مقالات

هنا غزة بقايا صوت

هنا غزة
بقايا صوت
أ. نجلاء جميل/ فلسطين

هناك كانت البلاد
كلّما أَحكَمَ الليلُ قبضته، سمعتُ في دمي أصواتًا قديمة.
أصواتًا لا تشبهُ الهتاف، ولا تشبهُ الخطبَ التي تتكاثرُ فوقَ المنابر كالغبار.
كانت أشبهَ بخشخشةِ مفتاحٍ صدئٍ في يدِ امرأةٍ عجوز،
أو برائحةِ رغيفٍ خرجَ لتوّه من النار
حاملًا على قشرته أثرَ أصابعَ لم تَعُد هنا،
عندها كان العالمُ كلُّه يتراجعُ خطوةً إلى الوراء.
وتبقى تلك الأشياءُ الصغيرة واقفةً وحدها كأنّها آخرُ
ما نجا من الخراب.
لم أعرفِ الأرضَ يومًا من حدودِها.
عرفتُها من شقوقِ الأبواب،
من المقاعدِ التي ظلّت فارغةً بعد أن غادرَ أصحابُها
ولم يعودوا.
من الأكوابِ التي بردَ فيها الشاي بانتظارِ يدٍ تأخّرت كثيرًا.
ومن الأشجارِ التي ما زالت تمدُّ جذورَها
في اتجاهِ الذين اختفوا.
وكلّما أكثروا الحديثَ عن الأسماء،
شعرتُ أنّ شيئًا ما يضيع.
شيئًا أقدمَ من الأسماء،
وأعمقَ من الرايات،
وأشدَّ التصاقًا بالروح من كلِّ ما يُكتبُ على الورق.
رأيتُ كثيرين يحملون البلادَ على ألسنتهم،
كما يحملُ التاجرُ بضاعته.
وكانت البلادُ في مكانٍ آخر..
في عينِ أمٍّ تعدُّ أبناءها كلَّ مساءٍ كما يعدُّ الراعي نجومَه.
في طفلٍ يحرسُ كسرةَ خبزٍ
كما لو أنّه يحرسُ آخرَ ما تبقّى من معنى العالم.
وفي شجرةٍ تواصلُ الوقوفَ في وجهِ الفصول،
كأنّها تحفظُ سرًّا لا تعرفه الغابة.
وفي رجلٍ مجهولٍ يمشي مثقلًا بخساراته،
لكنّه ما زال يفسحُ مكانًا للعصافير على حافةِ قلبه.
هناك كانت البلاد..
لا في الضجيج،
ولا في مواسمِ التصفيق،
ولا في الحشودِ التي تتشابهُ حتى تفقدَ ملامحها.
وأنا…
كنتُ كلّما اقتربتُ من الجموع أشعرُ أنّ وجهي يبتعد.
كأنّ المرايا الكثيرة لا تعكسُ شيئًا،
وكأنّ الأصواتَ حين تتكاثر تبتلعُ المعنى.
فأمضي،
لا هاربًا من أحد،
بل باحثًا عن ذلك الخيطِ الخافت الذي يصلُ القلبَ بأوّلِ دمعةٍ عرفها،
بأوّلِ حكايةٍ سمعها عند ركبةِ أمّه،
بأوّلِ شجرةٍ ظنَّ أنّ العالمَ ينتهي عند ظلّها.
قالوا كثيرًا:
وكانت كلماتُهم تمرُّ بي كما يمرُّ الدخانُ على وجهِ البحر.
لا يبقى منها شيء؛
لأنّني كنتُ أرى ما تخبّئه الشقوقُ حين ينشغلُ الجميعُ بالنظر إلى الجدران.
أرى الأرواحَ وهي تُهذَّبُ حتى تفقدَ برّيتها الأولى،
والوجوهَ وهي تتشابهُ شيئًا فشيئًا
كما تتشابهُ الحجارةُ في أسوارِ المنافي.
أرى البشرَ يبدّلون قلوبَهم
طمعًا بمكانٍ أكثر دفئًا في صفوفِ العابرين.
وأرى وحشةً هائلةً تنامُ تحتَ كلِّ هذا التشابه.
لم أعد أسألُ إن كنتُ أنا.
السؤالُ نفسُه بدا لي متعبًا.
فالسنبلةُ لا تسألُ الحقلَ إن كانت منه،
والبحرُ لا يحملُ شهادةً تثبتُ أنّه بحر،
والجذرُ لا يطلبُ إذنًا من التراب،
يكفيه أن يغيبَ فيه.
أمّا أنا،
فلي من هذه الأرضِ رائحةُ الخبزِ حين يختلطُ بالدعاء.
ولي منها تجاعيدُ الأمهاتِ اللواتي انتظرن طويلًا.
ولي منها ذلك الحزنُ النبيل
الذي يضيءُ في العيونِ المنهكة مثلَ قنديلٍ أخير.
ولي منها ما يجعلُ قلبي يرتجفُ كلّما نزفَ حجر.
أنا من الأشياءِ التي بقيتْ حيّةً رغم كلِّ ما تعلّمته من الفقد.
من الأبوابِ التي ظلّت تنتظر.
من الأشجارِ التي لم تخن ظلَّها.
من الأمهاتِ اللواتي خبّأن قلوبَهنّ في حقائبِ أبنائهنّ.
ومن الأرغفةِ التي خرجتْ من النار أكثرَ طهرًا من الذين أشعلوها.
أنا من هذا كلّه…
ومن الجرحِ الذي كلّما حاولوا دفنَه اتّسعَ من جديد.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى