الخير ليس مضموناً
الخير ليس مضموناً
بقلم كريستينا دي سيلفيو
“الخطر الحقيقي ليس أن يصبح العالم شريراً،
بل أن يتوقف الخير عن أن يُعتبر ضرورياً.”
— زيجمونت باومان
في عام 2026، لم يعد من الممكن اعتبار السنة الأولى لإدارة ترامب مجرد حادثة تاريخية أو انحراف شعبوي مؤقت. بل تمثل تلك السنة اللحظة التي توقف فيها النظام الدولي عن حماية الخير تلقائياً، مُظهرًا حقيقة ظلت غير ملحوظة لعقود: الاستقرار العالمي ليس أمراً هيكلياً، بل هو خيار سياسي يتكرر تجديده باستمرار.
مثل هذا الدورة الأولى من الحكم كانت بمثابة نقطة تحول. لم يكن انهيار النظام الليبرالي، بل كشفه. استمر النظام الدولي في العمل، ولكن دون الضمان الرمزي الذي يجعل الخير العام العالمي — المتمثل في مجموعة القواعد المشتركة، وتوقعات التعاون، والمسؤوليات النظامية — محور تنظيمه.
ولم تتجلى هذه التحولات من خلال انقسام صريح للمؤسسات متعددة الأطراف. بل حدثت بطريقة أكثر دقة، ولذلك كانت أكثر تأثيراً، من خلال إعادة تعريف القيادة. لم يُصوَّر النفوذ بعد الآن كقدرة على ضمان الاستقرار النظامي، بل كأصل قابل للتفاوض، ورافعة للضغط، ووسيلة تبادل. لقد سبق اللغة الفعل، مبررة له.
في هذا الإطار، لم تُرفض السلع العامة العالمية — الأمن الجماعي، والأسواق المفتوحة، والتعاون المناخي، والتوقع المؤسسي — رسمياً. بل أعيد تصنيفها. من ركائز أساسية للنظام إلى متغيرات اختيارية، خاضعة للفائدة الفورية وملاءمة السيادة. وفي هذا التصنيف يظهر هشاشة الخير.
ومع ذلك، في الأنظمة المعقدة، لا تعني الهشاشة الانهيار. على العكس، فإنها تُفعل ديناميات تكيفية عميقة. لا يستمر الخير العام العالمي بفضل صلابة الهيكل، بل بفضل مرونته الوظيفية. عندما يُضعف مركزياً، يظهر من جديد على الأطراف: شبكات التعاون، الاتفاقيات الانتقائية، والممارسات غير الرسمية التي يحافظ عليها الفاعلون الذين يستمرون في العمل حتى في غياب القيادة المنظمة.
هذه المرونة ليست بلا ثمن. الأنظمة تحت الضغط تعيد توزيع عدم الاستقرار، وتنتج عدم التوازن، وتطبع حالة من عدم اليقين كأمر طبيعي. لا يختفي الخير، لكنه يصبح أكثر هشاشة، وأكثر تكلفة للحفاظ عليه، وأكثر عرضة للاستغلال. ترك بقائه للقصور الذاتي للنظام وحده يعادل التخلي عن السياسة.
لقد أظهر العام الأول لعصر ترامب بوضوح أن الخير العام العالمي ليس مكتفياً بذاته. إنه يتطلب نية استراتيجية، ورؤية طويلة المدى، وإدارة واعية للغموض. وعندما تتضاءل هذه الشروط، لا ينهار النظام، بل يدخل في مرحلة من الفوضى المضبوطة، حيث تبقى القواعد قائمة أكثر من باب العادة وليس الاقتناع.
ومن الناحية الجيوسياسية، لم يكن الأثر الأهم فراغ السلطة، بل تآكل الثقة كبنية تحتية غير مادية للنظام الدولي. بدأ الحلفاء التاريخيون للولايات المتحدة بالعمل في سياق ضمانات أقل تلقائية، بينما تمكن الفاعلون المراجِعون من اختبار حدود النظام تدريجياً، الذي أصبح متشكلًا بشكل متزايد وفق الغموض الاستراتيجي وليس الردع القانوني.
وبالتالي، لم تتجلى هشاشة ومرونة الخير من خلال أزمة مفتوحة، بل من خلال تطبيع حالة عدم اليقين. وفي الوقت نفسه، تسارعت عملية التحول التي كانت قائمة بالفعل: الانتقال من التعددية المنظمة إلى وفرة من العلاقات الثنائية غير المتكافئة، المخصصة، وغالباً ما تكون منفصلة عن الأطر المؤسسية المستقرة.
وفي هذا الإطار، يستمر تداول الخير العام في الخطاب السياسي، لكنه يفقد وظيفته التنظيمية. يصبح موضوعاً للتفاوض العرضي، وليس فرضية مشتركة. ومع ذلك، فإنه في هذا الوضع المعرض للانكشاف، يظهر قدرة تكيفية تمنع انحلاله.
ومن منظور عام 2026، تبدو السنة الأولى لإدارة ترامب مختبراً جيوسياسياً. لم تخلق هشاشة الخير العام العالمي، لكنها جعلتها مرئية، مشروعة، وقابلة للتطبيق. وقد أظهرت أن النظام الدولي الليبرالي لم يكن قائمًا على الآليات الهيكلية، بل على اختيار سياسي متكرر، كانت قابلية عكسه مُستهَان بها إلى حد كبير.
والدرس للتحليل المعاصر واضح: الاستقرار الدولي ليس حالة طبيعية، بل بناء عرضي. عندما تعيد السلطة المركزية تعريف دورها بشروط وظيفية بحتة، يدخل النظام منطقة رمادية يكون فيها الخير العالمي لا مضموناً ولا مُلغى، بل معرضًا باستمرار.
وفي هذا التعرض الدائم يُحسم مصير النظام الدولي الحالي: نظام لم يختف فيه الخير، بل يجب اختياره، ودعمه، والدفاع عنه، في كل مرة، من قبل الفاعلين الواعيين أن مرونته ليست مجانية، وأن هشاشته ليست استثناءً، بل شرطه البنيوي.





