الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع

الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
أجرت الحوار. د. أمل درويش.. “الجزء الرابع”
•التمسّك بالهوية لا يعني الانغلاق، بل الوعي بالجذور مع القدرة على التجدّد
• • وما هي التحولات التي طرأت على المجتمعات بعد ثورة التكنولوجيا، وانفتاح الثقافات على بعضها؟
– سؤال التحوّلات بعد ثورة التكنولوجيا لا يمكن النظر إليه بوصفه ظاهرة واحدة، لأننا في الحقيقة أمام نموذجين متوازيين من المجتمعات، لا مجتمعًا واحدًا.
هناك مجتمعات أدركت أن التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، بل أفقٌ جديد للفكر؛ فسارعت إلى الإبداع، والابتكار، وإنتاج المعرفة. هذه المجتمعات لم تكتفِ بملاحقة الزمن، بل حاولت أن تسبقه، وأن تضيف إليه، فانفتاحها على الثقافات كان حوارًا واعيًا، لا ذوبانًا فيها.
في المقابل، هناك مجتمعات أخرى وجدت نفسها أمام هذا الانفتاح دون استعداد معرفي حقيقي؛ فبدل أن تتفاعل، اكتفت بالاستهلاك. تعيش على أفكار الآخرين، وتتناقض في مواقفها: ترفض الجديد باسم التحريم أحيانًا، ثم تنجذب إليه دون وعي أحيانًا أخرى. وكأنها تقف في منطقة رمادية، لا هي حافظت على أصالتها بوعي، ولا هي دخلت الحداثة بفهم.
المشكلة هنا ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب الرؤية. فحين يُلغى العقل، ويُستبدل بالنقل الأعمى، يتحول الانفتاح إلى تقليد سطحي: انبهار بالإعلانات، بالمدن، بالمظاهر، دون إدراك حقيقي للمعنى أو الغاية. يصبح الفعل بلا سؤال، والتجربة بلا وعي.

لذلك، أرى أن التحدي الحقيقي ليس في مواكبة العالم، بل في أن نمتلك رؤيتنا الخاصة—أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا أن نكرر ما فعلوه. فالمجتمعات التي تظل أسيرة ماضيها، تبكي على أطلاله دون أن تفهمه، ستبقى معلّقة بين زمنين: لا هي في الماضي الذي تمجّده، ولا هي في الحاضر الذي تعجز عن استيعابه.
أما المجتمعات التي توازن بين الجذور والوعي، فهي وحدها القادرة على تحويل هذا الانفتاح إلى فرصة حقيقية للنمو، لا مجرد حالة من الذوبان أو الاغتراب.
• في زمن الذكاء الاصطناعي، كيف نستطيع كشف الحقيقي من المزيف؟ وكيف يمكن تنمية الوعي لدى الأجيال الجديدة، وحثهم على التمسك بهويتهم؟
– في زمنٍ يتداخل فيه الحقيقي بالمُصطنع، لم يعد التمييز بينهما مسألة حدسٍ فطري، بل فعل وعيٍ مُدرَّب. فالكشف عن الزيف، في رأيي، يبدأ من العلم—لا بوصفه معرفة جامدة، بل كقدرة على السؤال والتحليل. القراءة هنا ليست ترفًا، بل وسيلة مقاومة؛ وكلما اتسعت دائرة اطلاع الإنسان، صار أقل عرضة للخداع، وأكثر قدرة على تفكيك ما يُعرض عليه، مهما بدا مُقنعًا.
كما أن متابعة كل ما هو جديد لا تعني الانبهار به، بل فهمه، ومساءلته، ووضعه في سياقه. فالعقل الذي يتغذّى بالمعرفة، لا يُخدع بسهولة بالصورة أو الخطاب، لأنه يبحث دائمًا عمّا وراءهما.
أما عن تنمية الوعي لدى الأجيال الجديدة، فأرى أن الاستثمار الحقيقي ليس في البناء الخارجي، بل في بناء العقل. فالعقل الواعي هو الذي يمنح الإنسان حريته، ويجعله قادرًا على الاختيار، لا مجرد تابعٍ لما يُملى عليه. القراءة، التفكير النقدي، الحوار المفتوح—هذه هي الأدوات التي تصنع إنسانًا يرى، لا يُرى له فقط.
وبالنسبة لمسألة الهوية، فهي ليست قالبًا جامدًا يُفرض، بل سؤالٌ يجب أن يُطرح: أيّ هوية نريد؟
هل هي هوية الماضي كما هو، أم هوية تتطوّر دون أن تنقطع؟
التمسّك بالهوية لا يعني الانغلاق، بل الوعي بالجذور مع القدرة على التجدّد. هو أن نعرف من نحن، لا أن نكرّر ما كنّا عليه فقط. فالهُوية الحقيقية ليست ما نرثه فحسب، بل ما نعيد تشكيله بوعينا، في كل زمنٍ نعيشه.
• من برأيك أكثر تشككا في قبول الذكاء الاصطناعي، ومن الأقدر على التعامل معه.. الأجيال السابقة أم أطفال وشباب اليوم؟
– أظن أن الموقف من الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالعمر بقدر ما يرتبط بطبيعة العلاقة مع المعرفة.
هناك من ينتمي—فكريًا لا زمنيًا—إلى حالةٍ من الخوف من التغيير؛ يفضّل بقاء الأشياء كما هي، لأن الحركة تُقلق استقراره. هؤلاء يميلون إلى التشكيك في كل ما يوقظ العقل، لا لأنهم يرفضون التطور لذاته، بل لأنهم يخشون ما يحمله من تحرّرٍ وفقدانٍ للسيطرة. في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي تهديدًا، لا لأنه خطر، بل لأنه يكسر حالة “الركود المريح”.
في المقابل، نجد أن الأجيال الجديدة—الاطفال والشباب—وُلدوا في عالمٍ مفتوح، حيث المعرفة لم تعد حكرًا على أحد، بل صارت متاحة بضغطة زر. هذا الانفتاح منحهم مرونة أكبر في التقبّل، وقدرة أسرع على التكيّف والتجريب. هم لا يرون في التكنولوجيا قطيعة، بل امتدادًا طبيعيًا لحياتهم.
لكن الأهم من ذلك، أن “العقد قد انفرط” بالفعل؛ لم يعد ممكنًا احتكار المعرفة أو توجيهها في اتجاهٍ واحد. وهذا ما يمنح الأمل: أن الجيل القادم قد يكون أكثر قدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، لا كأداةٍ للاستهلاك فقط، بل كوسيلة للفهم والإبداع.
ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي ليس في القبول أو الرفض، بل في كيفية الاستخدام: هل سنستخدم هذه الأدوات لتوسيع وعينا، أم سنسمح لها أن تُبقي عقولنا في حالة خمول بشكلٍ جديد؟ هنا يتحدد الفارق بين جيلٍ يتطور… وآخر يكتفي بالمشاهدة.
• ما الذي يحتاجه أطفال اليوم ليصبحوا مؤثرين وفاعلين في المستقبل؟
– أرى أن أطفال اليوم لا يحتاجون فقط إلى أدواتٍ جديدة، بل إلى بناءٍ متكامل للعقل يجعلهم قادرين على الفهم قبل الفعل، وعلى الإبداع قبل التقليد.
في المقدمة تأتي القراءة، لا بوصفها عادة مدرسية، بل كنافذة على العالم، توسّع الخيال وتُنمّي القدرة على التفكير. ومعها التعليم الحديث، الذي لا يكتفي بتلقين المعلومات، بل يعلّم الطفل كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يبحث.
لكن الأهم هو أن يتم هذا البناء تحت إشراف متخصصين حقيقيين في مجالات مثل التكنولوجيا، وعلم النفس، والفلسفة؛ لأن الطفل اليوم لا يعيش في عالمٍ بسيط، بل في واقعٍ متداخل، يحتاج إلى عقلٍ مرن يفهم الآلة، ويستوعب ذاته، ويتأمل وجوده.
بهذا التكوين، لا يصبح الطفل مجرد متلقٍ، بل فاعلًا: قادرًا على استباق الزمن، لا اللحاق به فقط، وعلى تحريك الفكر بدلًا من استهلاكه. فالإبداع لا يولد من المعرفة وحدها، بل من طريقة ترتيبها داخل عقلٍ حرّ وواعٍ.





