الهدنة تعزّز مكاسب الحصان الأصفر… والانطلاقة الكبرى تقترب

الهدنة تعزّز مكاسب الحصان الأصفر… والانطلاقة الكبرى تقترب
بقلم: البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد
خبير الذهب العالمي والخبير الدولي في تحليل أسواق الذهب والمعادن الثمينة
لم تكن الهدنة مجرد خبر سياسي عابر، بل تحولت سريعًا إلى عامل مؤثر أعاد رسم خريطة التحركات في الأسواق العالمية. ومع تراجع أسعار النفط وانحسار جزء من الضغوط التضخمية، وجد الذهب نفسه أمام بيئة أكثر توازنًا، سمحت للحصان الأصفر بتعزيز مكاسبه والتمركز من جديد قرب مستويات فنية شديدة الأهمية.
وخلال تداولات الثلاثاء، واصل الذهب صعوده بأكثر من 1.5%، متجاوزًا مستوى 4070 دولارًا للأوقية، في إشارة واضحة إلى أن السوق لا يتعامل مع الصعود الحالي باعتباره حركة عابرة، بل بوصفه مرحلة تأسيس جديدة قد تسبق انطلاقة أقوى.
الذهب يبني قاعدة انطلاق جديدة
اقتراب الذهب من مستوى 4000 دولار للأوقية ثم نجاحه في الارتداد بقوة يؤكد أن هذا المستوى تحول إلى قاعدة دعم استراتيجية، وليس مجرد حاجز نفسي. وكلما حافظ المعدن النفيس على التداول فوقه، زادت فرص استئناف المسار الصاعد وفتح الطريق أمام قمم جديدة.
الذهب اليوم لا يصعد بسبب عامل واحد، بل يتحرك بفعل مجموعة مترابطة من المحركات:
* تراجع النفط وتخفيف الضغوط التضخمية.
* ترقب قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
* استمرار القلق من عودة التوترات الجيوسياسية.
* تصاعد الطلب الاستثماري على الملاذات الآمنة.
* تراجع الثقة في قدرة الأسواق التقليدية على الحفاظ على استقرار طويل الأجل.
الهدنة تضغط على النفط وتمنح الذهب مساحة للصعود
أسهمت مؤشرات التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران في الضغط على أسعار النفط، بعد أن بدأت الأسواق تسعّر احتمال تراجع مخاطر الإمدادات وانحسار التهديدات المباشرة للممرات البحرية.
لكن المفارقة أن هبوط النفط لم يضعف الذهب، بل منحه دعمًا غير مباشر؛ لأن انخفاض أسعار الطاقة قد يخفف الضغوط التضخمية، ويمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتعامل بمرونة مع أسعار الفائدة.
وهنا تظهر المعادلة الحقيقية:
كلما تراجع النفط وتراجعت معه مخاوف التضخم، ازدادت احتمالات تخفيف السياسة النقدية لاحقًا، وهو ما يعزز جاذبية الذهب.
الأسواق لا تثق بالهدوء الكامل
رغم مؤشرات التهدئة، فإن المستثمرين لا يتعاملون مع الأزمة باعتبارها انتهت. فالتهديدات المتبادلة، واحتمالات عودة التصعيد، والتوترات المرتبطة بالملاحة والطاقة، جميعها تبقي الطلب على الذهب حاضرًا بقوة.
الأسواق اليوم أصبحت أكثر حذرًا، ولم تعد تنتظر اندلاع الأزمة حتى تتجه إلى الملاذات الآمنة، بل تتحرك استباقيًا، وتحافظ على مراكزها في الذهب تحسبًا لأي مفاجأة سياسية أو عسكرية.
الفائدة والتضخم يرسمان المرحلة المقبلة
يبقى مسار أسعار الفائدة أحد أهم مفاتيح الاتجاه المقبل. فرغم توقعات تثبيت الفائدة في الاجتماع القريب، فإن الأسواق تراقب باهتمام احتمالات خفضها لاحقًا.
وعادة ما يؤدي انخفاض الفائدة إلى دعم الذهب؛ لأنه أصل لا يدر عائدًا، وتزداد جاذبيته عندما تنخفض عوائد السندات والأصول النقدية.
أما إذا عادت الضغوط التضخمية أو تأخر خفض الفائدة، فقد يشهد الذهب موجات جني أرباح مؤقتة، لكنها لا تلغي الاتجاه العام طالما بقي فوق مناطق الدعم الأساسية.
الحصان الأصفر لم ينطلق بكامل قوته بعد
المشهد الحالي يشير إلى أن الذهب لا يزال في مرحلة تجميع واستعداد. وقد سجل مكاسب قوية، لكنه لم يستخدم كامل طاقته الصعودية بعد.
إن الثبات فوق مستوى 4000 دولار، والعودة المتكررة إلى التداول قرب 4070 و4080 دولارًا، يؤكدان أن المشترين يدافعون بقوة عن الاتجاه الصاعد.
وأرى أن أي اختراق واضح للمقاومات الحالية، مصحوبًا بزيادة في الطلب وتراجع في الدولار أو عوائد السندات، قد يفتح الباب أمام موجة صعود جديدة وسريعة.
الخلاصة
الهدنة خففت الضغط عن أسواق الطاقة، لكنها لم تُخرج الذهب من دائرة الاهتمام، بل ساعدته على تعزيز مكاسبه وإعادة بناء قاعدة انطلاق قوية.
الحصان الأصفر يقف الآن خلف بوابة جديدة، يختبر الحواجز ويجمع الزخم. أما الانطلاقة الكبرى، فقد تكون أقرب مما تتوقعه الأسواق.
الذهب لم يقل كلمته الأخيرة… والحصان الأصفر ما زال يستعد للانطلاق.




