المشهد الاستراتيجي في غزة المحاصرة : من حالة “إدارة الصراع” إلى واقع “تعدد الجبهات”
القاهرة - بقلم : الدكتور عادل عامر


أعاد المشهد الاستراتيجي بعد حرب غزة رسم خريطة التحالفات والتوازنات في الشرق الأوسط، حيث انتقلت المنطقة من حالة “إدارة الصراع” إلى واقع “تعدد الجبهات”، مما أدى إلى تصدع مفاهيم الردع العسكري، تعميق الارتباط العسكري بالولايات المتحدة، وإعادة ترتيب أولويات التسوية والقضية الفلسطينية في الأجندة الدولية
يُظهر إمعان النظر في هذه التفاعلات غلبة الطابع الصراعي عليها لمدة زمنية طويلة، وإن تباينت من دولة شرق أوسطية لأخرى، ولا يحتاج هذا الطابع لإثبات في الحالة الإسرائيلية، فقد أدى المشروع الصهيوني في فلسطين واحتلال أرضها وتشريد شعبها إلى ٣ حروب رئيسية بين إسرائيل والدول العربية في ١٩٤٨و١٩٦٧و١٩٧٣، فضلًا عن مواجهات أخرى مهمة، لعل من أهمها العدوان الإسرائيلي على مصر بالتواطؤ مع بريطانيا وفرنسا ١٩٥٦، وغزو لبنان ١٩٨٢ وغير ذلك الكثير، ناهيك عن الصدامات المتكررة مع المقاومة الفلسطينية،
وبالذات بعد أن استكملت إسرائيل احتلال أرض فلسطين في عدوان ١٩٦٧، أما حالتا تركيا وإيران فقد كانت الدولتان عضويًّا جزءًا من التحالف الغربي عقب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي كان دورهما فاعلًا في المواجهات بين حركة التحرر العربي والولايات المتحدة، كما ظهر في المحاولات الأمريكية لربط الوطن العربي بسلسلة الأحلاف الغربية، وبالذات في معركة حلف بغداد في منتصف خمسينيات القرن الماضي، والمفارقة أن الدولتين عندما قُدر لهما أن يشهدا تغييرًا حقيقيًّا بعيدًا عن التبعية للولايات المتحدة، وإن بدرجتين مختلفتين، قد بلورا مشروعين سياسيين انطويا على مصادر ذاتية للتناقض مع الدول العربية،
بعد أن كان المصدر الرئيسي للتناقض هو موقعهما من استراتيجية الهيمنة الأمريكية على المنطقة، فقد تحررت إيران تمامًا من التبعية للولايات المتحدة بنجاح ثورة ١٩٧٩، لكنها تبنت في الوقت نفسه استراتيجية لتصدير الثورة بموجب مبدأ “نصرة المستضعفين”، وأدى هذا لتوترات جمة في العلاقة مع عدد من دول الخليج العربية وصلت ذروتها بالحرب العراقية الإيرانية (١٩٨٠-١٩٨٨)، كذلك فإن إيران انخرطت في أحداث الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية بما يتسق مع مصالحها فأيدتها بوضوح في الحالة البحرينية مثلًا، وعارضتها بنفس الوضوح في الحالة السورية وهكذا،
مما ولد أنماطًا جديدة من التوترات في العلاقات العربية الإيرانية بلغت ذروتها في الحالة اليمنية باستيلاء جماعة “أنصار الله” على الحكم في صنعاء، وبداية مواجهة عسكرية في ٢٠١٥ بين التحالف العربي بزعامة السعودية وجماعة “أنصار الله” التي سيطرت على معظم شمال اليمن بدعم قوي من إيران.
أما تركيا فقد أصبح لها نهجها السياسي الخاص ومشروعها الإقليمي القائم على مرجعية إسلامية بوصول حزب “العدالة والتنمية” للحكم في ٢٠٠٢، وإن ظلت عضوًا في حلف شمال الأطلنطي، ورغم
على الرغم من التباين بين حالات الخبرة الصراعية للدول العربية مع محيطها الشرق أوسطي فإن هذه الخبرة قد كشفت عن نموذج للتفاعلات مفاده أن وصول الصراع إلى مستوى معين من الشدة يفضي بعد آماد زمنية متفاوتة بسبب تكلفته الباهظة إلى توجهات واضحة نحو الانفراج، وإن بصيغ مختلفة، وهو ما حدث في توقيتات متباينة مع كلٍّ من إسرائيل وتركيا وإيران لتظهر حالة عامة من التهدئة وبدايات التعاون مع الدول الثلاث، ففي الحالة الإسرائيلية بلغ الصراع مع الدول العربية ذروته بعدوان ١٩٦٧ والرد العربي الشامل عليه بحرب أكتوبر ١٩٧٣،
وبعد هذه الحرب بدأت مسيرة للسلام بين مصر وإسرائيل أولًا بلغت ذروتها بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في ١٩٧٩، وهي المعاهدة التي اعترضت عليها الدول العربية كافة عدا ثلاث دول لدرجة حدوث قطيعة رسمية بين مصر من جانب والدول العربية وجامعتها من جانب آخر، غير أن الطرف العربي لحق بقطار التسوية على أساس جماعي بإقرار قمة فاس ١٩٨٢ لمبادرة الأمير “فهد بن عبد العزيز” (ولي عهد السعودية آنذاك)، والتي وافقت على سلام بين الدول العربية وإسرائيل بضمانات من مجلس الأمن بشرط تلبية إسرائيل للمطالب العربية، وعلى رأسها الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
ولم تُلقِ إسرائيل بالًا لهذه المبادرة ل ٢٠ سنة كاملة حتى قدَّم الأمير “عبد الله بن عبد العزيز” (ولي عهد السعودية آنذاك) مبادرته التي أقرتها قمة بيروت ٢٠٠٢، وتضمنت مغريات أكثر لإسرائيل في مقابل تلبيتها للمطالب العربية مفادها قيام الدول العربية كافة بتطبيع علاقتها بإسرائيل حال استجابتها للمطالب العربية السابقة، ولم تبد إسرائيل هذه المرة أيضًا أدنى استجابة، ومع ذلك أقدمت ٤ دول عربية على التطبيع مع إسرائيل في ٢٠٢٠ دون أي شروط تتعلق بالقضية الفلسطينية، وسمحت هذه التطورات للقيادة الإسرائيلية بالادعاء بأن النهج الأمثل لحل القضية الفلسطينية هو استكمال تطبيع العلاقات مع الدول العربية، وقبيل عملية المقاومة الفلسطينية في غزة في ٧ أكتوبر٢٠٢٣ كان الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية هو إنجاز التطبيع السعودي الإسرائيلي استكمالًا لهذا المسار.
وإذا كانت هذه التطورات قد لحقت بالعلاقات العربية الإسرائيلية بكل ما انطوت عليه من خبرة صراعية ممتدة فلم يكن مستغربًا أن يمتد توجه التهدئة إلى العلاقات العربية التركية، وبالذات مع كل من السعودية والإمارات ومصر، بعد أن كان التوتر قد بلغ مبلغه في العلاقات التركية مع هذه الدول في سياق العلاقة الوطيدة بين تركيا وقطر من جانب والخلاف السعودي الإماراتي البحريني مع قطر من جانب آخر، وبالنسبة لمصر وتركيا يلاحظ أن التهدئة قد أعقبت ذروة التوتر بين البلدين على خلفية الصراع في ليبيا، وبالذات في يونيو ٢٠٢٠ عندما بدا أن الميليشيات الموالية لحكومة غرب ليبيا المؤيدة من تركيا قد تمكنت من كسر حصار الجيش الوطني الليبي المؤيد من مصر لطرابلس، والتقدم باتجاه الشرق مع شعارات هوجاء تتحدث عن الوصول للسلوم،
وعند هذا الحد أعلن الرئيس المصري خطه الأحمر (سرت-الجفرة)، وأن تجاوز ميليشيات الغرب لهذا الخط يعني تدخلًا عسكريًّا مصريًّا مباشرًا فيما وراء الحدود، وأعقب ذلك التهديد إجراء مناورات عسكرية مصرية ضخمة كتأكيد لمصداقية الردع المصري، ومنذ ذلك التهديد توقف تقدم الميليشيات باتجاه الشرق، وبدا أن القيادة التركية قد أدركت خاصة في ظل احتدام خلافاتها مع العديد من القوى الإقليمية والدولية آنذاك أنه قد آن الأوان لتغيير الاتجاه بالعودة لسياسة تصفير المشاكل، وهو ما وجد استجابة مصرية فبدأت محادثات متئدة ومتصاعدة من حيث مستواها إلى أن تم التوصل إلى إعلان البلدين رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفارة في يوليو ٢٠٢٣ إيذانًا بعودة العلاقات السياسية إلى طبيعتها، علمًا بأن العلاقات الاقتصادية لم تكن قد تأثرت بالخلاف السياسي.
أما بالنسبة لإيران، فقد شهدت السنوات الأخيرة منذ بداية العقد الثالث من هذا القرن تطورات إيجابية في علاقاتها بعدد من الدول العربية التي خيم التوتر والقطيعة وأحيانًا الصدام على العلاقات معها، ففي ديسمبر٢٠٢١، زار مستشار الأمن القومي الإماراتي إيران، والتقى عددًا من المسؤولين، على رأسهم الرئيس الإيراني، وكان واضحًا أن السياسة الإماراتية الجديدة تسعى للتهدئة مع القوى الإقليمية كافة، وكان الموقف الواضح للإمارات برفض الدخول في أي ترتيبات تحالفية ضد إيران خير شاهد على هذا التوجه الجديد، وفي مارس ٢٠٢٣ أُعلن برعاية صينية الاتفاق على إعادة العلاقات السعودية الإيرانية بعد قطيعة دامت منذ ٢٠١٦ بسبب أعمال التخريب التي طالت مقار دبلوماسية سعودية في إيران في أعقاب أحكام الإعدام السعودية بحق ٢٧ شخصًا، على رأسهم الشيخ “النمر” رجل الدين الشيعي البارز، كما جرت في نفس السياق حوارات مصرية مكثفة أدت إلى تطبيع الاتصالات المصرية الإيرانية على أعلى المستويات، وإن لم تعد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين رسميًّا، علمًا بأن إدارة العلاقات بين البلدين تتم مباشرة من خلال سفارتيهما في القاهرة وطهران وليس عن طريق وسيط.
وهكذا يمكن القول إن المشهد الإقليمي حتى ٧ أكتوبر بصفة عامة كان يشير إلى تحول في نموذج التفاعلات العربية مع قوى المحيط الشرق أوسطي للنظام العربي باتجاه التهدئة والانفراج، فكيف كان تأثير عملية المقاومة الفلسطينية في هذا التاريخ ضد إسرائيل على ذلك المشهد؟
—
الدكتور عادل عامر
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا
01118984318
01555926548
01024975371
01277691834




