بعد مرور عام على توليه المنصب ترامب.. يعيد تعريف مفهوم القوة الأمريكية
بعد مرور عام على توليه المنصب ترامب.. يعيد تعريف مفهوم القوة الأمريكية
لم يكن 2025، عاما عابرا فى التاريخ السياسى للولايات المتحدة، بل شكل نقطة تحول حادة أعادت تعريف طبيعة الدولة الأمريكية وحدود دورها العالمى. فمنذ عودة الرئيس دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، تحرك بإيقاع متسارع واضعا نصب عينيه تنفيذ رؤية طالما روج لها، تقوم على تقليص الدولة الفيدرالية، وإعادة الاعتبار للسيادة الوطنية، والتعامل مع العالم من منطق المصالح المباشرة لا الالتزامات المفتوحة.
قرارات ترامب، فى عامه الأول لم تكن مجرد سياسات تنفيذية، بل حملت طابع القطيعة مع مسار استقر لعقود. فالرئيس الأمريكى قدم نفسه باعتباره رجل قرارات لا رجل تسويات، موضحا أن ما يقوم به ليس ثورة على النظام، بل تصحيح لمسار انحرف طويلا عن المصالح الأمريكية. هذا النهج وجد صدى لدى قطاع واسع من الأمريكيين، كما لدى عدد من المحللين المحافظين الذين رأوا فى 2025 عام استعادة «الدولة القومية» داخل الولايات المتحدة.
وكان أكثر القرارات إثارة للجدل إلغاء وزارة التعليم، فى خطوة غير مسبوقة فى التاريخ الفيدرالى الحديث، وبرر ترامب القرار بأن التعليم تحول إلى عبء بيروقراطى مركزى، وأن الولايات أقدر على إدارة شئونها التعليمية دون وصاية واشنطن.
ويرى المؤرخ والمحلل المحافظ، فيكتور ديفيس هانسون، أن هذا القرار رغم صدمته يعكس فهما عميقا لغضب الطبقة الوسطى الأمريكية من مؤسسات الفيدرالية باتت بعيدة عن الواقع، معتبرا أن تفكيكها لا يعنى انهيار الدولة، بل إعادة توزيع السلطة داخلها.
وفجر القرار انقساما حادا داخل المجتمع الأمريكي، لكنه فى الوقت نفسه كشف عن تحول فكرى أعمق، يتمثل فى تراجع الإيمان بدور الحكومة المركزية كحل لكل الأزمات. الولايات وجدت نفسها أمام مسئوليات جديدة، فى مشهد اعتبره أنصار ترامب، اختبارا حقيقيًا للفيدرالية الأمريكية.
وبالنسبة للشق الخارجي، كان قرار وقف برامج المساعدات الخارجية من أكثر الإجراءات التى أثارت ردود فعل عالمية. فقد أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لن تواصل تمويل حكومات وأنظمة لا تخدم مصالحها، معتبرا أن المساعدات تحولت إلى التزام دائم بلا عائد سياسى أو استراتيجى.
الاقتصادى المحافظ، ستيفن مور، دافع عن هذا التوجه، معتبرا أن 2025 شهد أول محاولة جادة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الأمريكي. وأن وقف المساعدات لا يعنى الانسحاب من العالم، بل إنهاء ما وصفه بـ”الدبلوماسية الممولة بلا حساب”.
وما تركته واشنطن من فراغ فى بعض المناطق استخدم من قبل قوى دولية أخرى، غير أن إدارة ترامب لم تبد قلقا من ذلك، معتبرة أن النفوذ لا يقاس فقط بحجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على فرض شروطها عندما تتدخل، وهذا التحول أعاد تعريف مفهوم القوة الأمريكية، من قيادة شاملة إلى تدخل انتقائى محسوب.
وفى الشرق الأوسط، حرص ترامب على تقديم عام 2025 باعتباره عام إنهاء الحروب، فالإدارة الأمريكية أعلنت أن لها دورا محوريا فى وقف الحرب فى غزة، وصولا إلى اتفاق شرم الشيخ، الذى أوقف العمليات العسكرية بعد شهور من التصعيد.
الباحث مايكل دوران، رأى أن الاتفاق يعكس نهج ترامب القائم على خفض مستوى الصراعات بدلا من الانخراط فى مشاريع تسوية طويلة الأمد، معتبرا أن هذا الأسلوب نجح فى تحقيق هدف طال انتظاره، وهو وقف الحرب. واعتبر دوران أن إدارة ترامب تعاملت مع ملف غزة كجزء من إعادة ترتيب إقليمية أوسع، لا كقضية معزولة، وأن الضغط على جميع الأطراف دون انحياز علنى مكن واشنطن من لعب دور الوسيط القادر على فرض إيقاع جديد.
وبقيت الهجرة ملفا مركزيا فى سياسات 2025. فقد مضى ترامب قدما فى تشديد الإجراءات على الحدود، وتوسيع صلاحيات الترحيل، وتقليص برامج اللجوء. وهذه السياسات، التى أثارت انتقادات حقوقية، قوبلت فى المقابل بتأييد سياسى واضح من القاعدة المحافظة.
أما بالنسبة للشق الاقتصادي، أعاد ترامب إحياء النزعة الحمائية، وفرض رسوما جمركية جديدة، وراجع اتفاقيات تجارية، مفضلا الصفقات الثنائية على الأطر المتعددة الأطراف. ورأى ستيفن مور، أن هذه السياسات، رغم كلفتها قصيرة الأجل، فإنها أعادت الاعتبار للصناعة الأمريكية، ووجهت رسالة واضحة مفادها أن السوق الأمريكية ليست مفتوحة بلا شروط.
وفى السياسة الخارجية الأوسع، تميز عام 2025 ببرود واضح فى العلاقة مع الحلفاء التقليديين، مقابل انفتاح محسوب على خصوم سابقين. وهذا التحول فسره الكاتب بريت ستيفنز باعتباره انتقالا من سياسة «القيادة الأخلاقية» إلى سياسة «إدارة المخاطر»، معتبرا أن ترامب، رغم خطابه الصدامي، نجح فى تقليص الانخراط العسكرى المباشر، وهو إنجاز لا يمكن تجاهله فى سجل عام واحد. وداخليا، عمق عام 2025 حالة الاستقطاب، لكنه فى الوقت نفسه كشف عن أن ترامب لا يحكم من موقع الدفاع، بل من موقع فرض الرؤية. وعكست قراراته رغبة واضحة فى تثبيت تصور جديد للدولة الأمريكية، يقوم على تقليص المؤسسات الفيدرالية. وتشديد مفهوم السيادة، وربط السياسة الخارجية مباشرة بالمصلحة الاقتصادية والأمنية.
وسيظل عام 2025، محل جدل طويل، لكنه بلا شك العام الذى أعاد فيه دونالد ترامب، رسم ملامح القوة الأمريكية على طريقته الخاصة.





