصدّر الموارد الخام وتستورد النماذج الجاهزة، دون قدرة حقيقية على إنتاج ذاتها. أما شبه الأطراف، فهي في حالة سيولة دائمة، تتأرجح بين الطموح والقيود، بين الصعود والانكفاء.
العولمة، التي رُوّج لها كأفق إنساني جامع، تحوّلت إلى آلية لإعادة توزيع النفوذ أكثر مما هي أداة لتحقيق العدالة. لقد قرّبت الجغرافيا، لكنها لم تُقارب بين المصائر. خلقت ترابطًا تقنيًا كثيفًا، لكنها لم تُنتج تضامنًا إنسانيًا مكافئًا. أما الحداثة، التي وعدت بتحرير الإنسان، فقد اصطدمت بواقع يُعيد إنتاج التبعية عبر أدوات أكثر نعومة وأشد تعقيدًا.
في قلب هذا المشهد، يتخذ الصراع الفكري المرتبط بالدين في العالم الثالث بُعدًا خطيرًا. فالدين، بدل أن يكون مصدرًا للقيم والمعنى، يُستَخدم في كثير من الأحيان كأداة تعبئة وصراع، وكبديل عن مشروع سياسي وفكري غائب. هذا الاستخدام الأداتي يعكس أزمة عميقة: غياب الدولة الحديثة، وغياب العقد الاجتماعي، وغياب القدرة على إدارة التنوع ضمن إطار جامع.
وهنا يطفو السؤال الجوهري: هل فقد الإنسان بوصلته الإنسانية؟
في عالم تُقاس فيه القوة بحجم الاقتصاد، والتأثير بمدى السيطرة التكنولوجية، تراجعت مركزية الإنسان كقيمة. لم يعد الإنسان غاية السياسات، بل مادة لها. هذا الانزياح من الإنسان كقيمة إلى الإنسان كوسيلة هو أخطر تحوّل في المرحلة الراهنة. نحن أمام عالم متقدم في أدواته، لكنه مرتبك في غاياته.
أما العالم الثالث، فلا يمكن توصيفه بالجمود المطلق ولا بالتقدم الكافي. إنه يعيش حالة “تعليق تاريخي”: يتحرك دون أن يتحرر، ويتغير دون أن يتحول. لا تزال صراعاته الداخلية تُدار بعقليات ما قبل الدولة، وتُغذّى بخطابات هوية مغلقة، وتُستهلك في نزاعات تستنزف إمكاناته بدل أن توجّهها نحو البناء.
المشكلة ليست في تأخره الزمني، بل في تعثّره البنيوي. لم يتعلم بعد أن الدولة لا تُبنى بالغلبة بل بالتوافق، ولا تُدار بالإقصاء بل بالشراكة، ولا تستمر بالقوة بل بالشرعية. كما لم يُدرك أن استيراد النماذج لا يُنتج نهضة، وأن الحداثة لا تُختزل في التكنولوجيا، بل تبدأ بإعادة بناء العقل.
السؤال الحقيقي إذن ليس: متى ينتهي الصراع؟
بل: متى يُعاد تعريفه؟
السلام ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل بنية فكرية وأخلاقية عميقة. لا يبدأ باتفاقيات، بل بإدراك الإنسان لذاته وللآخر. لا يتحقق بإسكات الصراعات، بل بإعادة صياغة شروطها. لا يُبنى على إلغاء الاختلاف، بل على إدارته ضمن إطار عادل.
ما يحتاجه العالم اليوم ليس انتصار منظومة على أخرى، بل تجاوز هذا المنطق ذاته. نحن بحاجة إلى تركيب فكري جديد، يُعيد التوازن بين الحرية والعدالة، بين السوق والدولة، بين التقدم التقني والمعنى الإنساني. بحاجة إلى إعادة الاعتبار للإنسان، لا بوصفه مستهلكًا أو رقمًا في معادلة، بل بوصفه مركز الوجود وغايته.
التاريخ لم ينتهِ، كما توهّم البعض،
بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا…
مرحلة لا يُحسم فيها الصراع بالقوة،
بل يُعاد تعريفه بالعقل.




