أخبار مصرثقافةعاجلمقالات

◙ زمـــن الرغيـــف الحزيـــن …

◙ سطور من واحة الظلال - تكتبها : دنيا عبدالفتاح النجار ...

بلغني أيها الملك السعيد . ذو الرأي الرشيد ؛

 

أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان مملكة عجيبة لا تنام ليلا من كثرة الحكايات ولا تستيقظ صباحا إلا على خبر جديد!

.

مملكة لا ينقصها الكلام ولا تخلو من الخطب والبيانات.

.

مملكة يسكنها قوم بسطاء لا يملكون من كنوز الدنيا إلا قوت يومهم وكان أعظم كنز عندهم رغيف عيش صغير.

.

في تلك المملكة رغيف عيش صغير لكنه كان صاحب مكانة عظيمة يدخل كل بيت يجلس على الموائد بجوار الفقراء والأغنياء كأنه صاحب الدار.

.

ولعل سر الحكاية أن العيش ليس مجرد خبز يؤكل بل إن اسمه نفسه يحمل معناه فهو من العيش والحياة.

.

كان الرغيف زمان بسيطا لا يحتاج إلى حكاية طويلة كي يصل إلى الناس.. أما الآن فقد أصبح بطل قصة حزينة تروى كل يوم.

.

وفي يوم من الأيام خرج وزير الأسعار من قصره وكان وزيرا لا يمل من كتابة الأرقام الجديدة كلما أمسك بالقلم زاد شيئا على الناس.

.

مرة يزيد سعر الرغيف ومرة يرفع ثمن الأشياء التي حوله.

.

حتى أصبح المواطن يستيقظ كل صباح ينتظر المفاجأة الجديدة.

.

فكان الناس في المملكة يسمعوا الخبر المعتاد وهو زيادة جديدة في الأسعار.

.

ومن شدة التعب كان في المملكة من ضاقت به الدنيا فرحل عن الحياة تحت ضغط الأحزان.. ومن أصابته جلطة من كثرة التفكير ومن تهدمت بيوتهم بسبب الخلافات.. ومن فقدوا القدرة على احتمال الأيام.

.

كان الرغيف يسمع تلك الحكايات في صمت . وهو الذي كان يوما رمزا للبساطة فأصبح شاهدا على أحزان الناس.

.

وفي كل مرة كان الناس يشتكون ؛

كان رجال البلاط يخرجون إليهم بوجوه مطمئنة وكلمات مزينة.

.

يقولون أن كل شيء يسير على ما يرام وأن الزيادة تحمل في داخلها فوائد لا يراها إلا “المؤمنون” بوجهة نظرهم العمياء!.

.

يقولون إن قلة الطعام تجعل الإنسان أخف . وإن التعب يجعله أقوى . وأن من يموت من شدة التعب أو اليأس فذلك يساهم في حل مشكلة الزيادة السكانية.

.

وكان الناس ينظرون لبعضهم في دهشة وصمت منهم من يصدق لأن كثرة الكلام تجعل الحقيقة تختفي.

.

وبعضهم يصفق لأن التصفيق أحيانا يكون أسهل من الاعتراض.

.

 ومنهم من يبتسم بسخرية ومنهم من يضحك لأن الضحك بقي الشيء الوحيد الذي لم ترتفع أسعاره.

.

مع مرور الأيام بدأ الرغيف تتغير مكانته . وصار بطل الأحاديث اليومية . ويذكره الجميع أكثر مما يذكرون أسماء الوزراء الذين تسببوا في شهرته.

.

وبقي الرغيف جالسا على المائدة ينظر إلى كل ما يحدث ويقول في صمت.

.

أنا لم أعد مجرد خبز.. أنا أصبحت شاهدًا على زمن تغيرت فيه الحكايات.. زمن صار فيه البسيط يحتاج إلى معجزة لكي ينام قرير العين.. وأصبح الإنسان يحلم فقط أن يجد فيه قوت يومه.

.

وهكذا استمرت أو انتهت الحكاية . وزير يرفع الأسعار . وشعب يرفع حاجبيه دهشة!

.

ورغيف يرفع راية الحزن فوق المائدة. وحياة تحاول أن تستمر رغم كل شيء.

.

وأشهد أنني لا أتقن الكتابة ولا أجيد صناعة الحكايات مثل رواة ألف ليلة وليلة ؛

لكنني وكأنني رأيت رغيفا حزينا يمشي بين الناس فحاولت أن أحكي حكايته.

.

فإن رأيتم فيها شيئا من الصدق فذلك لأن الرغيف كان أصدق من الراوية!

.

وإن رأيتم فيها سخرية فسامحوا الزمان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى