مقالات

علاء سليم يكتب: «العالم أصبح كافيه.. ونحن نجلس في انتظار الحياة»

علاء سليم يكتب:
«العالم أصبح كافيه.. ونحن نجلس في انتظار الحياة»
هناك أشياء صغيرة في حياتنا تبدو عادية جدًا، حتى نبتعد عنها قليلًا، ثم نعود إليها فنراها بعين مختلفة.
هكذا رأيت الكافيهات.
في البداية كنت أراها مجرد أماكن يجلس فيها الناس؛ يشربون القهوة، يتحدثون، يضحكون، يعملون، أو يهربون قليلًا من ضجيج الحياة.
لكنني حين تنقلت بين أكثر من دولة أوروبية، اكتشفت أن المسألة ليست مجرد قهوة ومقعد وطاولة.
هناك، يجذبك سلوك المواطن قبل أن يجذبك المكان.
هدوء في الشارع، احترام للوقت، التزام بالقانون، احترام للمساحة الشخصية، وطوابير لا تحتاج إلى من يصرخ في الناس كي يقف كل إنسان في مكانه.
فتقول لنفسك:
ما أجمل أن يصبح النظام جزءًا من أخلاق الإنسان، لا مجرد خوف من العقوبة.
ثم عدت إلى مصر…
فوجدت الكافيهات تغزو الشوارع بصورة لافتة.
تحت البيت كافيه.
وفي أول الشارع كافيه.
وفي آخر الشارع كافيه.
وفي الشارع المجاور كافيه آخر.
وكأن المدينة قررت أن تضع لكل إنسان مقعدًا، ولكل شارع طاولة، ولكل حكاية فنجانًا من القهوة.
وهنا جاءني السؤال:
هل تحول العالم إلى كافيه؟
وهل أصبح الإنسان يدخل إلى الحياة كما يدخل إلى الكافيه؟
يختار ما يريد…
قهوة، شاي، موسيقى، جلسة هادئة، ضوضاء، أصدقاء، غرباء…
ثم يدفع الحساب ويغادر؟
أم أننا أصبحنا نجلس طويلًا، نراقب الحياة وهي تمر أمامنا، بينما نحن في انتظار أن تبدأ حياتنا؟
الكافيه في صورته البسيطة مكان للجلوس.
لكن في صورته الأعمق، ربما أصبح عند البعض مساحة للهروب.
نحن نجلس كثيرًا، ونتحدث عن الحياة أكثر مما نعيشها.
نصور اللحظة أكثر مما نشعر بها.
نكتب «الحمد لله» على صورة القهوة، بينما أرواحنا في مكان آخر تمامًا.
نضحك أمام الناس، ثم نعود إلى بيوتنا لنواجه ذلك الجزء الصامت في داخلنا.
وهنا يبدأ العالم السفلي للإنسان.
ليس عالمًا تحت الأرض.
إنه العالم الذي لا يراه أحد.
الخوف الذي تخفيه.
الوحدة التي لا تعترف بها.
الحلم الذي أجلته.
الندم الذي لا تتحدث عنه.
والسؤال الذي يزورك ليلًا:
هل أنا أعيش حياتي فعلًا، أم أؤدي فقط الدور الذي اعتاد الناس أن يروني فيه؟
الكافيهات ليست المشكلة.
بل ربما تكون أجمل ما في المدن عندما تكون مكانًا للقاء والحوار والراحة والعمل والصحبة الطيبة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المكان إلى بديل عن الحياة.
عندما يصبح الإنسان محتاجًا دائمًا إلى طاولة يجلس إليها، وشاشة ينظر إليها، وضوضاء تمنعه من سماع صوته الداخلي.
فنحن أحيانًا لا نبحث عن القهوة…
نحن نبحث عن شيء يغطي مرارة الأيام.
في أوروبا، رأيت شيئًا آخر.
رأيت مواطنًا يستطيع أن يعيش يومه دون أن يرفع صوته على العالم.
رأيت احترام الوقت.
واحترام الطريق.
واحترام الدور.
واحترام الآخر.
وتعلمت أن الحضارة ليست في المباني العالية فقط.
الحضارة تبدأ عندما يصبح الإنسان قادرًا على ضبط نفسه.
أن تنتظر دورك وأنت قادر على تجاوز الآخرين.
أن تلتزم بالقانون وأنت قادر على التحايل عليه.
أن تحترم المختلف عنك وأنت لا تشبهه.
أن تخفض صوتك لأن خلف الجدار إنسانًا يريد أن ينام.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع وطنًا كبيرًا.
أما في مصر، فلنا حكاية مختلفة.
لدينا شعب يحب الحياة رغم كل شيء.
نحن شعب يستطيع أن يصنع من الرصيف جلسة، ومن كوب الشاي مناسبة، ومن لقاء عابر حكاية، ومن أزمة نكتة.
نحن لا نحتاج كثيرًا لكي نجتمع.
يكفينا كرسيان وطاولة صغيرة.
ولهذا ربما انتشرت الكافيهات بهذه السرعة.
لأننا بطبيعتنا نحب الصحبة.
نحب الكلام.
نحب أن نرى بعضنا.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا زادت الكافيهات؟
السؤال الأهم:
ماذا نفعل بكل هذا الوقت الذي نقضيه فيها؟
هل نتبادل المعرفة؟
هل نناقش أفكارًا؟
هل نخطط لمستقبل؟
هل نصنع صداقات حقيقية؟
أم أننا فقط نقتل الوقت؟
والحقيقة أن الوقت لا يموت.
نحن الذين يموت جزء من أعمارنا معه.
العالم اليوم أصبح يشبه كافيهًا كبيرًا.
الجميع يجلس.
الجميع يراقب.
الجميع يعلق.
الجميع يطلب شيئًا.
والكل يريد أن تأتيه الحياة كما يريدها.
لكن الحياة ليست قائمة مشروبات.
لا يمكنك أن تقول لها:
أريد السعادة بلا ألم.
أريد النجاح بلا تعب.
أريد الحب بلا مسؤولية.
أريد المال بلا مخاطرة.
أريد المجد بلا سنوات من الصبر.
الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
أحيانًا تقدم لك الحياة كوبًا مرًا…
لكن ربما يكون ذلك الكوب هو الذي يعلمك كيف تقدر حلاوة الأيام.
أما العالم السفلي…
فهو أخطر من كل الكافيهات.
لأنه عالمنا الداخلي.
هناك لا توجد طاولات.
ولا موسيقى.
ولا أصدقاء.
ولا كاميرات.
هناك أنت فقط.
أنت أمام نفسك.
وهناك لا تستطيع أن تكذب طويلًا.
هناك تعرف من أنت.
وتعرف ماذا تريد.
وتعرف كم مرة خذلت نفسك كي ترضي الآخرين.
وكم حلمًا دفنته لأنك خفت.
وكم فرصة مرت أمامك لأنك قلت:
غدًا.
ولذلك ربما تكون أعظم رحلة في حياة الإنسان ليست رحلة إلى دولة جديدة…
بل رحلة إلى نفسه.
لقد سافرت إلى أماكن كثيرة، ورأيت مدنًا جميلة وشوارع منظمة ومواطنين يعيشون بإيقاع مختلف.
لكنني تعلمت شيئًا:
ليس المطلوب أن نسافر بعيدًا حتى نبحث عن حياة أفضل.
أحيانًا علينا أن نعيد ترتيب الإنسان الذي بداخلنا.
أن نخرج من «الكافيه» قليلًا.
أن نمشي.
أن نتأمل.
أن نقرأ.
أن نصلي.
أن نحب.
أن نعمل.
أن نختلف باحترام.
أن نمد يدًا لمن يحتاجها.
وأن نكتشف أن الروح لا تشبعها الأشياء الكثيرة.
الروح تريد معنى.
ربما سيستمر العالم في بناء الكافيهات.
وربما يصبح تحت كل بيت كافيه، وفي كل شارع كافيه، وفي كل مدينة آلاف الكافيهات.
لا بأس.
فليجلس الناس.
فليضحكوا.
فليحتسوا قهوتهم.
لكن…
لا تجعلوا الكافيه وطنًا بديلًا عن الحياة.
ولا تجعلوا الهاتف نافذة وحيدة على العالم.
ولا تجعلوا «الترند» مقياسًا للحقيقة.
ولا تجعلوا كثرة الناس حولكم دليلًا على أنكم لستم وحدكم.
فقد يجلس الإنسان وسط مئات الأشخاص…
ويكون أكثر وحدة من إنسان يجلس وحيدًا أمام نافذته.
يا صديقي…
قبل أن تطلب كوبك القادم، اسأل نفسك:
ماذا أريد من الحياة؟
وقبل أن تفتح هاتفك، اسأل:
ماذا أريد أن أعرف؟
وقبل أن تنام، اسأل:
ماذا فعلت اليوم يستحق أن أتذكره؟
وقبل أن تشتكي من العالم…
اسأل نفسك سؤالًا أصعب:
ماذا قدمت أنا لهذا العالم؟
ربما لن تجد الإجابة فورًا.
لا بأس.
بعض الأسئلة لا تأتي لتجد لها جوابًا سريعًا…
بل تأتي لكي توقظك.
العالم ليس كافيهًا كبيرًا.
لكننا أحيانًا نعيش فيه بهذه الطريقة.
نختار مقعدًا مريحًا، ونراقب الآخرين، وننتظر أن تمر الحياة أمامنا.
بينما الحقيقة الروحية الأجمل هي:
أنك لم تأتِ إلى الدنيا لتجلس طويلًا…
أتيت لتعيش.
لتترك أثرًا.
لتتعلم.
لتسقط ثم تقوم.
لتُحب وتُحب.
لتخسر دون أن تفقد نفسك.
ولتخرج في النهاية من هذا العالم…
وأنت تشعر أنك لم تشرب القهوة فقط،
بل شربت من الحياة نفسها… حتى آخر قطرة

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى