يعد الإقرار والشهادة من أقوى أدلة الإثبات شرعاً وقانوناً، ويشترط لصحتهما توافر أهلية الأداء (العقل، التمييز، البلوغ) والإرادة الحرة، مع خلوهما من الإكراه والتدليس. يجب أن يكون الإقرار صريحاً وممكن الصدق، بينما تتطلب الشهادة العدالة، ومعاينة المشهود به، والمطابقة بين أقوال الشهود، مع الالتزام بنصاب الشهادة الشرعي.
کما حرص المشروع على أن تضم نصوصه شروط صحة الإقرار والشهادة، دون إحالة في ذلك إلى كتب الفقه – کما جرت بعض التشريعات العربية -، وذلك التزاماً منه بمبدأ الشرعية الذي يقضي بأن يبين القانون الجنائي كل ما يتصل بالجريمة والعقوبة من أركان وشروط وأحكام، دون أن يكمل في ذلك بها يخرج عن نصوصه، هذا فضلاً عن مشقة الرجوع إلى كتب الفقه، وصعوبة تحديد الراجح بين المذاهب أو داخل المذهب الواحد.
وقد تناولت المادة (107) من المشروع شروط صحة الإقرار، وهي أن يكون الجاني عاقلاً بالغاً مختاراً وقت الإقرار، غير متهم في إقراره، وأن يكون إقراره صريحاً واضحاً لا خفاء فيه، تفصح عبارته عن حقيقة المقصود به دون لبس أو غموض، وأن يكون منصباً على ارتكاب الجريمة بكل أركانها وشروطها «تبصرة الحكام، جزء 2 ص 40».
کا نص المشروع في المادة (108) على جواز رجوع الجاني عن إقراره آخذاً برأي الجمهور. وفي هذه الحالة يسقط الحد إذا لم يكن ثابتاً إلا بالإقرار « شرح الخرشي، جزء 5 ص 344، حاشية الدسوقي، جزء 4 ص 345، مواهب الجليل، جزء 6 ص 312 ، وأسني المطالب، جزء 4 ص 150 ، والبدائع، جزء 7 ص 88 ، وفتح القدير، ج 4 / ص 258.
ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط العدالة في الشاهد؛ لقوله سبحانه وتعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)، ولقوله تعالى: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا). والمراد بالعدالة أن يجتنب الشخص الكبائر، ويتقي في الغالب الصغائر. ومن المتفق عليه أن مما يخل بالعدالة ارتكاب أفعال الفسق، والأفعال التي تنال من المروءة، أو تجرح الكرامة. «شرح الخرشي، ج5/ ص 177 ، ومواهب الجليل، ج 6 / ص 150 ، وشرح فتح القدیر، ج 4 / ص 407، وتبصرة الحكام، ج 1 / ص 217».
وقد اختلف الفقهاء في ثبوت العدالة، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب على القاضي التحري عن عدالة الشهود، والتحقق من ثبوتها ولو لم يجرحهم المشهود عليه، لأن عدالة الشاهد شرط لازم للحكم بمقتضى شهادته « مواهب الجليل، ج 6 / ص 150 ، وأسنى المطالب ج 4 / ص 312 ، والمغني، ج 9 ص 165».
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يفترض في الشاهد العدالة ما لم يجرحه المشهود عليه قبل أداء الشهادة. واستثنى من ذلك الحدود والقصاص فإنه يسأل فيها عن الشهود وإن لم يجرحهم الخصم لأنه يحتال لإسقاطها فيشترط الاستقصاء فيها. (شرح فتح القدير ج4 ص 116، البدائع ج 6 / ص 270 ، المبسوط ج 9 ص 38).
وذهب المالكية إلى أنه يكتفى بظاهر عدالة الشاهد ولا يسأل عنه، إلا إذا جرحه المشهود عليه؛ وذلك استنادا إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الناس عدول بعضهم على بعض، إلا محدودا في قذف». (حاشية الدسوقي، ج 4 / ص 319).
وبهذا الرأي الأخير أخذ المشروع، فنص في المادة (107) الفقرة الثالثة على أنه «فترض في الشاهد العدالة، ما لم يقم الدليل على غير ذلك قبل أداء الشهادة». وقد آثر المشروع هذا الرأي عملاً على سرعة البت في القضايا، ولصعوبة تحقيق صفة تتناول كل حياة الشاهد ولا تقتصر على وقائع محددة، وهو تحقيق قد يطول أمده، ويتعذر في أغلب الأحيان إجراؤه. ولذلك اعتبر المشروع أن الأصل في الشاهد العدالة، ما لم يثبت العكس بأن يجرحه المشهود عليه قبل أداء الشهادة بنسبة وقائع معينة محددة من شأنها أن تحل بعدالته، فإذا ثبت للقاضي من التحقيق صدق ادعائه، رد شهادة الشاهد لانتفاء العدالة.
كما اشترط المشروع في الشاهد الإبصار والقدرة على التعبير قولاً أو كتابة، وإنما اشترط المشروع الإبصار رغم وقوع الخلاف عليه في الفقه؛ لأن جريمة الحرابة تقوم على الأفعال المرئية التي تقتضي تمييز الأشخاص والأفعال بالبصر. ويستند المشروع في ذلك إلى ما يراه الحنفية من اشتراط الإبصار في الشاهد عند التحمل وعند الأداء؛
لأن الشهادة تقتضي العلم بالواقعة وتمييزها بأوصافها الخاصة ومعرفة المشهود له والمشهود عليه « المبسوط، ج 16 / ص 129 ، وشرح فتح القدير، ج 6 / ص 29 » كما يستند المشروع كذلك إلى ما يراه الشافعية من عدم جواز شهادة الأعمى في الأفعال المرئية كالقتل والسرقة وقطع الطريق «المهذب، ج2/ ص 33، ومغني المحتاج، ج 4 / ص 44 »
أما اشتراط القدرة علي التعبير قولاً أو كتابة، فقد أخذ المشروع فيه برأي المالكية من قبول شهادة الأخرس إذا استطاع أن يؤديها بالكتابة، ذلك أن الكتابة تستوي مع القول في إمكان التعبير عن الفكرة في وضوح. «حاشية الدسوقي، ج4/ ص167، شرح الخرشي ج5/ ص 179 ومواهب الجليل ج6 ص154،،.
وإذا كان لا خلاف في الفقه حول قطعية الشهادة وصراحتها وورودها على كافة وقائع الجريمة وزمانها و مكانها، فقد اشترط المشروع في الفقرة الرابعة من المادة (107) لصحة الشهادة أن تكون صريحة الدلالة على وقوع الجريمة بالشروط المبينة في القانون، فلا يكفي أن يشهد الشاهد على بعض وقائع الجريمة وشروطها، ويشهد الآخر على باقيها بحيث تتكامل الشهادتان،
بل ينبغي أن يشهد كل شاهد منها على كافة وقائع الجريمة وشروطها المبينة في القانون، أما إذا زاد عدد الشهود عن اثنين، فيكفي أن يتوفر نصاب الشهادة بالنسبة لكل واقعة على حدة، فيجوز أن يشهد شاهدان على واقعة، ويشهد آخران على واقعة أخرى، وتثبت الجريمة بشهادتهم جميعاً طالما اكتمل نصاب الشهادة بالنسبة لكل واقعة.
كما أفسح المشروع للجاني مجال الرجوع في إقراره طوال مراحل نظر الدعوى، حتى صدور الحكم النهائي من محكمة الجنايات، إذ بهذا الحكم تخرج الدعوى من ولاية المحكمة.
عدم اكتمال شروط الدليل الشرعي:
عني المشروع بالنص في المادة (109) على أنه في حالة عدم اكتمال شروط الدليل الشرعي المبينة في المواد (107) من المشروع، أو لعدول الجاني عن إقراره طبقاً للمادة (108)، ولم تكن الجريمة ثابتة إلا به تطبق العقوبات التعزيرية الواردة في قانون العقوبات أو أي قانون آخر إذا كون الفعل جريمة معاقبا عليها قانوناً ، وذلك متى ثبت للقاضي ارتكابها بأي دليل أو قرينة أخرى، وذلك على أساس أن الإثبات في الحدود يعتبر ركناً موضوعياً في الجريمة الحدية،
بحيث إذا لم يتوافر انتفت الجريمة لفقدان أحد أركانها، فإذا كون ذات الفعل المادي جريمة معاقباً عليها تعزيراً بمقتضى هذا القانون أو أي قانون آخر، وجب معاقبة الجاني عليها على أساس أنها تعتبر جريمة أخرى تختلف عن الجريمة الحدية في أركانها. إذ ينقصها ركن الإثبات وإن اتحدت مع الجريمة الحدية في باقي الأركان، ويكون إثباتها في هذه الحالة متروكاً المطلق تقدير القاضي الجنائي دون التقيد بدليل أو قرينة معينة تمشياً مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، من أن إثبات جرائم التعزير – خلافاً لجرائم الحدود والقصاص – لا يتقيد بطرق خاصة « الفتاوی الهندية، ج 2 ص 167». وهو ما يتفق مع مبدأ حرية الإثبات في المسائل الجنائية المعمول به في القانون الوضعي.
العود:
کا عالج المشروع في المادة (110) عود الجاني إلى ارتكاب الجريمة بعد توقيع الحد، عليه. وإذا كان الأصل في القوانين الوضعية هو تشديد العقاب في حالة العود؛ زيادة في ردع الجاني الذي لم تردعه عقوبة الجريمة الأولى – فإن الوضع يختلف بالنسبة للحدود، فالعقوبة الحدية لا يجوز تشدیدها مهما تكرر العود؛ ذلك أن الحدود عقوبات معينة محددة لا مجال للزيادة فيها أو النقص منها، ولا يحل للحاكم أو القاضي تجاوزها، وإلا كان متجاوزاً حدود الله، هذا أمر لا جدال فيه ولا خلاف عليه، وإنما وقع الخلاف في إمكان توقيع حد القطع في الجريمة التالية على الجاني العائد الذي سبق قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وهل تقطع باقي أطرافه، أو تستبدل بعقوبة القطع عقوبة أخرى؟
ذهب رأي إلى جواز تكرار القطع حتى تقطع كل أطرافه، وحجته خبر روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مضمونه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في السرقة الثالثة والرابعة، كما يستدل هذا الرأي من القياس بأن الأطراف تقطع جميعها في القصاص لأجل حقوق العباد، فتقطع أيضاً إذا تكررت السرقة، ومن هذا الرأي مالك والشافعي.
وذهب رأي آخر إلى أنه بعد قطع يده اليمنى ورجله اليسرى لا تقطع له يد ولا رجل، بل يحبس حتى تستبين توبته. وحجة هذا الرأي أن قطع شيء بعد اليد اليمنى والرجل اليسرى لا يمكن معه أن يقوم المقطوع بحاجاته، ويستند هذا الرأي إلى ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من أنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل اليسرى، فقال لأصحابه ما ترون في هذا؟ قالوا: « اقطعه يا أمير المؤمنين». قال: « قتلته إذن، وما عليه القتل». ومن هذا الرأي الحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل.
وبهذا الرأي الأخير أخذ المشروع؛ لأن فيه إبقاء على حياة الجاني، وحتى يستطيع أن ينال بنفسه المطالب الضرورية لحياته، وفي هذا الأساس جرى المشروع في المادة (110) على أنه إذا ارتكب العائد من أفعال الحرابة ما يستوجب الإعدام أو الإعدام والصلب – وقعت عليه هاتان العقوبتان، أما إذا اقتصر على ارتكاب ما يوجب حد القطع، فإنه لا قطع عليه، ويكتفى بعقوبة السجن.
أما ما نصت عليه المادة (111) بشأن إجراءات التحقق من توبة العائد، فهي إجراءات تنظيمية قصد بها التثبت من حصول التوبة بالفعل، والاطمئنان إلى عدم عودة الفاعل للجريمة مرة أخرى، ولكن كانت التوبة في ذاتها أمراً مضمراً بين العبد وربه، إلا أنه لما كانت الأحكام لا تناط إلا بالمظاهر الخارجية الواضحة – فقد وضعت هذه الإجراءات التحقيق هذه الغاية.
أحكام خاصة في القطع:
وقد يحدث أحياناً أن تكون يد السارق اليمني ورجله اليسرى شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصبع، وفي هذه الحالة اختلف الفقهاء في شأن القطع، فذهب الحنفية إلى أنها تقطع؛ لأنها لو كانت سليمة تقطع باتفاق، فالناقصة المعيبة أولى بالقطع « البدائع، ج 7/ ص 87». وبهذا الرأي أخذ المشروع في الفقرة الأولى من المادة (115).
كما أن هناك حالات أخرى رأى الفقهاء ألا قطع فيها، وهي الحالات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة.
فبالنسبة للحالتين (أ)، (ب) أخذ فيهما المشروع بمذهب الحنفية؛ لأن القطع شرع للزجر لا للإهلاك «شرح فتح القدير، ج 4 / ص 250 ، المبسوط، ج 9 ص 168).
أما بالنسبة للحالة (ج) فقد أخذ المشروع فيها برأي الجمهور الذي يرى أن القطع يسقط، ولا ينتقل الحد إلى عضو آخر «شرح الخرشي، ج5/ ص 345، حاشية الدسوقي ج 4 / ص 347 ، مواهب الجليل، ج 6 / ص 313 ، البدائع ج 7 ص 88 ، المغني ج 10/ ص 269 .
على أن امتناع القطع في الحالات السابقة لا يعفي الجاني من عقوبة التعزير، ولذلك قضى المشروع في الفقرة الأخيرة من هذه المادة على أن تستبدل بالقطع في هذه الحالات السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات.
—
الدكتور عادل عامر
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا




