العالم العربيتقارير وتحقيقاتثقافةعاجلقصصمقالات

◙ القائد الذي هزم ثلاث ممالك صليبية في يومٍ واحد …

☀ رؤية تاريخية وعرض إعلامي من صفحة [شخصيات مؤثر] ...

لم يكن تحرير القدس ثمرة معركة واحدة، بل نتيجة مشروع طويل بدأه رجل آمن بأن النصر لا يولد من السيوف وحدها، وإنما من وحدة المسلمين والعدل بينهم. ذلك الرجل كان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي**، الذي وُلد في حلب سنة 511هـ (1118م)، ونشأ في بيتٍ جعل الجهاد ضد الصليبيين رسالة حياة.

 

تربى نور الدين على حفظ القرآن، وتعلم الفروسية والرماية، وتأثر بوالده القائد عماد الدين زنكي، الذي وضع أولى اللبنات في مشروع مقاومة الصليبيين. وعندما اغتيل والده سنة **541هـ (1146م)**، آل إليه حكم حلب، بينما تولى أخوه سيف الدين غازي الموصل.

 

منذ اليوم الأول، أدرك نور الدين أن الجيوش المتفرقة لن تهزم الصليبيين مهما بلغت قوتها، لذلك جعل هدفه الأكبر توحيد بلاد الشام قبل التفكير في استعادة القدس. بدأ بإصلاح أحوال دولته، فألغى الضرائب الظالمة، وأمّن طرق التجارة والحجاج، وشيد القلاع والأسوار، وبنى المدارس ودور الحديث، حتى أصبحت دولته تجمع بين القوة العسكرية والنهضة العلمية.

 

لكن الطريق لم يكن سهلاً.

 

الحملة الصليبية الثانية… أول اختبار كبير

 

في سنة 542هـ (1147م) وصلت الحملة الصليبية الثانية بقيادة ملك فرنسا **لويس السابع** وملك ألمانيا **كونراد الثالث**، وكانت من أخطر الحملات التي تعرضت لها بلاد الشام.

 

غير أن نور الدين نجح، بالتعاون مع قوات دمشق والموصل، في إحباط أهداف الحملة، وانتهت بالفشل بعد خسائر كبيرة، لتكون أول ضربة قوية يتلقاها الصليبيون بعد سقوط الرها.

 

استغل نور الدين هذا النجاح، وواصل الضغط على إمارة أنطاكية، فسيطر على عدد من القرى والحصون، وأصبح اسمه يثير القلق في كل معاقل الصليبيين.

 

## توحيد دمشق… الانتصار الذي سبق كل الانتصارات

 

كان نور الدين يعلم أن بقاء دمشق منفصلة عن حلب يمنح الصليبيين فرصة لاستغلال الخلافات بين المسلمين.

 

وبعد وفاة معين الدين أنر، تولى الحكم **مجير الدين آبق** الذي واصل التحالف مع الصليبيين، بل وافق على دفع جزية لهم مقابل حمايته.

 

رفض أهل دمشق هذا الواقع، وأرسل علماؤها إلى نور الدين يطلبون منه القدوم.

 

وفي سنة **549هـ (1154م)** دخل المدينة دون سفك دماء، ورحب به أهلها، لتتوحد لأول مرة معظم بلاد الشام الإسلامية تحت قيادة واحدة.

 

وكان هذا الإنجاز نقطة تحول في تاريخ الحروب الصليبية، لأن الصليبيين فقدوا أهم ورقة كانوا يعتمدون عليها، وهي انقسام المسلمين.

 

## هزيمة البقيعة… سقوط لم يكسر عزيمته

 

في سنة **558هـ (1163م)** تعرض نور الدين لهزيمة قاسية في **معركة البقيعة** بالقرب من حصن الأكراد، بعدما باغتته قوات الفرنجة قبل أن يستعد جيشه للقتال.

 

قُتل عدد كبير من جنوده، وكاد هو نفسه أن يُقتل لولا أنه تمكن من النجاة على ظهر فرسه حتى وصل إلى بحيرة قدس قرب حمص.

 

اجتمع حوله من بقي من جيشه، وهناك أطلق قسمه الشهير:

 

**”والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام.”**

 

لم تكن الهزيمة نهاية الطريق، بل بداية الاستعداد لأعظم انتصاراته.

 

عاد يوزع الأموال والسلاح على جنوده، وأعاد تنظيم الجيش حتى بدا وكأنه لم يخسر معركة من قبل، كما يروي ابن الأثير في *الكامل في التاريخ*.

 

## معركة حارم… اليوم الذي انكسرت فيه هيبة الصليبيين

 

في **22 رمضان سنة 559هـ (12 أغسطس 1164م)**، التقى جيش نور الدين بتحالف ضخم ضم **إمارة أنطاكية، وكونتية طرابلس، والإمبراطورية البيزنطية، والأرمن**.

 

اختار نور الدين أرض المعركة بعناية، ثم نفذ خطة عسكرية محكمة، فأوهم فرسان الصليبيين بأن ميمنة جيشه قد انهارت، فاندفعوا خلفها بسرعة.

 

وفي اللحظة المناسبة، التف الجيش الإسلامي حول فرسان العدو، وعزلهم عن المشاة، فتحولت المطاردة إلى كمين قاتل.

 

انهارت صفوف التحالف الصليبي، وسقط الآلاف بين قتيل وأسير.

 

ويذكر ابن الأثير أن المسلمين أسروا عدداً هائلاً من القادة، كان منهم **أمير أنطاكية، وكونت طرابلس، وقائد القوات البيزنطية، وابن جوسلين**، بينما تجاوز عدد القتلى عشرة آلاف.

 

كان ذلك واحداً من أعظم الانتصارات الإسلامية في القرن السادس الهجري، واستعاد نور الدين بعده **قلعة حارم** وعدداً من الحصون المهمة، وأصبحت الحدود الشمالية للشام أكثر أمناً من أي وقت مضى.

 

## الصراع على مصر… معركة السياسة قبل السيف

 

في الوقت الذي كان يقاتل فيه في الشام، كانت مصر الفاطمية تعيش اضطراباً سياسياً خطيراً.

 

أدرك نور الدين أن سقوط مصر في يد الصليبيين سيجعل بلاد الشام محاصرة من الجنوب، لذلك دخل سباقاً مع الزمن.

 

أرسل قائده البارع **أسد الدين شيركوه**، يصاحبه ابن أخيه الشاب **صلاح الدين الأيوبي**، لمساندة الوزير شاور.

 

لكن شاور، بعد أن عاد إلى منصبه، انقلب على شيركوه، وتحالف مع مملكة القدس الصليبية.

 

واصل نور الدين إرسال الحملات إلى مصر بين سنتي **559هـ و564هـ**، وفي الوقت نفسه كثف هجماته على الصليبيين في الشام، ليجبرهم على توزيع قواتهم بين الجبهتين.

 

وبعد سلسلة من الأحداث، أصبح شيركوه وزيراً لمصر، ثم توفي بعد أشهر قليلة، فتولى صلاح الدين الوزارة بأمر من نور الدين.

 

وفي سنة **567هـ (1171م)** أنهى صلاح الدين الدولة الفاطمية، وأعاد الخطبة للخلافة العباسية، لتدخل مصر والشام في جبهة واحدة لأول مرة منذ عقود.

 

وكان هذا الإنجاز أعظم انتصار سياسي حققه نور الدين، لأنه جعل تحرير القدس هدفاً قابلاً للتحقيق.

 

## قائد بنى دولة قبل أن يبني جيشاً

 

لم يكن نور الدين قائداً عسكرياً فقط، بل كان رجل دولة.

 

أقام المدارس في معظم المدن، واهتم بنشر القرآن والحديث، وأوقف الأوقاف على العلماء والطلاب، حتى أصبحت الحركة العلمية جزءاً من مشروعه الحضاري.

 

وألغى كثيراً من المظالم، وحرص على العدل بين المسلمين وغير المسلمين، ولم يكن يميز بين عربي أو كردي أو تركماني، وإنما كان يختار الرجال على أساس الكفاءة والإخلاص.

 

وكان شديد التواضع، كثير العبادة، يقوم الليل، ويحافظ على صلاة الجماعة، ويكثر من الدعاء قبل المعارك.

 

وفي يوم **حارم** وقف يناجي ربه قائلاً:

 

**”اللهم انصر دينك، ولا تنصر محموداً، فمن محمود حتى ينصر دينك.”**

 

## الإرث الذي غيّر التاريخ

 

في سنة 569هـ (1174م) توفي نور الدين محمود في دمشق، قبل أن يرى القدس محررة.

 

لكنه ترك خلفه دولة قوية، وجيشاً موحداً، وشاماً مستقرة، ومصراً متحالفة معها، وأهم من ذلك كله، ترك قائداً تربى في مدرسته هو **صلاح الدين الأيوبي**.

 

وبعد أقل من ثلاثة عشر عاماً، تحقق الحلم الذي عاش نور الدين من أجله، عندما انتصر صلاح الدين في حطين، ثم دخل القدس محرراً سنة 583هـ (1187م)

 

لم يشهد نور الدين ذلك اليوم، لكنه كان المهندس الحقيقي للطريق الذي أوصل المسلمين إليه، ولذلك بقي اسمه في التاريخ بوصفه الرجل الذي صنع النصر قبل أن يراه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى