تظل الحرب في أصلها وفلسفتها خرابًا شاملًا يصيب الجميع، فلا منتصر فيها سوى الموت، ولست ممن يحتفون بصراع الفيلين السوفيتي والأوروبي؛
إذ تظل الشعوب ومقدراتها هي العشب الذي تُسحق تحت أقدام الوحوش المتصارعة.
غير أن الغاية الأساسية من العودة إلى التاريخ ليست الانحياز لطرف ضد آخر، بل تفكيك الحاضر وقراءة خريطة التحالفات التي تعيد تشكيل نفسها اليوم، واستقراء ما يمكن أن تؤول إليه التحولات الجيوسياسية الراهنة.
.
إن المتابع لتاريخ أوروبا الحديث يستحضر حقيقتين لا يقبلان التشكيك؛ الأولى هي أن المعاهدات الدولية تُكتب دائمًا بمداد موازين القوى، وحين تتغير تلك الموازين تتحول الاتفاقيات من أدوات لحفظ الاستقرار إلى أغلال تسعى الدول الأقوى للإطاحة بها وإعادة صياغتها بالحديد والنار. لقد تجلت هذه الفكرة مع نابليون بونابرت، حيث كان كل انتصار عسكري يخلق واقعًا سياسيًا ينتهي بمعاهدة، وما تلبث موازين القوة أن تبدلت حتى يُعاد التفاوض أو يُضرب بالاتفاق عرض الحائط، وكان صلح “أميان” عام 1802 خير شاهد على هشاشة التسويات التي تفتقر إلى توازن مستقر، فلم يدم السلام طويلًا وعادت طبول الحرب تقرع بين فرنسا وبريطانيا. وفي عام 1871، ولدت ألمانيا الموحدة على حساب إخضاع فرنسا وضم الألزاس واللورين، ليُعاد رسم الميزان الأوروبي من جديد. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى، لم تدخلها القوى العظمى متوقعة صراع استنزاف طاحن يلتهم القارة، بل توهم الجميع حسمًا سريعًا، قبل أن تتكفل منظومة التحالفات المعقدة والتعبئة العسكرية بحرمانهن من ذلك التوهم.
.
أما الحقيقة الثانية، فتتجلى في المشهد الختامي لمؤتمر يالطا عام 1945. ورغم أن الحلفاء ظهروا أمام العالم ككتلة واحدة تتصارع من أجل الحرية، إلا أن ما كشفته الوثائق أثبت أن جوزيف ستالين فرض إرادته الكاملة، في وقت عجز فيه ونستون تشرشل عن ردعه، وتجنب فرانكلين روزفلت إغضابه. لم تكن يالطا طاولات مفاوضات متكافئة، بل كانت انعكاسًا لميزة جغرافية وعسكرية حاسمة؛ فالجيش الأحمر كان يسيطر بالفعل على الأرض في شرق أوروبا، في حين كانت الجيوش الغربية بعيدة جغرافيا. ومن ثم، لم تكن المفاوضات تدار حول الأفكار أو النوايا، بل حول التوازنات الصلبة الواقعة على الأرض.
.
كان لدى تشرشل أجندته الخاصة؛ إذ أراد أن تسيطر بريطانيا على المناطق الغنية في ألمانيا، واستقلال دول البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا)، وتحرير بولندا بالكامل، إضافة إلى تأمين النفوذ البريطاني في اليونان وقبرص والسواحل الإيطالية. لكن ستالين لم يكن خصمًا هيّنًا؛ فقد فطن مبكرًا لمحاولات تشرشل وروزفلت المماطلة في فتح جبهة ثانية بشمال فرنسا لاستنزاف الجيش الأحمر والجيش الألماني معًا. لقد خاض السوفييت بمفردهم تقريبًا أعتى مراحل الحرب بين عامي 1941 ومطلع 1943. ولكي يضمن الغرب بقاء ستالين في المعسكر، قدم روزفلت وتشرشل تعهدًا أمنيًا خطيرًا يتفهم بقاء القوات السوفيتية في الأراضي التي تحررها.
.
ومع نجاح السوفييت في كسر شوكة الألمان في معركة “كورسك” صيف 1943، انتقلت المبادرة الاستراتيجية تمامًا ليد ستالين. وحين التقى الكبار الثلاثة في طهران في نوفمبر 1943، كان الحاكم السوفيتي في موقفه الأقوى، فرسخ انتزاع موافقتهم على ضم شرق بولندا وجمهوريات البلطيق باعتبارها أراضي اقتطعت سابقًا من الامبراطورية الروسية. ولأن تشرشل لم يملك أدوات ضغط حقيقية لردعه، ذهب للبرلمان البريطاني يبرر موافقته بأن مطالب ستالين شرعية لإعادة الأراضي السوفيتية لحضن الوطن الأم.
.
بحلول يالطا في فبراير 1945، طوق الجيش الأحمر الشرق الأوروبي، فلم يستطع الغرب سوى الحصول على تعهد شكلي بإجراء انتخابات ديمقراطية لتقرير المصير. وبطبيعة الحال، أجرى ستالين تلك الانتخابات بطريقته الخاصة التي أنتجت أنظمة موالية لموسكو بالكامل. كان هذا الواقع يناقض تمامًا الشعارات الغربية البراقة؛ فتشرشل الذي صدّع العالم بمبادئ الديمقراطية، جلس مع ستالين في أكتوبر 1944 ليقسما النفوذ في شرق أوروبا على قصاصة ورق صغيرة، يُحسم بها مصير ملايين البشر. بل إنه في مؤتمر طهران، عُقد اجتماع “أعواد الثقاب” الشهير بين تشرشل وإيدن وستالين لإعادة رسم حدود ألمانيا وبولندا، من خلال تعويض بولندا بقطع أجزاء من شرق ألمانيا وضمها إليها، لتقوم بولندا الحديثة على أراضٍ ألمانية تاريخيًا.
.
وهنا تكمن الخطورة المعاصرة؛ فوفق السلوك الأوروبي المعتاد، إذا ما تم الاستغناء عن الحاجة لروسيا وشعور ألمانيا بالاستقواء مجددًا بعد السماح بإعادة تسليحها، فقد تطالب مستقبلاً بأراضيها السلبية في يالطا، بحجة استرداد بولندا لشرقها الذي سيطر عليه ستالين. فالشرق البولندي الذي ضمه السوفييت عام 1939 كان محل نزاع تاريخي بين معاهدة “ريجا” 1921 والإرث القيصري الروسي. يوضح ذلك أن خريطة أوروبا حافلة بالتعقيدات الدفينة التي جرى تغطيتها بعباءات وشعارات براقة، تمامًا كما يجري اليوم تحت شعار حماية أوكرانيا.
.
ولفهم جذور الدوافع الحالية، ينبغي تفكيك المسار الأمني؛ فقد تأسس حلف “الناتو” للوقوف بوجه التمدد السوفيتي، ليرد الأخير بتأسيس حلف “وارسو”. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو وانكفاء موسكو على جراحها، لم يتم حل “الناتو”، بل قُدمت تعهدات شفهية لروسيا عام 1991 بعدم توسع الحلف شرقًا أو ضم أي دولة من الكتلة الشرقية السابقة. لكن يستحيل على التوازنات الدولية أن تحترم ضعيفًا؛ فنُقض التعهد ابتداءً من عام 1999 بضم بولندا والتشيك والمجر، ثم تلاه توسع عام 2004 بضم دول البلطيق الثلاث وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، ثم ألبانيا وكرواتيا في 2009، والجبل الأسود في 2017، ومقدونيا الشمالية في 2020.
.
وصولاً إلى المحاولة المحمومة لضم أوكرانيا إلى الناتو، وهي خطوة لم تكن أوروبا بحاجة إليها استراتيجيًا إلا بهدف المساس المباشر بالأمن القومي الروسي. فتحويل أوكرانيا لثغرة أمنية على حدود موسكو لا يملك مثيلاً في التاريخ المعاصر سوى أزمة الصواريخ النووية في كوبا عام 1962، والتي كانت ستشعل حربًا عالمية ثالثة. من وجهة النظر الاستراتيجية الروسية، فإن التغاضي عن خرق الخرق الأخير في أوكرانيا يعني أن المواجهة القادمة ستكون في قلب موسكو، عبر زرع صواريخ منظومة الناتو على مقربة خطيرة من مراكز اتخاذ القرار. ومن ثم، يتضح جليًا أن ما يحدث اليوم ليس مجرد نزاع حدودي طارئ، بل هو محاولة غربية كاملة الأركان للانقلاب على مخرجات مؤتمري طهران ويالطا، وتصفية الحسابات الجيوسياسية مع الإرث السوفيتي بأثر رجعي.




