الأديب محمد غنيم..رحلة شغف وإبداع
الأديب محمد غنيم..رحلة شغف وإبداع
أجرت الحوار د. أنل درويش..” الجزء الخامس”
• ما سبب العدوانية التي نراها الآن في الشارع، وسرعة الانفعال التي تصل إلى الاعتداء الجسدي لأتفه الأسباب؟
– أرى أن العدوانية التي تتفشّى في الشارع اليوم ليست سلوكًا عابرًا، بل نتيجة تراكمات معقّدة تتقاطع فيها عوامل نفسية واجتماعية وثقافية.
أولًا، هناك الإرهاق الذهني والتكرار الإعلامي؛ فحين تتشابه الرسائل، وتُعاد نفس الخطابات بلا عمق أو تجديد، يفقد الإنسان قدرته على التفاعل الواعي، ويتحوّل إلى كائنٍ مشحون بالملل والاحتقان. هذا الفراغ المعنوي لا يمرّ بصمت، بل يبحث عن منفذ—وأحيانًا يكون هذا المنفذ هو الغضب.
ثانيًا، فقدان القدوة والمصداقية؛ حين يسمع الفرد خطابًا أخلاقيًا لا ينعكس في الواقع، أو يرى تناقضًا بين القول والفعل، يتكوّن داخله نوع من الرفض الصامت، يتحوّل مع الوقت إلى سخرية أو عدوان. فالمشكلة ليست في القيم نفسها، بل في غياب نموذج حيّ يُجسّدها.

ثالثًا، ضعف القانون أو انتقائيته؛ عندما يشعر الناس أن العدالة ليست حاضرة أو متساوية، يتراجع الإحساس بالأمان، ويحلّ محلّه منطق القوة وردّ الفعل السريع. هنا، يصبح العنف لغة بديلة عن الثقة المفقودة.
ولا يمكن إغفال الضغوط المادية والسياسية، التي تجعل الإنسان في حالة توتر دائم، كأنه يعيش على حافة الانفجار. ومع غياب أدوات التفريغ الصحي—كالفن، والحوار، والوعي—يتحوّل هذا التوتر إلى سلوك اندفاعي.
أما العامل الديني، فمشكلته ليست في جوهره، بل في طريقة تقديمه؛ حين يُختزل في خطابٍ تقليدي لا يلامس أسئلة الجيل الجديد، يفقد تأثيره، بل قد يزيد الفجوة بدل أن يردمها.
في النهاية، العدوانية ليست سوى عرضٍ لخللٍ أعمق: إنسانٌ يشعر بالاختناق، فاقد المعنى، ضعيف الثقة، في عالمٍ لا يمنحه إجابات كافية. ومعالجة ذلك لا تكون بالردع فقط، بل بإعادة بناء الوعي، والعدالة، والصدق في الخطاب—حتى يستعيد الإنسان توازنه قبل أن ينفجر.
• هل الفن والأدب يقوّمان المجتمع، أم أنها سبل للترفيه والتسلية كما يقول البعض؟ وماذا نحتاج لرفع الوعي والارتقاء بالذائقة لدى رجل الشارع؟
– الفن والأدب، في جوهرهما، ليسا ترفًا ولا مجرد وسيلة للتسلية، بل هما من أعمق أدوات تشكيل الوعي الإنساني. وكما قال ويليام شكسبير: “أعطني مسرحًا أعطك شعبًا”— في إشارةٍ بليغة إلى أن الفن لا يعكس المجتمع فقط، بل يعيد صياغته.
الفن يهذّب النفس، ويُخرج الإنسان من حالته الأولى—تلك “البدائية” التي تحكمها الغريزة—إلى مستوى أرقى من الحسّ والتفكير. هو الذي يمنح الإنسان القدرة على التأمل، وعلى رؤية نفسه في مرآة الآخر، وعلى إدراك الجمال والمعنى. لذلك، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون مبدعيه، لأنهم حاملو الأسئلة، وصنّاع الوعي.
لكن هذا الدور لا يتحقق إلا في مساحة من الحرية. فحين يُكمَّم الفن، أو يُحاصَر المبدع، يُصاب المجتمع بالجمود، ويتحوّل العقل إلى صدى لما يُملى عليه. وهنا تظهر أصوات تُقلّل من قيمة الفن، وتختزله في التسلية، بينما هو في الحقيقة أحد أعمدة البناء الحضاري.
أما عن رفع الوعي والارتقاء بالذائقة لدى “رجل الشارع”، فلا يتم ذلك بالوعظ المباشر أو الفرض، بل عبر:
1- إتاحة الفن الجيد في متناول الجميع، لا أن يبقى حكرًا على النخب
2- دعم التعليم الثقافي منذ الصغر، ليكبر الإنسان وهو قادر على التذوق، لا الاستهلاك فقط
3- تشجيع الإنتاج الصادق الذي يلامس الواقع دون ابتذال أو تسطيح
4- فتح المجال للنقاش والحوار، لأن الذائقة تنمو بالمشاركة لا بالإملاء
في النهاية، المجتمع الذي يرى الفن تسلية فقط، هو مجتمع لم يكتشف بعد قيمته الحقيقية. أما المجتمع الذي يحتضن فنه، فهو مجتمع يسير—ببطء ربما—نحو وعيٍ أعمق وإنسانيةٍ أوسع.
• ماذا تحتاج المرأة المصرية لدعمها وحمايتها؟ وما هو المطلوب من الشباب قبل الإقدام على خطوة الزواج وتأسيس أسرة جديدة؟
– أرى أن دعم المرأة المصرية لا يبدأ من الشعارات، بل من إعادة ترتيب الأولويات. نعم، هناك خطوات إيجابية تحققت، خاصة في تولّي المرأة مناصب رفيعة، لكن الطريق ما زال يحتاج إلى اتساعٍ أكبر، حتى تصبح حقوقها مساوية للرجل لا استثناءً يُحتفى به.
الدعم الحقيقي يبدأ بـ:
1- التعليم: لأنه السلاح الأول، والقادر على كسر دوائر الجهل والتبعية
2- القضاء على الأمية: فهي الجدار الخفي الذي يحرم المرأة من وعيها وحقوقها
3- مواجهة الفكر الذكوري: ليس بالصدام، بل بإعادة بناء الوعي، وإثبات أن المرأة ليست أقل، بل شريك كامل في صناعة الحياة
وأؤمن أن “الحضارة أنثى”؛ أي أن المجتمعات التي تحسن رعاية طاقاتها النسائية، هي الأقدر على التقدم، لأن الإقصاء دائمًا يخلق نصف مجتمع معطّل.
أما عن الشباب، فقبل الإقدام على الزواج، أرى أن المطلوب هو الوعي لا الاندفاع.
الزواج ليس مظهرًا اجتماعيًا ولا سباقًا، بل مسؤولية إنسانية.
لذلك، من المهم:
1- التخفف من العادات المرهقة والتكاليف المبالغ فيها، التي تحوّل الزواج إلى عبء بدل أن يكون بداية حياة
2- الاستعداد الحقيقي لتحمّل المسؤولية، ماديًا ونفسيًا
3- الإنجاب بوعي: لا يكفي أن نُنجب، بل يجب أن نكون قادرين على التربية والرعاية
في النهاية، بناء أسرة ناجحة لا يقوم على التقاليد وحدها، بل على العقل، والقدرة، والتفاهم. ومجتمعٌ يوازن بين تمكين المرأة ووعي الشباب، هو مجتمع يضع أساسًا حقيقيًا لمستقبلٍ أكثر استقرارًا ونضجًا.





