مقالات

بروكسل 2026… إطار أوروبي جديد للعلاقة مع سوريا

بروكسل 2026… إطار أوروبي جديد للعلاقة مع سوريا

وديع فايز الشماس

شكّل مؤتمر بروكسل حول سوريا، المنعقد في 11 أيار/مايو 2026، محطة مفصلية في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف السوري، حيث أعاد صياغة أسس التعامل مع دمشق ضمن إطار سياسي واضح يقوم على مبدأ الانفتاح المشروط بالإصلاح.
وقد عكس المؤتمر توجهاً أوروبياً متدرجاً نحو إعادة التواصل، دون التخلي عن المعايير التي تبناها الاتحاد منذ بداية الأزمة، وفي مقدمتها الإصلاح السياسي، تعزيز الحوكمة، وضمان الاستقرار الإقليمي.

1. الدستور المدني والإصلاح السياسي: شرط أساسي لأي مسار جديد

أعاد الاتحاد الأوروبي التأكيد على أن إطلاق عملية سياسية شاملة يمثل المدخل الضروري لأي تطور في العلاقة مع سوريا.
ويأتي الدستور المدني في مقدمة هذه العملية، بوصفه الإطار الذي يعيد تنظيم العلاقة بين السلطات، ويضمن استقلال القضاء، ويؤسس لبيئة سياسية قادرة على استيعاب مختلف مكونات المجتمع.
ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره خطوة لا يمكن تجاوزها في أي مرحلة مقبلة من إعادة البناء أو الانفتاح الاقتصادي.

2. الإدارة المحلية والحوكمة: تعزيز المؤسسات من القاعدة إلى القمة

ناقش المؤتمر ملف تعزيز الإدارة المحلية باعتباره جزءاً من إعادة هيكلة الدولة السورية على أسس أكثر توازناً.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن تطوير هياكل الحكم المحلي، وتمكينها من إدارة الخدمات العامة بكفاءة، يشكلان ركيزة أساسية لتحسين الأداء المؤسسي وتخفيف المركزية التي أثّرت على فعالية الإدارة العامة.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية أوسع تهدف إلى دعم المؤسسات المدنية وتعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار.

3. الجوار الإقليمي: اللاجئون والحدود في صدارة الاهتمام الأوروبي

احتل ملف عودة اللاجئين موقعاً مركزياً في نقاشات بروكسل، مع تأكيد على ضرورة أن تكون العودة “آمنة وطوعية وكريمة”، بما ينسجم مع المعايير الإنسانية الدولية.
كما برزت التحديات الأمنية على الحدود، ولا سيما ملف تهريب المخدرات، باعتبارها جزءاً من المخاطر الإقليمية التي تتطلب تعاوناً مشتركاً للحد من آثارها.
أما الوضع في الشمال السوري فتمت مقاربته ضمن إطار عام يركز على الاستقرار ومنع التصعيد.

4. إجراءات بناء الثقة: دعم إنساني ثابت وعقوبات مرتبطة بالإصلاح

حافظ الاتحاد الأوروبي على معادلته الأساسية القائمة على استمرار الدعم الإنساني للسكان، مقابل استمرار العقوبات إلى حين تحقيق تقدم سياسي ملموس.
ولم يتضمن المؤتمر أي إعلان يتعلق برفع العقوبات أو إطلاق برامج إعادة إعمار واسعة، ما يعكس تمسك بروكسل بربط أي انفتاح اقتصادي بمسار إصلاحي واضح وشفاف.
كما لم تُطرح وعود مالية أو اتفاقيات جديدة، في إشارة إلى أن المرحلة الحالية تركز على بناء الثقة وليس على إطلاق مشاريع كبرى.

الخلاصة السياسية: إطار عمل لا يزال مفتوحاً على الاحتمالات

أرست بروكسل 2026 مجموعة من المبادئ التي ستحدد شكل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في المرحلة المقبلة، ويمكن تلخيصها في أربع نقاط رئيسية:

1. إصلاح سياسي شامل يبدأ بدستور مدني وفصل واضح للسلطات.
2. تعزيز الإدارة المحلية كجزء من إعادة بناء الدولة وتحسين الحوكمة.
3. عودة اللاجئين بضمانات إنسانية تضمن احترام المعايير الدولية.
4. لا انفتاح اقتصادي قبل الإصلاح، مع استمرار الدعم الإنساني دون شروط.

يمثل هذا الإطار مقاربة متوازنة تجمع بين الانفتاح الحذر والالتزام بالمبادئ، وتضع العلاقة بين الطرفين على مسار جديد يعتمد على خطوات عملية قابلة للقياس.
ويبقى تنفيذ هذه المبادئ هو العامل الحاسم في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.

المصادر المعتمدة:
رويترز – الجزيرة – AFP – AP – يورونيوز

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى