منوعات

الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع

الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع

أجرت الحوار د. أمل درويش.. “الجزء الأول”

من حلم طفل صغير، على خشبة مسرح بسيط، إلى نسر يافع حلّق بجناحيه معانقا السحاب، متمردا بروح الشباب على أحضان الريف المصري، ومغامرا في رحلة للشاطئ البعيد.. مهد الحضارات الإغريقية والرومانية، وموطن الفلاسفة العظام، رحلة لإعادة اكتشاف النفس، وتشكيل الوعي..
حلّق النسر السحري، ليكشف لنا سر برهومة، منقوشا على ورقة التين، وفي رحلة العودة مر على الحمامات المتكورة تنشد أغنية الحب عندما تسقط الأقنعة على الممر..

إنه الأديب المصري الإيطالي محمد غنيم، تتنوع إبداعاته ما بين الشعر والرواية والقصة القصيرة، رحلة عامرة بالإبداعات، ومكللة بالجوائز والتكريمات..


ولم تقتصر هذه الرحلة على النصوص المكتوبة، بل امتدت إلى الصورة أيضًا، حيث قامت شركة سما الثقافية بإنتاج فيلم وثائقي عن حياته بعنوان “طائر الشرق الكبير الرابض على ضفاف المتوسط”، وهو عمل تسجيلي يستعرض مسيرته الأدبية والإنسانية، كما يمتلك موقعًا إلكترونيًا باللغة الإيطالية يعكس حضوره الثقافي في الفضاء الأوروبي.

نتجول معه في حديقة الأدب والشعر، بين ربوع القصيدة، لنتعرف على أفكاره الفلسفية، وما يدور في أروقة عالمه الأدبي..

• في البداية نود أن تعرفنا بنفسك في لمحة سريعة، وما هي اللحظة التي أدركت فيها أن لديك أفكار تريد طرحها للنقاش مع الآخرين..

– وُلدتُ في قرية ميت خاقان، إحدى ضفاف الروح الريفية التابعة لشبين الكوم بمحافظة المنوفية، حيث تشكّلت ملامح وعيي الأول بين بساطة المكان وعمق الإحساس. منذ طفولتي، كان داخلي نزوع دائم نحو اكتشاف ما يتجاوز المألوف، وكأنني أبحث عن معنى خفيّ يسكن تفاصيل الأشياء.

كان البحر القريب من أرضنا أكثر من مجرد مشهد طبيعي؛ كان معلمي الأول في الفلسفة، يهمس لي بدروس المدّ والجزر، في العطاء والانحسار، في التنقية والتجدد. منه تعلّمت أن الحياة حركة مستمرة، وأن النقاء لا يأتي إلا بعد اضطراب.

كنت أعبر إليه عبر الكوبري أو أستقل الفلوكة، لا لمجرد الانتقال المكاني، بل كأنني أعبر من ضفة الواقع إلى ضفة الحلم، متجهًا إلى قصر ثقافة شبين الكوم. هناك، ومع أولى تجاربي المسرحية في نادي قريتنا، بدأت ملامح صوتي الداخلي تتشكّل. كان المسرح هو المرآة التي عكست أفكاري، ومن خلاله تعلّمت كيف تتحول الأسئلة إلى حوار، والحوار إلى وعي.

أما النقاشات التي دارت بيني وبين أخي، ومع مثقفي القرية، فقد كانت بمثابة الشرارة الأولى التي أيقظت فيّ الرغبة في طرح أفكاري ومشاركتها. عند تلك اللحظة أدركت أن الفكر لا يكتمل إلا بالآخر، وأن الكلمة تولد لتُقال، لا لتظل حبيسة الصمت.

• متى قررت الهجرة؟ وهل كانت لديك خطط محددة قبل السفر؟ أم كانت رحلة للانطلاق والتحليق في عالم مجهول؟

– لم يكن قرار الهجرة وليد حساباتٍ دقيقة، بقدر ما كان ثمرة تحوّل داخلي عميق. في البدايات، كنت أحلم بأن أكون ممثلاً شهيراً، وقد عشت هذا الحلم على خشبة المسرح، مجسّداً أدواراً لعمالقة مثل توفيق الحكيم، إلى جانب نصوصٍ كتبها أخي إبراهيم. وقد فتحت لي تلك التجارب أبواباً للتعاون مع مخرجين كبار، وبدأ الطريق يتشكّل أمامي بوضوح.

لكن الحياة، في لحظة غير متوقعة، أعادت رسم ملامح هذا الطريق. مع تجربة الحب الأولى، تغيّر كل شيء؛ لم يعد الحلم مهنةً فقط، بل صار إحساساً يقودني. أصبحت أرى نفسي تارةً كـمجنون ليلى، وتارةً أخرى كأحد أبطال روميو وجولييت، أعيش بين الحقول، أهيم على وجهي، أكتب لها، وأتلو عليها الشعر كأن الكلمات وحدها قادرة على اختزال العالم.

في تلك اللحظة، لم يكن السفر قراراً عقلانياً بقدر ما كان اندفاعاً وجودياً؛ كأنني تحوّلت إلى سفينةٍ تفكّ قيودها، وتمضي في بحرٍ مجهول، لا تهتدي ببوصلةٍ سوى الشغف. لم أحمل خطة واضحة، بل حملت قلبي، ومضيت أبحث عن معنى يتجاوز الحدود، وعن ذاتٍ تتشكّل في المجهول بقدر ما تضيع فيه.

• سر برهومة.. فكرة فلسفية عميقة، وصرخة في وجه الموروث، والعادات والتقاليد.. حدثنا عن هذه الرواية؟

– رواية “سر برهومة” ليست مجرد عمل سردي، بل هي تجربتي الأولى في ملامسة جوهر الكتابة، ومحاولة لاقتحام أسئلة الوجود بلغةٍ تتجاوز حدود المكان. لقد كانت، في أحد وجوهها، تحديًا خفيًا: أن أُثبت أن الكاتب المصري قادر على مخاطبة العالم بلغته، فاخترت أن أكتبها بالإيطالية، مستعينًا بمفردات فلسفية مكثّفة، كأنني أنحت المعنى نحتًا في لغةٍ ليست لغتي الأم، لأجعلها تنطق بروحي.

في هذه الرواية، حاولت أن أضع العالم كله في مرآةٍ صغيرة، وأن أعيد تشكيله من خلال شخوصٍ تحمل تناقضاته. “برهومة” ليس مجرد بطل، بل هو كائن يبحث عن الجذور، عن الأصل الأول، عن الحقيقة التي تاهت منه منذ أن تصدّعت طفولته بموت الأم، وتسلّط الجدة الساحرة “زندينا”، تلك التي لم تحكم القرية بالسحر فقط، بل بسطوة الإقناع والخوف، حتى أصبحت فكرة مطلقة في عقول أهلها. هي ليست شخصية بقدر ما هي رمزٌ للاستبداد المتوارث، حين يتحوّل الخيال إلى سلطة، والوهم إلى قانون.

حول هذا المركز، تتشكّل شبكة من الشخصيات التي تبدو كأنها استعارات حيّة: الحلاق، عين السلطة وأذنها؛ الزوج المسلوب الإرادة؛ الابنة “زيزي” التي ترث الخضوع كما يُورّث الدم؛ والرجل الأصفر، ككائنٍ غامضٍ يعبر الحكاية ليمنحها امتدادها في “برهومة”. أما فيلسوف القرية، فهو صوت العالم، يرتدي جلبابًا من أفكار الأمم، كأنه محاولة لاحتواء الكون داخل عقلٍ واحد.


لكن، في عمق هذا النسيج السردي، لا تكمن الحكاية في الأشخاص، بل في الرحلة ذاتها. إنها رحلة البحث عن السعادة، تلك الفكرة التي تتحوّل في الرواية إلى سرابٍ كوني. نركض خلفها كما لو كانت المعنى الأسمى للوجود، نبحث عنها في الخارج والداخل، تحت أقدامنا وفوق رؤوسنا، لكن كلما اقتربنا منها، تلاشت، تاركةً فينا فراغًا أكبر من قبل. كأن الرواية تهمس: إن السعي ذاته هو الفخ، وإن الوهم هو ما يمنحنا القدرة على الاستمرار.

هذا الوعي المبكر بعبث المسار الإنساني لا يمنح الطمأنينة، بل يزرع القلق؛ يبدّد بهجة التفاصيل الصغيرة، ويدفع الإنسان إلى هاوية من الشكوك، حيث يصبح العجز الإنساني هو الحقيقة الأكثر وضوحًا. في داخلي، في ذلك الـ”أنا” القلق، يتشكّل يقينٌ مرير: أننا قد نمتلك الأدوات، ونبلغ القمر، ونتوهم أننا أحطنا بالحكمة، لكننا في النهاية لا نملك شيئًا حقيقيًا—سوى أوهامنا المتقنة.

أما فضاء الرواية، فهو بلدٌ جبليّ غامض، بلا اسمٍ محدد أو تاريخٍ واضح، كأنه خارج الزمن، أو ربما هو كل الأزمنة في آن. مكانٌ يحمل سمات الجنوب الأسطوري: أرضٌ خصبة، شمسٌ سخية، ماءٌ وفير، ومع ذلك يسكنه بشرٌ مستسلمون، يفضّلون التوسّل على العمل، وكأنهم فقدوا الإيمان بقدرتهم على التغيير. حتى المدرسة، رمز المعرفة، تقف مهجورة في أطراف الميناء، بينما يُدفع الأطفال إلى الشوارع، ليبحثوا عن ثروتهم في أعين الغرباء.

هكذا، تصبح “سر برهومة” أكثر من رواية؛ إنها تأمّل طويل في الإنسان، في أوهامه، في بحثه الأبدي عن معنى لا يُدرك، وفي رحلته التي تبدأ بالحلم… وربما تنتهي بالسراب.

الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
أجرت الحوار د. أمل درويش
الأديب محمد غنيم
اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى