الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
الأديب محمد غنيم.. رحلة شغف وإبداع
أجرت الحوار د. أمل درويش.. “الجزء السادس”
• تدور هذه الأيام معارك حامية الوطيس على برامج التواصل، وعلى أرض الواقع من جمعيات حقوق الحيوان التي تدافع عن كلاب الشوارع، وترفض جمعها والاحتفاظ بها في مراكز إيواء مجهزة، رغم كثرة حوادث الاعتداء التي يتعرض لها الصغير والكبير في الشارع.. ويستدل هؤلاء بدول الغرب وحمايتها للحيوان، بل ويتهموا الآخرين بعدم الرحمة..
كيف يمكن حل هذه المشكلة، وبصفة حضرتك مقيم في إيطاليا، وسافرت الى العديد من دول العالم، ماذا يحدث في هذه الدول، وكيف يمكن الوصول إلى حل ينهي هذه الخلافات والاتهامات المتبادلة بين أفراد المجتمع؟
– المشكلة في جوهرها ليست “الكلاب” بحد ذاتها، بل غياب منظومة متكاملة لإدارة هذا الملف. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه: كيف وصلت هذه الحيوانات إلى الشارع أصلًا؟
كما يحدث مع ظواهر اجتماعية أخرى، الفوضى تبدأ من غياب المسؤولية، ثم تتحول إلى أزمة يتجادل حولها الجميع.
ماذا يحدث في أوروبا؟
في دول مثل إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، لا ترى حيوانات شوارع بالمعنى المنتشر لدينا، والسبب ليس القسوة، بل التنظيم الصارم:
1- كل حيوان أليف له مالك مُسجَّل قانونيًا
2- وجود شرائح تعريف (microchip) لتتبع الحيوان
3- عقوبات على من يتخلى عن حيوانه
4- مراكز إيواء، لكن دورها مؤقت ومنظم، وليس تخزينًا عشوائيًا
5- برامج تعقيم وتطعيم للحد من التكاثر
بمعنى آخر: الحيوان هناك “مسؤولية فرد”، وليس “مشكلة شارع”.
الخلل يا سيدتي ليس فقط في وجود الكلاب، بل في: تركها دون تنظيم أو تعقيم
ثانيا: غياب المحاسبة لمن يتخلى عنها
الخطاب الاعلامي مشحون يحوّل القضية إلى صراع عاطفي بدل حل عملي يؤدي الي انقسام المجتمع بين “رحمة عاطفية” و“خوف مشروع”
الحل ليس في الإقصاء ولا في الفوضى، بل في منظومة متوازنة: التعقيم والتطعيم المنهجي
للحد من التكاثر والسيطرة على السلوك العدواني، ثم إنشاء مراكز إيواء حقيقية ليست مجرد حجز، بل رعاية وتأهيل، مع خطط للتبني ومن ثم تجريم التخلي عن الحيوانات لأن أصل المشكلة يبدأ من هذا الفعل.
ثم نقوم بعمل توعية المجتمع على كيفية التعامل مع الحيوانات، ومتى يكون الخطر حقيقيًا كما يجب فصل الخطاب العاطفي عن الحلول العملية، إن الرحمة لا تعني ترك الخطر، والأمان لا يعني القسوة
المشكلة ليست صراعًا بين “قساة” و“رحماء”، بل بين فوضى وتنظيم. المجتمعات التي نجحت لم تفعل ذلك لأنها أكثر رحمة فقط، بل لأنها حوّلت الرحمة إلى نظام. وعندما نفعل ذلك، سنخرج من دائرة الاتهامات… إلى دائرة الحل.
• في ظل الصراعات الدائرة في العالم والتي تتمحور حول الطاقة والموارد الطبيعية مثل الماء والمعادن.
متى ستتجاوز الدول العربية هذه الصراعات وتجتمع في تكتل موحد “مثل الاتحاد الأوروبي” لتشكل كيانا اقتصاديا يوفر لها الأمان؟
– أفهم الفكرة التي تطرحيها، لكن اختزال مسألة معقّدة مثل وحدة الدول العربية في شرطٍ واحد فقط قد لا يعكس الصورة الكاملة. التجارب التاريخية تُظهر أن التكتلات الكبرى—مثل الاتحاد الأوروبي—لم تقم على عاملٍ واحد، بل على شبكة متداخلة من الشروط.
أول هذه الشروط هو إدارة التنوّع، سواء كان دينيًا أو مذهبيًا أو ثقافيًا، عبر أنظمة قانونية تضمن المساواة والحقوق للجميع دون إقصاء. هذا لا يعني بالضرورة نموذجًا واحدًا محددًا، بقدر ما يعني وجود عقد اجتماعي واضح يُشعر المواطن بالانتماء قبل أي انقسام آخر.
ثانيًا، هناك الإرادة السياسية المشتركة. فالوحدة لا تُفرض من أعلى، بل تُبنى على قناعة بأن التعاون يحقق مكاسب حقيقية للجميع، خاصة في مجالات مثل الطاقة، والمياه، والتجارة.
ثالثًا، التكامل الاقتصادي. لا يمكن لأي تكتل أن ينجح دون ربط المصالح: بنية تحتية مشتركة، تسهيل حركة التجارة، وتوزيع الأدوار حسب إمكانات كل دولة.
رابعًا، بناء الثقة، وهو ربما العنصر الأصعب. فالتجارب السابقة، والخلافات السياسية، تجعل أي مشروع وحدوي يحتاج إلى وقت وصبر، وخطوات تدريجية.
لذلك، يمكن القول إن تجاوز الصراعات والوصول إلى تكتل عربي قوي لن يحدث بقرارٍ واحد أو شرطٍ واحد، بل عبر مسار طويل يبدأ من إصلاح الداخل، ويمرّ عبر التعاون التدريجي، حتى تتشكل قناعة حقيقية بأن الوحدة ليست شعارًا… بل مصلحة مشتركة.
• العلم والإيمان… هل من الصحيح ربطهما معا، أم أنه من غير المنطقي إعادة كل اكتشاف علمي إلى نص ديني، مما يجعل البسطاء يتشككون في النص الديني إذا ما اكتشف العلم رأي جديد يخالف الأول؟؟؟
– أرى أن الخلط بين العلم والإيمان—بهذه الطريقة المباشرة—قد يكون إشكاليًا أكثر مما هو مفيد. فكلٌّ منهما ينتمي إلى مجال مختلف:
العلم يبحث في كيف يعمل العالم، بينما الإيمان يتعلّق بـمعنى الوجود وعلاقة الإنسان بالخالق.
المشكلة تظهر حين نحاول أن نجعل كل اكتشاف علمي دليلًا على نص ديني، أو العكس. لأن العلم بطبيعته متغيّر؛ يراجع نفسه باستمرار، ويصحّح نتائجه كلما ظهرت معطيات جديدة. فإذا ربطنا النص الديني—وهو ثابت عند المؤمن—بتفسيرات علمية متغيرة، فإننا نعرّضه لهزّات غير ضرورية. وعند أي تعارض ظاهري، قد يدخل البعض في دائرة الشك، لا بسبب النص، بل بسبب سوء الربط.
لذلك، من الحكمة أن نُبقي لكل مجال استقلاله: الإيمان يبقى علاقة داخلية، تجربة روحية بين الإنسان وربه، لا تحتاج إلى إثباتات علمية لكي تصحّ، والعلم يستمر في عمله بحرية، دون أن يُحمَّل ما ليس من طبيعته
هذا لا يعني وجود صراع بينهما، بل يعني عدم إجبار أحدهما على أن يكون دليلًا للآخر. فحين نحترم حدود كل مجال، نحمي الاثنين: نحمي الإيمان من التوظيف الخاطئ، ونحمي العلم من التفسير القسري.

بكلمات أبسط: الإيمان يُعاش… والعلم يُبحث. وعندما نخلط بين الطريقتين، نُربك الاثنين معًا.
• من خلال رحلتك إلى اليابان والصين، هل يمكننا في مصر ونحن نمتلك القوة البشرية أن نطبق التجربة اليابانية والصينية ونرتقي بالاقتصاد المصري؟ ماذا ينقص المواطن المصري ليصبح منتجا وفاعلا؟
– من خلال النظر إلى تجارب مثل اليابان والصين، يمكن القول إن سرّ النهضة لم يكن في الموارد فقط، بل في علاقة الإنسان بالعمل.
نحن في مصر نمتلك قوة بشرية هائلة، لكن التحوّل الحقيقي لا يبدأ من العدد، بل من جودة الفعل.
ما ينقص—في رأيي—ليس القدرة، بل بعض القيم الأساسية التي تصنع الفارق: بل في عدم الاتكال: أن يتحمّل الفرد مسؤوليته كاملة، دون انتظار دعم دائم أو شماعات جاهزة ، الإتقان: أن يُنجز العمل وكأنه يعكس كرامته الشخصية، لا مجرد واجب يُؤدى وأن يصبح الوقت قيمة حقيقية، لا موردًا مُهدرًا
أن يتحوّل العمل من عبء إلى معنى، ومن وظيفة إلى واجب، حين يصبح التعلم وسيلة للإنتاج، والعمل نوعًا من العبادة، يتغير سلوك المجتمع كله
التجربة اليابانية أو الصينية لا يمكن نقلها حرفيًا، لكنها تُلهمنا بفكرة جوهرية: أن النهضة تبدأ من الإنسان، لا من الخطط فقط.
فإذا تغيّرت نظرتنا للعمل، سيتغيّر الاقتصاد تبعًا لذلك—لأن أي نظام، مهما كان متطورًا، لن ينجح بعقلٍ لا يؤمن بقيمة ما يفعل.
بالنهاية نشكر حضرتك على سعة صدرك، ونتمنى لبلادنا التقدم والرخاء، ولشبابنا التوفيق والنجاح.
الأديب محمد غنيم





