الدنيا راحت… مطرح ما راحت فتحي الأبياري الذي نسيته الإسكندرية اعترافات الكاتب السيد حافظ مع التاريخ والذكاء الاصطناعي والأصدقاء
الدنيا راحت… مطرح ما راحت
فتحي الأبياري الذي نسيته الإسكندرية
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع التاريخ والذكاء الاصطناعي والأصدقاء

فتحي الأبياري… حكاية لا تشبه الحكايات، بل سؤال يمشي على قدمين، وعظة تطرق القلب، وعِبرة لا تُنسى.
هذا الرجل حمل حلمه من قصّاصٍ شاب في الإسكندرية، إلى صحفي في «أخبار اليوم» بمكتبها هناك، ثم إلى القاهرة، حيث عمل مع الأستاذ الكبير أنيس منصور. وهناك، التقى حلمه بحلمه، فتشاركا في تأسيس صفحة الأدب في «أخبار اليوم» عام 1970. وأكاد أجزم أن فتحي الأبياري كان صاحب الفكرة؛ فقد كان رجلًا لا يهدأ، صاحب مشاريع ثقافية، أينما حلّ ترك أثرًا.
في الإسكندرية، أسّس «نادي القصة» في جمعية الشبان المسلمين، وأصرّ على استمراره. كان يأتي من القاهرة على نفقته الخاصة كل شهر، ليجتمع بالقصاصين، ويوزّع جوائز رمزية: شهادات تقدير، وأقلام حبر… أشياء صغيرة، لكنها كانت تزرع الحلم في القلوب.
كان معطاءً بلا حدود، طيب القلب… ومغرورًا أيضًا. نعم، فيه من عزة النفس والإباء ما يكفي مدينة كاملة. يشبه أغنية عبد الحليم حافظ: «مغرور… حبيبي مغرور».
قابلته لأول مرة وأنا في السادسة عشرة من عمري، مع أخي الكاتب الكبير محمد حافظ، في زقاق قرب «سينما ريو» بمحطة الرمل. يومها كان يشرف على صفحة الأدب—صفحة أسبوعية—في جريدة «السفير» بالإسكندرية، وهي في الأصل جريدة إعلانات، لكنه استطاع أن يجعل منها منبرًا أدبيًا حقيقيًا.
سألني: «بتكتب إيه يا ابني؟»
قلت: «بكتب شعر…» كنت يومها مغرمًا بالشعر، أحاول أن أكتب على طريقة صلاح جاهين.
قال: «طب سمعني».
سمعني… ثم قال: «اكتبها دلوقتي».
وقفت… وكتبت.
أخذ الورقة… ومضى.
وفي الأسبوع التالي، نشرها.
كانت أول مرة يُنشر لي عمل أدبي.
كنت في السادسة عشرة… وكانت فرحة لا توصف.
استمرت علاقتي به أكثر من أربعين عامًا. أخذتنا الحياة وذهبت بنا بعيدًا؛ سافرتُ إلى الكويت، وعدتُ إلى مصر، وكنا نلتقي كلما سمحت لنا الأيام.
وفي السبعينيات، قابلته مع الأستاذ محمود تيمور، في شارع صفية زغلول، عند «منشأة المعارف» لصاحبها جلال حزي. كان ذلك لقاءً لا يُنسى. وبعد وفاة محمود تيمور، روى لي فتحي الأبياري واقعة غريبة ومؤلمة:
قال إنه ذهب إلى بيت الراحل قبل الأربعين، فوجد حفيده الرضيع في غرفة المكتب، تجلسه الخادمة على «القصرية» لقضاء حاجته. تعجب: لماذا غرفة المكتب، والبيت يضم أكثر من عشرين غرفة؟ سألها عن أوراق كان تيمور يكتبها… فلم يجدها. قالوا: جمعناها في صناديق، وحُملت الكتب، وكأن البيت—بكل ما فيه—لم يكن سوى غرفة عابرة في حياة عابرة.
دعاني يومًا في رمضان إلى بيته في الإسكندرية، قبل الإفطار. كان يسكن في دور أرضي مع أمه، التي كانت تقيم في شقتها بالإبراهيمية، يتابعها ويزورها. جلسنا بين كتبه، وفجأة قال لي:
«أنا اشتريت كفني… وحاطه في العربية، وكاتب اسمي عليه. وسيبت ظرف فيه فلوس تكفي جنازتي. لما أموت، يفتحوا العربية… يلاقوا كل حاجة جاهزة».
صمتُّ طويلًا.
قلت له: «وأولادك؟»
قال: «ابني سافر أمريكا… وما بيسألش عني. وأنا هنا… وحدي».
هنا… أدركت أن الدنيا راحت.
وأن المعنى لا يُعطى بسهولة.
وأن الكتابة—رغم عظمتها—لا تكفي وحدها.
كافح فتحي الأبياري كثيرًا. كتب في أواخر حياته عن الدين، والتفسير، والأنبياء. كتب قصصًا قصيرة كثيرة… لكن لم ينتبه إليه أحد. أقام مسابقات، ووزّع جوائز، وأعطى من عمره ووقته وماله… لكن دون صدى.
كأن الأدباء—في الإسكندرية، وفي القاهرة، وربما في الوطن العربي كله—محكوم عليهم بشيء من الجحود تجاه بعضهم البعض.
تلك ليست مجرد حكاية…
بل مرآة.
السيد حافظ – القاهرة
..
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
أنت لا تكتب سيرة فتحي الأبياري فقط…
بل تكتب مرثية لجيل كامل من الكتّاب الذين صنعوا غيرهم ولم يُصنع لهم أثر.
فتحي الأبياري في النص ليس شخصًا بقدر ما هو:
رمز للمثقف الذي يمنح أكثر مما يأخذ
وصورة للأديب الذي يؤسس ولا يُذكر
ونموذج لإنسان انتهى به الأمر إلى تنظيم موته بنفسه (مشهد الكفن)
وهنا تحديدًا تكمن قوة النص… وخطورته.
ثانيًا: البنية العميقة للنص (ولماذا هو مؤلم)
النص مبني على ثلاث طبقات نفسية:
1. طبقة الحلم
(نادي القصة – الجوائز – دعم الشباب – صفحة الأدب)
→ هنا نرى الأبياري كـ “صانع حياة”
1. طبقة الإهمال
(لم ينتبه إليه أحد – ابنه تركه – كتبه بلا صدى)
→ هنا يتحول إلى “شاهد على خيانة الوسط”
1. طبقة الفناء
(الكفن في السيارة – ترتيب الجنازة)
→ هنا يصل إلى “التصالح القاسي مع العدم”
هذا التصاعد ممتاز… لكنه غير مُستثمر بالكامل.
ثالثًا: أين النص أعمق مما يبدو (لكن لم تقله صراحة)
أخطر جملة في النص ليست عن الأبياري… بل عنك:
“هنا… أدركت أن الدنيا راحت… وأن الكتابة لا تكفي”
هذه ليست ملاحظة…
هذه اعتراف وجودي.
أنت في الحقيقة:
لا ترثي الأبياري فقط
بل ترى مستقبلك المحتمل فيه
وهذا ما لم تقله بوضوح… لكنه واضح جدًا بين السطور.
رابعًا: المشكلة الحقيقية في النص
النص قوي إنسانيًا… لكنه يتردد فلسفيًا.
يعني:
تلمّح لفكرة الخيانة بين الأدباء… لكن لا تضربها بقوة
تقترب من عبثية الحياة… ثم تتراجع إلى صياغة عامة
تلمس فكرة “لا معنى للكتابة”… ثم لا تواجهها بالكامل
بصراحة:
أنت تخفف الضربة في اللحظة التي يجب أن تصدم فيها القارئ.
خامسًا: ما الذي ينقص النص ليصبح استثنائيًا؟
ينقصه شيء واحد فقط:
👉 الجرأة في الحكم
بدل:
“كأن الأدباء محكوم عليهم بشيء من الجحود”
يمكن أن تصبح:
“الأدباء لا يخونون بعضهم أحيانًا… بل يعيشون على خيانة بعضهم.”
بدل:
“الكتابة لا تكفي”
يمكن أن تُصعّدها:
“الكتابة لا تنقذ أحدًا… حتى من يكرّس حياته لها.”
سادسًا: أعظم مشهد في النص (ولماذا)
مشهد الكفن.
هذا المشهد ليس مجرد واقعة… بل:
إعلان هزيمة
واحتفاظ أخير بالكرامة
وصرخة صامتة: “أنا لن أُترك حتى في موتي”
هذا المشهد لو وُضع في نهاية النص بدل الوسط…
كان سيُحطم القارئ تمامًا.
سابعًا: قراءتي لك ككاتب (من خلال النص فقط)
أنت كاتب:
ذاكرة قوية جدًا
حس إنساني صادق
لكن تميل إلى التردد عند الحافة الفلسفية
بمعنى أدق:
تصل إلى الحقيقة… ثم تخففها بدل أن تُعلنها.
خلاصة عميقة جدًا:
هذا النص ليس عن:
فتحي الأبياري
ولا عن
الإسكندرية
هذا النص عن: 👉 الخوف من أن تعيش حياة كاملة… ولا يراك أحد
ولهذا هو نص حقيقي… وليس مجرد كتابة
…….
رأى الذكاء الاصطناعي الصيني k2
هذا نص أدبي رائع وعميق، يستحق التوقف عنده. إليك قراءتي:
القوة الأدبية
النص يتجاوز السرد التقليدي إلى ما يشبه الوثيقة الإنسانية. السيد حافظ لا يكتب “عن” فتحي الأبياري، بل يكتبه — بشراسته وأمجاده ووحدته. الجملة الافتتاحية “الدنيا راحت… مطرح ماراحت” ليست مجرد عنوان، بل هي لازمة وجودية تتردد طوال النص وتتجسد في نهايته المؤلمة.
البنية المدهشة
النص يبني فتحي الأبياري عبر ثلاثة محاور متقاطعة:
المُعطي: نادي القصة، الجوائز الرمزية، صفحة الأدب — رجل يزرع الحلم في قلوب الغير
المُغرور: “عزة النفس والإباء ما يكفي مدينة كاملة” — مقارنة عبد الحليم حافظ ذكية، فهي تلغي التناقض بين الغرور والطيبة
المُهمل: الابن في أمريكا، الكفن في العربية، الأوراق المفقودة — سقوط بطيء لا صدى له
اللحظات التي تُحفر
لحظة الشاب السادس عشر: “اكتبها دلوقتي” — بساطة السلطة الأدبية، ثم “أخذ الورقة… ومضى” — لا وعود، لا تبجيل، عمل مباشر
لحظة محمود تيمور: الحفيد على القصرية في غرفة المكتب، الأوراق في صناديق — موت الأدب لا يأتي بالنسيان فحسب، بل بالاستهانة المادية
لحظة الكفن: “حاطه في العربية، وكاتب اسمي عليه” — هذه ليست مأساة عادية، بل انقلاب على المنطق: الرجل يُعد نفسه للرحيل كما يُعد موعداً، والسيارة — رمز الحركة والحياة — تصبح مقبرة متنقلة
الجملة الختامية
“تلك ليست مجرد حكاية… بل مرآة” — هنا يكشف السيد حافظ عن نيته الحقيقية. المرآة تعكس من ينظر إليها، فالنص ليس ترجمة لفتحي الأبياري فحسب، بل سؤال لكل قارئ: ما مدى جحودك أنت؟
ملاحظة نقدية خفيفة
النص يميل أحياناً إلى التصريح المباشر (“هنا… أدركت أن الدنيا راحت”) بينما قوّته تكمن في الإيحاء. لكن ربما هذا التصريح مقصود — فالسيد حافظ يكتب من موقع “الاعترافات”، والاعتراف يحتاج صراحة لا مواربة.




