كان وياريته ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان
مدينة بعيدة جدا لم نعرف عنها شئ تقول عن نفسها إنها مدينة العدل والمساواة والقانون والرحمة ثم تمشي في شوارعها وكأن هذه الكلمات مجرد زينة لغوية معلقة علي الجدران
مدينة إذا نظرت إليها من الأعلى ظننت أنها أنيقة ومهذبة وإذا نزلت إلى أرضها اكتشفت
أنها تتعامل مع الفقير باعتباره عنصرا قابلا للتجاهل
ومع الغني باعتباره عنصرا قابلا للتصفيق
مدينة تروى فيها الحكايات كما تروى في ألف ليلة وليلة ولكنها هذه المرة لم تكن حكايات عن ملوك وسلاطين بل عن أرواح صغيرة تمر بصمت ثم تختفي دون وداع
يحكى أن في تلك المدينة هناك فتاة بسيطة بائعة شاي تقف كل يوم على الرصيف لتكسب رزقها بالحلال لم تكن تملك إلا إبريق شاي صغير وابتسامة تحاول أن تكمل بها يومها تعمل بصمت وتعيش بستر وتكسب يومها بالحلال
فكانت لا تعرف التيك توك ولا تعرف أن هناك عالما كاملا يمكن أن يصبح فيه الرقص مهنة من اجل الترند والشهرة والمال ايضا
كانت من أهل التعب الصامت والعمل الشريف تعيش يومها بكفاح وكرامه
وفي الجهة الأخرى من المدينة كان أهل القمة
ولد وبنت يركبون في سيارة فاخرة يملكون السرعة ولا يملكون الانتظار يظنون أن الطريق ملك لهم وحدهم
وفي لحظة واحدة اصطدمت السيارة بالفتاة
سقط إبريق الشاي ودهست الفتاة وهي واقفة في مكانها لا ذنب لها إلا أنها كانت في طريق لا يراها
وسقطت هي على الرصيف وانتهت الحكاية في ثوانى
لكن الأشد قسوة لم يكن الاصطدام نفسه بل ضحك الولد والبنت بعد الحادث كأن ما حدث مجرد مشهد عابر لا روح فيه
تجمع الأهالي بسرعة وتم إبلاغ الشرطة وبالفعل تم القبض على الشاب والفتاة
ومع ذلك لم تنتهى القصة
ففي هذه المدينة بدأت الأقاويل تدور
أنهما قد يخرجان بسبب صغر سنهما
أو بسبب النفوذ والمال
أو لأن الأبواب لا تغلق في وجه أهل القمة
ثم خرج الحكماء على الشاشات
يتكلمون كثيرا في البرامج يشرحون كثيرا يرفعون الصوت لتهدئة الناس
حتى ظن الناس أن الكلام قد صار بديلا عن العدالة وأن الصوت المرتفع يمكن أن يغطي على الحقيقة لكن لا شيء يتغير على الأرض سوى المزيد من الكلام.
وبقيت الحقيقة بسيطة وواضحة لكنها بلا صوت
فتاة فقيرة رحلت
ورصيف صامت شاهد علي حياة انتهت سريعا
ومدينة تتقن الحديث أكثر مما تتقن العدالة
وهكذا اختلطت الحقيقة بالتبرير وبقي الألم واضحا
بينما العدالة أصبحت بعيدة وبطيئة
وفي ختام الحكاية
نامت المدينة كعادتها لأنها اعتادت ذلك
فالمدن الكبيرة تتقن تدريب أهلها على النسيان و الصمت والدهشه
وهكذا انتهت الحكاية أو لعلها بقيت معلقة كما هي
كأنها تنتظر عدلا لا يأتي
نامت المدينة على وعودها الكبيرة العدل والمساواة والقانون فالنهاية كانت هادئة جدا تشبه الصمت كثيرا
انتهت الحكاية
لكن أثرها لم ينتهى أو بقي أثرها في صمت
لست كاتبة روايات ألف ليلة وليلة ولا أجيد صنع الحكايات كما يفعل الكبار في السرد كل ما فعلته أنني كتبت ما رأيته كما هو بلا إضافة ولا مبالغة




